أعلن مجلس الوزراء العُماني في يناير 2026، عن إنشاء مركز عُمان المالي العالمي، في خطوة لا تعتبر إضافة مؤسسية عابرة بقدر ما تمثل منعطفًا استراتيجيًا في فلسفة التنويع الاقتصادي للسلطنة. هذا الإعلان، الصادر عن وزارة المالية، لم يأتِ من فراغ، بل يأتي تتويجًا لمسار من الإصلاحات الاقتصادية والمالية، وإدراكًا متزايدًا أن ربط الاقتصاد الوطني بالشبكات المالية العالمية لم يعد خيارًا ترفيهيًا، بل ضرورة استراتيجية في عالم تتسارع فيه حركة رؤوس الأموال. ويتم طرح المركز ككيان ذي استقلالية تشريعية وإدارية وتنظيمية، مما يشير إلى نية تصميم منصة مالية “جديدة” قادرة على المنافسة وفق المعايير الدولية، وليست مجرد امتداد للنظام المالي المحلي القائم.
ولفهم طموح عُمان، يجب تفكيك مفهوم “المركز المالي العالمي” الذي تجاوز تعريفه البنوك وناطحات السحاب. وفق صندوق النقد الدولي، يشمل النظام البيئي الناجح للمركز المالي العالمي أربعة أركان متكاملة: إطار تشريعي مستقل وشفاف، غالباً ما يعتمد القانون العام الإنجليزي، وهيئة رقابية قوية ومستقلة تركز على المخاطر لا القواعد، وبنية تحتية تقنية ومادية عالية الكفاءة، وسوق عمل مالي عميق ومتنوع. وظيفتها الأساسية هي تسهيل التمويل والاستثمار الدوليين عبر الحدود، وتعمل كمحور للخدمات المالية المتخصصة مثل إدارة الثروات، والتأمين، والأسواق الرأسمالية، والتمويل الإسلامي، والتكنولوجيا المالية. النجاح فيها لا يُقاس بالحجم وحده، بل بقدرتها على خلق “تأثير الشبكة” حيث يؤدي وجود كل شركة إلى جذب شركات أخرى.
السياق العُماني: اقتصاد في مرحلة انتقال من “المصادر” إلى “الموارد”
يأتي المركز استجابةً مباشرةً لتحديات ورؤى حددتها “رؤية عُمان 2040”. لا يمكن فهم دوافعه دون النظر إلى التحول البنيوي الذي تشهده السلطنة. فبينما كانت الإيرادات النفطية تاريخيًا المحرك الرئيسي، تشير السياسات الأخيرة إلى تحول نحو “اقتصاد الموارد” الذي يستثمر العائدات النفطية في بناء قدرات إنتاجية دائمة. يظهر هذا المنحى في ارتفاع منهجي ومخطط لمساهمة القطاعات غير النفطية (التي تجاوزت 73% بنهاية الربع الثالث من 2025)، مقارنةً بـ 72.5% في 2024، وذلك في إطار تنفيذ الخطة التنموية الحكومية. ولقد بلغ معدل نمو الاستثمار الأجنبي المباشر أكثر من 30 مليار ريال عُماني بنهاية النصف الأول من 2025، بزيادة 12.8% عن العام السابق. هنا يظهر الدور المتوقع للمركز المالي: تحويل هذه المؤشرات الكمية إلى قيمة نوعية، عبر تحويل المدخرات المحلية والعالمية إلى تمويل ذكي للقطاعات الواعدة كاللوجستيات (موانئ صحار والدقم)، والسياحة (مشاريع الضيافة والتراث)، والصناعات التحويلية والزراعة.
المشهد التنافسي الإقليمي:
يدخل المركز العُماني سوقًا إقليميًا وصل إلى مرحلة “النضج التنافسي”، حيث تتبلور مكامن القوة والضعف لكل لاعب:
- مركز دبي المالي العالمي (DIFC): يمثل النموذج التجاري المتكامل الرائد، حيث بنى تفوقه على قاعدة أولوية زمنية، واتفاقيات شبكية مع عشرات الدول، وتركيز على الخدمات المصرفية وإدارة الأصول. أرقامه (نحو 7,700 شركة، إيرادات تقارب 500 مليون دولار) تعكس تأسيسه لـ “اقتصاد الحجم” الذي يصعب تجاوزه.
- مركز أبو ظبي العالمي (ADGM): يمثل النموذج التنظيمي-القانوني المتقدم، حيث استخدم اعتماد القانون الإنجليزي مباشرة كأداة جذب رئيسية، وتركز على قطاعات كإدارة الثروات والتمويل الخاص والتأمين. نموه السريع في التراخيص (أكثر من 11,000) يدل على فعالية هذه الاستراتيجية.
- مركز قطر المالي (QFC): يمثل نموذج المحور المتخصص الداعم للاقتصاد الوطني، بربطه المباشر باحتياجات تنويع الاقتصاد القطري ودعم الشركات المرتبطة بذلك.
- المملكة العربية السعودية: تمثل لاعبًا استثنائيًا بقوة السوق المحلية الضخمة، حيث يمكن لبرامج مثل “برنامج جذب المقرات الإقليمية” أن تجذب مؤسسات حتى بدون مركز مالي تقليدي.
ويعني هذا التشابك أن سلطنة عُمان لا تتنافس على “حصة سوقية” فحسب، بل على “مساحة ذهنية” في أذهان المستثمرين الدوليين.
استراتيجية التميز: نحو نظرية “التخصص المتكامل”
في مواجهة هذا المشهد، لا يمكن لنجاح المركز العُماني أن يأتي من نسخ النماذج القائمة. بل يتطلب صياغة نظرية قيمة واضحة ومبتكرة. يمكن صياغتها في نموذج “التخصص المتكامل” المبني على أربعة محاور:
1- محور التخصص الموضوعي: التمويل الإسلامي والتمويلات المستدامة
- التمويل الإسلامي: يمكن لمركز عُمان أن يطمح إلى تجاوز كونه سوقًا محليًا ليصبح منصة إصدار وتداول عالمية رائدة للمنتجات المالية الإسلامية، مستفيدًا من مكانة السلطنة الفريدة كدولة معروفة بوسطيتها وتقليدها الفقهي المقبول لدى مختلف المدارس الإسلامية. كما يمكن للمركز الاستفادة من الموقع الجغرافي الاستراتيجي لسلطنة عُمان، القريب من الأسواق الواعدة في شرق أفريقيا وجنوب آسيا، ليكون جسرًا ماليًا يربط بين هذه المناطق وبقية العالم في مجال التمويل الإسلامي.
- يمكن لمركز عُمان المالي العالمي أن يتحول إلى القطب المالي الرائد للاستثمارات المستدامة في المنطقة، وذلك عبر تبني ثلاثة محاور تمويلية استراتيجية ومتداخلة:
- التمويل الأخضر: لتمويل مشاريع الطاقة النظيفة مثل الهيدروجين الأخضر.
- التمويل الأصفر: لدعم قطاع الطاقة الشمسية والتقنيات المرتبطة بها.
- التمويل الأزرق: لتطوير الاقتصاد البحري المستدام.
سيعمل المركز من خلال هذا التخصص المتكامل على تصميم أدوات مالية مبتكرة – مثل إصدار سندات خضراء وزرقاء وصفراء، وتطوير صناديق استثمار مستدامة – وإنشاء منصة إقليمية لتجارة شهادات الكربون، ليصبح بذلك الذراع التمويلي الأساسي لتحقيق الطموحات البيئية والاقتصادية للسلطنة.
2- محور الميزة الجيوسياسية: المركز المالي كملاذ للاستقرار
يمكن تسويق سلطنة عُمان ليس فقط كـ “بلد مستقر”، بل كـ “بيئة مؤسسية متوقعة” – أي بيئة تتميز بثبات واستقرار القوانين والأنظمة والسياسات المالية – في منطقة عالية التقلب. هذا يتطلب ترجمة الحياد السياسي إلى ثبات تنظيمي وقانوني ملموس ويدركه المستثمرون، ويقلل من تكاليف وشكوك الاستثمار لديهم. يمكن أن يشمل ذلك إنشاء محكمة تجارية دولية سريعة وفعالة كجزء من المركز، كتطبيق عملي لهذا الثبات المؤسس.
- محور النموذج التشغيلي: جاذبية التكلفة والشراكات الذكية
بدلاً من محاولة استقطاب كل الشركات، يمكن التركيز على جذب “الرواد والمتخصصين” من خلال عرض تكلفة تشغيل تنافسية وإجراءات تسجيل مبسطة. كما يمكن تشكيل تحالفات استراتيجية مع مراكز أخرى (مثلاً مع سنغافورة في التكنولوجيا المالية، أو مع البحرين في التمويل الإسلامي) لخلق قنوات تدفق رأس المال.
- محور التكامل الوطني: المركز كـ “ممول للرؤية”
يجب أن يكون الربط بين المركز والاقتصاد الوطني مدمجًا في التصميم. يمكن ذلك عبر آليات مثل إلزام نسبة من الصناديق التي تديرها الشركات في المركز بالاستثمار في مشاريع وطنية معتمدة، أو إنشاء “نوافذ تمويل” داخل المركز مخصصة لقطاعات السياحة أو اللوجستيات.
من قرار سياسي إلى نموذج اقتصادي متماسك
إعلان مركز عُمان المالي العالمي هو بداية الطريق، وليس نهايته. التحدي الحقيقي لم يعد في “كيفية إنشائه”، بل في “كيفية تعريفه وتمايزه”. النجاح سيكون ثمرة لـ رؤية استراتيجية واضحة ترفض أن تكون نسخة باهتة من غيرها، وتبني نموذجها الخاص على أساس التخصص الدقيق، والميزة الجيوسياسية، والتكامل العضوي مع مشروع التنمية الوطني. إنه مشروع طموح يعكس رغبة عُمان في المشاركة الفاعلة في تشكيل النظام المالي الإقليمي، لا مجرد الاندماج فيه. مساره سيكون اختبارًا لقدرة الاقتصادات المتوسطة على الابتكار المؤسسي وخلق مكانة جديدة في نظام اقتصادي عالمي يتسم بالتركيز والمنافسة الشديدة.
د. إســلام جـمال الـديـن شـــوقي
خبير الاقتصاد ومحلل أسواق المال
عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي

