يعد القانون في جوهره أسمى تجليات العقل البشري الساعي نحو التنظيم، وهو العقد الذي يرتضيه الأحرار لحماية كينونتهم من غلبة القوة وجبروت السلطة، وحين نتحدث عن تشيزاري بيكاريا فإننا نتحدث عن اللحظة الفارقة التي انتقل فيها التشريع الجنائي من فوضى القرون الوسطى المظلمة إلى رحاب التنوير الحديث.
لقد كانت الميزة الكبرى للقانون قبل بيكاريا هي “الإرهاب” بينما أصبحت بعده هي “العدالة”، فالقانون في منظوره ليس مجرد سوط يلوح به الحاكم بل هو السياج الأخلاقي الذي يضمن لكل فرد ألا يُسلب حقه أو تُنتهك حرمة جسده إلا بناءً على ضرورة اجتماعية قصوى يحددها النص المكتوب بكل دقة ووضوح، بالتالي إن الإشباع القانوني الذي قدمه بيكاريا يكمن في إرساء فلسفة “النفعية الاجتماعية” التي ترى أن العقوبة يجب أن تخدم المجتمع لا أن تشفي غليل الانتقام، وهذا هو الفارق الجوهري بين شريعة الغاب وشريعة الإنسان، حيث يصبح القانون وسيلة للبناء ومنع الجريمة قبل وقوعها عبر التربية واليقين، بدلاً من كونه مجرد رد فعل دموي لا يعيد الحياة للضحايا ولا يصلح حال الجناة.
ومن هنا استمدت الأنظمة الجنائية قوتها من منطق عقل بيكاريا الذي جعل من المتهم كائناً ذا حقوق حتى تثبت إدانته، محولاً ساحات القضاء من مسارح للتعذيب إلى منابر لإثبات الحقائق بالدليل والبرهان والمنطق القانوني السليم.
النشأة والتعليم
ولد تشيزاري بيكاريا في مدينة ميلانو الإيطالية عام ألف وسبعمائة وثمانية وثلاثين، في زمن كانت فيه إيطاليا موزعة الولاءات بين القوى الإمبراطورية والكنيسة، ونشأ في كنف أسرة أرستقراطية وفرت له تعليماً نخبوياً لكنه كان تعليماً جامداً لا يتماشى مع روح التمرد التي سكنت جوارحه، وقد درس بيكاريا في الكلية اليسوعية ببارما حيث استوعب العلوم الإنسانية الكلاسيكية لكنه شعر باختناق فكري وصفه لاحقاً بالخمول الذي دام سنوات، إلا أن نقطة التحول الكبرى كانت في جامعة بافيا العريقة حيث انغمس في دراسة القانون ونال شهادة الدكتوراه في سن مبكرة عام ألف وسبعمائة وثمانية وخمسين، وهناك اكتشف أن نصوص القانون الروماني والكنسي السائدة لم تعد تواكب تطلعات العصر، فبدأ في قراءة أعمال الفلاسفة الفرنسيين والإنجليز مثل ديفيد هيوم ومونتسكيو، وانخرط في نقاشات فكرية عميقة داخل “أكاديمية القبضات” التي كانت تضم نخبة من العقول المتحررة في ميلانو، والذين حفزوه على كتابة عمله الخالد الذي لم يكن ليرى النور لولا إلحاحهم وإيمانهم بأن هذا الشاب يحمل في عقله بذور ثورة تشريعية ستغير وجه العالم، فكانت نشأته مزيجاً من الانضباط الأكاديمي الصارم والتحرر الفكري الجريء الذي مكنه من نقد المسلمات وهدم الأوثان القانونية القديمة.
عطاءات خالدة
ما قدمه بيكاريا للعالم في كتابه “عن الجرائم والعقوبات” لم يكن مجرد صفحات بل كان دستوراً أخلاقياً وعقلياً تبنته الأمم، حيث أرسى مبدأ الشرعية الجنائية الذي يعتبر اليوم المادة الأولى في كل دستور محترم، مؤكداً أن المشرع وحده هو من يملك حق وضع القوانين ممثلاً عن المجتمع، وأن القاضي ليس سوى منفذ للنص ولا يملك سلطة التفسير التي قد تؤدي للظلم، كما قدم للعالم مفهوم “تناسب العقوبة مع الجرم” محطماً فكرة العقوبات العشوائية التي كانت تسوي بين سارق الخبز وبين القاتل، وبرهن تقنياً وقانونياً على أن هدف العقوبة هو منع المجرم من العودة للإجرام وردع الآخرين، وليس تعذيب الروح أو تحطيم الجسد، كما كان أول من نادى بفصل السلطات في الجانب الجنائي منعاً للاستبداد، وشدد على ضرورة علانية المحاكمات وسرعة البت في القضايا لأن التأخير في العدالة هو بحد ذاته نوع من الظلم.
وهذه التقدمات العلمية هي التي دفعت فولتير لكتابة تعليق شهير على الكتاب اعتبر فيه بيكاريا مخلصاً للبشرية من بربرية القوانين القديمة، ووصفه الفلاسفة بأنه “نيوتن القانون” لأنه اكتشف الجاذبية التي تربط العدالة بالمنطق، وقالت عنه الإمبراطورية النمساوية والقوى الكبرى إن أفكاره هي التي منعت الثورات الدموية لأنها أعطت الشعوب الأمان في عدالة الدولة، حتى أن الآباء المؤسسين لأمريكا اتخذوا من كلماته مراجع صلبة عند صياغة التعديلات الدستورية الأولى.
من هنا، إن الخاتمة التي تستحقها سيرة هذا الرجل العظيم يجب أن تصاغ بكلمات أثقل من الجبال وأنفذ من السهام، فبيكاريا لم يكتب للقانونيين فحسب بل كتب لضمير الإنسانية الجمعي، مؤكداً أن الدولة التي تقتل باسم القانون هي دولة تمارس القتل بشرعية زائفة، وأن العدالة الحقيقية هي تلك التي تخجل من إراقة الدماء وتفخر بصيانة الأرواح، إن إرث بيكاريا هو الصرخة التي تتردد اليوم في كل قاعة محكمة يرفض فيها القاضي اعترافاً نُزع تحت الضغط، وهي النور الذي يشع من كل نص قانوني يقدس الحرية الفردية ويضعها فوق رغبة الحاكم في التسلط، فالقانون الذي لا يرحم الضعيف ولا يقيد القوي هو مجرد حبر على ورق، وعظمة بيكاريا تكمن في أنه جعل من “العقل” هو القاضي الأعلى ومن “الإنسان” هو القيمة الأسمى، فالحضارة لا تبنى بالقصور المشيدة بل بالعدالة المطبقة، وبقاء فكر بيكاريا حياً لقرون هو الانتصار النهائي للحقيقة على الزيف، وللرحمة على القسوة، وللنظام على الفوضى، فهو لم يمت بل استحال روحاً تسري في دماء القوانين العالمية، تذكرنا في كل لحظة أن أمن المجتمع لا يتحقق بالمقصلة بل بالحق، وأن شمس العدالة مهما غابت وراء سحب الاستبداد، فلا بد أن تشرق يوماً بفضل عقول آمنت بأن كرامة أصغر مواطن هي من كرامة الدولة ذاتها، وبأن القانون وجد ليخدم الإنسان لا ليذله، وليحرره لا ليدجنه، وهذا هو الخلود الحقيقي الذي لا يطاله نسيان.
عبد العزيز بدر عبد الله القطان
كاتب ومفكر – الكويت.

