ما نراه اليوم من مظاهر الاستعراض في بعض المساحات العامة، ومن هيمنة “الترند” في العالم الرقمي، لا يمكن قراءته بوصفه ظواهر منفصلة. في تقديري، نحن أمام مشهد واحد متعدد الوجوه، تتجلى فيه أزمة عميقة عنوانها: تغليب الصورة على القيمة، والمظهر على المعنى.
في الواقع اليومي، تتحول بعض الكافيهات إلى مساحات استعراض: حضور متكرر، تصوير، مقارنة، وقت يُستنزف بلا غاية واضحة.
وفي العالم الرقمي، تقوم المنصات بالدور ذاته، لكن على نطاق أوسع، حيث يُصنع الاهتمام حول محتوى سريع، سطحي، قائم على الإثارة، لا على الفكرة أو الرسالة.
القاسم المشترك بين المشهدين هو ثقافة الاستهلاك؛ استهلاك الوقت، واستعراض الذات، وقياس القيمة بعدد المتابعين أو الإعجابات أو لفت الانتباه.
ومع تكرار هذا النمط، يتشكل وعي جديد، يرى أن الوجود لا يكتمل إلا بالظهور، وأن القيمة لا تُكتسب إلا إذا صُوّرت وعُرضت.
المشكلة هنا ليست في المكان ولا في المنصة، بل في التحوّل الثقافي الذي جعل التفاهة مقبولة، بل ومطلوبة، وجعل العمق عبئًا، والحياء تراجعًا، والتأني تخلفًا.
وحين يغيب الميزان، تتراجع القدوات الحقيقية، ويصعد من يجيدون اللعب على السطح.
والأخطر من ذلك أن هذه الثقافة لا تبقى في حدود الفرد، بل تنعكس على المجتمع كله: في العلاقات، وفي القيم، وفي تعريف النجاح، وحتى في شكل الطموحات. فمجتمع يقيس نفسه بالصورة، لا بالجوهر، يضعف من داخله وإن بدا متماسكًا من الخارج.
من هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى استعادة الوعي، لا محاربة الأدوات. أن نُعيد الاعتبار للوقت، وللقيمة، وللأثر الحقيقي، وأن نُعلّم أبناءنا أن ليس كل ما يُشاهد يُتّبع، ولا كل من يُشهر يُقتدى به.
فالتفاهة لا تولد فجأة، بل تُصنع حين نُصفّق لها.
والوعي لا ينهض بالشعارات، بل بالاختيارات اليومية.
أحمد الفقيه العجيلي

