قرأتُ وتابعتُ حالة الاستياء المتنامية في الشارع العُماني، ولا سيما في محافظة ظفار، تجاه الارتفاع الكبير في أسعار تذاكر الطيران على خط مسقط–صلالة والعكس، خلال فترات تتزامن مع الإجازات الدراسية والفعاليات المقامة في مسقط.
وهي فترات لا يمكن توصيفها كمواسم سياحية، بقدر ما هي مواسم اجتماعية طبيعية يتنقّل فيها المواطنون بين أهاليهم وأسرهم.
هذا الاستياء لا ينبع من فراغ، بل من مقارنة يراها كثيرون غير منصفة؛ ففي موسم الخريف تُطرح أسعار مخفّضة وعروض تشجيعية للمسافرين من مسقط إلى صلالة بهدف تنشيط السياحة والاستمتاع بالأجواء الموسمية، وهو توجه مفهوم ومقدَّر من حيث المبدأ.
غير أن هذه المرونة السعرية تختفي في فصل الشتاء، وفي الإجازات النصفية، حين يكون المسافر في الغالب طالبًا، أو ربّ أسرة من أبناء ظفار، أو مريضًا محوّلًا للعلاج في مسقط لعدم توفر بعض التخصصات الطبية أو المستلزمات الصحية في محافظته، وهي رحلات تُفرض بحكم الحاجة لا بدافع الترف أو السياحة.
هنا يبرز السؤال المشروع الذي يتداوله الناس: لماذا تُراعى الرحلات ذات الطابع السياحي، بينما لا تُراعى بالقدر نفسه الرحلات ذات البعد الاجتماعي أو الإنساني للمواطن؟
ولماذا تتحول الرحلة الداخلية، في بلد واحد، إلى عبء مالي ثقيل على فئة بعينها بحسب الموسم والاتجاه؟
بحسب ما يُتداول، فإن كثيرًا من الطلبة وأولياء أمورهم، وكذلك الأسر المرافقة للمرضى، يجدون أنفسهم أمام خيارات محدودة وتكاليف مرتفعة لا تتناسب مع طبيعة الرحلة ولا مع كونها داخلية، الأمر الذي يفاقم الأعباء المعيشية، ويحوّل وسيلة النقل من أداة وصلٍ اجتماعي إلى عامل ضغط إضافي على الأسرة.
ومن واقع تجربة شخصية، تتضح المفارقة بصورة أكثر حدّة؛ فقد سافرتُ في العام الماضي بين مدن خليجية بأسعار أقل بكثير من أسعار بعض رحلاتنا الداخلية اليوم.
رحلة من جدة إلى الرياض كلّفت نحو 27 ريالًا عُمانيًا، وهي رحلة تُعد متقاربة إلى حدٍّ كبير مع رحلة (مسقط–صلالة) من حيث المسافة الجوية، التي تبلغ في المسارين قرابة 850 كيلومترًا.
كما كلفت رحلة دولية أخرى من الرياض إلى الدوحة نحو 39 ريالًا عُمانيًا، وهي رحلة تتضمن رسومًا دولية وعبورًا للحدود، ومع ذلك تظل أقل كلفة بكثير.
في المقابل، تتراوح أسعار تذاكر الرحلات بين صلالة ومسقط في بعض الفترات حاليًا بين 70 و95 ريالًا عُمانيًا، وربما أكثر.
هذا التفاوت السعري الكبير، رغم تقارب المسافات، يطرح تساؤلات مشروعة حول منطق التسعير المعتمد، ومدى اتساقه مع المعايير التشغيلية والبعد الاجتماعي للطيران الداخلي.
إن الطيران الداخلي، خاصة في بلد ذي امتداد جغرافي كسلطنة عُمان، لا يمكن أن يُدار بالمنطق التجاري البحت ذاته الذي تُدار به الرحلات السياحية، حتى وإن كانت شركات الطيران بطبيعتها مؤسسات ربحية. فهو في جوهره خدمة وطنية تمس التعليم، وصلة الرحم، والاستقرار الأسري، وتكافؤ الفرص بين المحافظات، ما يجعل سياسات التسعير مطالبة بمزيد من التوازن ومراعاة خصوصية المواسم والظروف المعيشية.
ويزيد من حدّة التساؤلات أن الذاكرة القريبة ما زالت تستحضر توجيهات سابقة قضت بتثبيت أسعار تذاكر الطيران الداخلي خلال مواسم الذروة، وهي توجيهات طُبّقت –بحسب ما نتذكر– لموسم واحد فقط، قبل أن تعود الأسعار للارتفاع دون تفسير واضح للرأي العام.
وما يثير الاستغراب أكثر أن هذه الفترات نفسها تشهد طرح عروض كبيرة لرحلات دولية إلى وجهات في أوروبا وآسيا، بأسعار أقل من بعض الرحلات الداخلية، رغم أن المسافة أبعد والتكلفة التشغيلية أعلى، ما يجعل الفارق السعري محل تساؤل مشروع.
ولذلك، ما يطالب به الشارع اليوم ليس امتيازًا خاصًا ولا دعمًا استثنائيًا، بل مقاربة عادلة وشفافة تُشعر المواطن بأن شركات الطيران الوطنية شريك في تيسير حياته، لا عبئًا إضافيًا عليه. فحين تُدار الخدمات الوطنية بعين العدالة، تصبح جزءًا من الحل، لا أحد أسباب الاحتقان الصامت.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام الجهات المعنية: هل يُنظر إلى خط مسقط–صلالة كمسار تجاري خاضع للعرض والطلب فقط، أم كجسر وطني يفترض أن يُبنى على التوازن بين الجدوى الاقتصادية والمسؤولية الاجتماعية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لم تعد ترفًا إعلاميًا، بل ضرورة تمس ثقة المواطن في الخدمات الوطنية، وتؤكد أن العدالة في التنقل لا تقل أهمية عن أي بُعد تنموي أو اقتصادي آخر.
أحمد الفقيه العجيلي

