يشهد العالم اليوم تحوّلاً جوهرياً في مفهوم التعليم، حيث لم تعد المعرفة وحدها كافية لبناء اقتصادات قوية ومجتمعات منتجة، فالقيمة العملية المضافة هي المعيار الحقيقي لنجاح أي منظومة تعليمية، ومن هنا تبرز أهمية التدريب المهني بوصفه أحد أكثر المسارات التعليمية ارتباطاً بواقع التنمية ومتطلبات سوق العمل.
وفي هذا السياق، تأتي الرؤية التي طرحها سعادة السيد سالم بن مسلم البوسعيدي، الوكيل السابق لوزارة العمل لتنمية الموارد البشرية، خلال زيارته للكلية المهنية بصحم ولقائه بالموظفين، لتعكس فهماً متقدماً لطبيعة المرحلة؛ حين أكدّ أن ورش الكليات المهنية يجب أن تكون (مصانع للإنتاج، لا أماكن للتعليم والتدريب فقط)، وهي عبارة تختصر انتقالاً فكرياً مُهماً من مفهوم التعليم بوصفه نقلاً للمعرفة، إلى التعليم بوصفه صناعةً للقيمة.
فالمعرفة تمثّل نقطة الانطلاق، لكنها لا تشكّل بذاتها ضماناً للنجاح المهني.. قد يمتلك المتدرب قدراً كبيراً من المعلومات النظرية، لكن الفارق الحقيقي يظهر عندما يتمكن من توظيف هذه المعرفة في حل مشكلات واقعية، أو تحسين إجراءات عملية، أو تطوير منتجات وخدمات ملموسة، هنا فقط تتحول المعرفة إلى قيمة..
ومن واقع التجربة الميدانية في الكليات المهنية، يتضح أن أقوى نماذج التدريب هي تلك التي تُبنى على شراكة حقيقية مع سوق العمل، حيث يتم إشراك الطلبة والخريجين في مشاريع تطبيقية، وتكليفهم بمهام تحاكي بيئات العمل الواقعية، فالخريجون الذين تتعاون معهم الكليات اليوم لم يعودوا مجرّد متلقين للتدريب، كونهم أصبحوا جزءاً من منظومة إنتاج معرفي ومهني تسهم في تطوير المؤسسات التي يعملون فيها، وتمنحهم في الوقت ذاته خبرة عملية تعزز جاهزيتهم الوظيفية.
وتنسجم هذه التوجهات مع ما تشهده التجارب العالمية الرائدة في مجال التعليم المهني، ففي دول مثل ألمانيا وسنغافورة وكندا، يعتمد التدريب المهني على نماذج (التعلم القائم على العمل)، حيث يقضي المتدرب جزءاً كبيراً من برنامجه داخل المصانع والشركات، ويشارك في عمليات إنتاج حقيقية، ويُقيّم أداؤه بناءً على قدرته على الإسهام الفعلي في بيئة العمل. وقد أثبتت هذه النماذج قدرتها على تقليص الفجوة بين التعليم والتوظيف، ورفع مستوى الكفاءة المهنية للخريجين.
إن ما يميّز الرؤية التي يتبناها سعادته؛ أنها تنظر إلى التدريب المهني كجزء أصيل من منظومة التنمية الوطنية؛ فالتدريب المهني في صورته الحديثة أصبح رافعة استراتيجية لبناء رأس مال بشري قادر على الابتكار والإنتاج والمنافسة.
ومن هذا المنطلق، فإن الانتقال من التعليم إلى القيمة لا يتطلب تطوير المناهج فقط، ولكنه يستدعي أيضاً إعادة تصميم دور المدرب، وبناء شراكات مستدامة مع القطاعين العام والخاص، وخلق بيئات تعلم تحاكي الواقع المهني الحقيقي. فحين تتحول الورش إلى مساحات إنتاج، ويتحول الطلبة إلى صُناع قيمة، يصبح التعليم المهني أحد أهم أدوات بناء المستقبل الاقتصادي للدولة.
د. رقية بنت حميد الوهايبي

