يقضي ساعات طوال في عمله. يحرص أن يكون أول من يصل إلى مقر العمل و يأبى إلا أن يكون آخر من يودعه متجاهلا أن المشرع وضع ساعات محددة للعمل لتمكين الموظف من تحقيق مهام عمله و أمور حياته الشخصية و إلتزامات تفاعله الًمجتمعي فلماذا يدمن البعض في عملهم.
يميز علماء النفس البارزون مثل الدكتور براين روبنسون والدكتورة ماليسا كلارك بين إدمان العمل وبين مجرد الانخراط العالي في العمل أو التفاني المهني . فإدمان العمل يعد حاجة قهرية للعمل بشكل متواصل إلى درجة تؤثر سلبًا في الصحة والسعادة والعلاقات والوظائف الاجتماعية. ولا يُقاس ذلك بعدد ساعات العمل، بل بدافع داخلي لا يمكن السيطرة عليه وبعجز الفرد عن الانفصال الذهني أو النفسي عن عمله.
من هؤلاء الذين باتوا يعرفون بإدمانهم لعملهم صديقي محمد الذي يعمل بإحدى شركات القطاع الخاص فرغم النداءات و المناشدات التي أخذ زملاءه و رؤوساءه و أفراد أسرته يقدمونها له لمراعاة التوازن و إدارة الوقت بشكل فعال ليتمكن من تحقيق أمور عمله و حياته الشخصية الإ أنه لم يعرهم أذن صاغية بل أخذ يختلق الأعذار في تبرير ما يصنعه و كأن المًؤسسةً و إنتاجيتها و ديمومتها تتمحور حوله فقط.
مرت الأيام و تلتها الأشهر و السنوات تترى و هو على ما هو عليه يقضي ساعات طوال في مقر عمله فتقلصت حياته بين جدران منزله الذي يأوي إليه منهكا دون أن يخصص لأهل بيته وقتا يلاطفهم و يطمئن عليهم و يشاطرهم مشاعرهم و توقعاتهم بحميمية و لطف ، و بين جدران مقر عمله الذي لا يكاد تفاعله مع من حوله من الزملاء و المسؤولين يذكر بل تجده يتقوقع حول مكتبه لا يرى من الحياة المؤسسية و تفاعلاتها شئ يذكر.
تدور عجلة الزمن و تمضي معها المناسبات و تنعقد المؤتمرات و تنظم الفعاليات و تقام المعارض . صيف يتلوه شتاء تهرول معها الأيام متعاقبة و لكن محمد يسجل غياب متكرر في المشهد الإجتماعي و تفاعلاته و يحرمه ذلك الغياب الإستفادة و الترفيه عن النفس و ترسيخ لعرى الأخوة و الصداقة و التطور على المستوى المهني و الفكري و عندما يسأله المقربون منه و ينك محمد لقد طال الغياب يأتي الجواب مألوفا يا أخي أعذرني مشغول.
يا أخي أعذرني مشغول عبارة يجدر التوقف أمامها. نتسأل مشغول في ماذا؟ فالكل لديه ذات الوقت على مدار اليوم و الشهر و السنة فلماذا تظل مشغولا طوال الوقت؟ و ماهي الدوافع التي تجعلك منهمكا في العمل دون مراعاة لحقوقك و واجباتك تجاه ذاتك و أسرتك و مجتمعك؟ و ما هي الآثار التي ستتكبدها من جراء إدمانك للعمل؟ فالتكلفة تفوق العائد من هذا الإدمان بأضعاف مضاعفة و حين تكتشف ذلك ستعض على أصابعك ندما حيث لا يجدي حينها البكاء على اللبن المسكوب.
تحدثت إليه قائلا أخي محمد الكل يعمل بإتزان ولكن ما الذي يجعلك مشغول دائما؟
العملٍ لا ينتهي، والمهام تتكاثر يوما تلو الآخر و لكن يجب أن ننجز المهام المنوطة إلينا في إطار ساعات العمل،فالمهام و المسؤوليات موزعة بين أعضاء الفريق بل وأن هناك بطاقة وصف وظيفي تحدد مهام كل وظيفة على حدة لكي ينساب العمل و ينجز كل موظف عمله في الوقت المحدد فيأتي الجواب على شكل أعذار غير مقنعة و كأن المؤسسة سيربكها غيابة لو واظب على الإلتزام بساعات العمل المحددة في عقد عمله.
إن عادة إدمان العمل تتجذر من جراء إنغماس الفرد وسعيه لإثبات ذاته وحرصه على تلبية توقعات الآخرين والهرب من فراغ داخلي أو من أسئلة مؤجلة في نفسه. بمرور الوقت تمنح هذه العادة مدمنها شعورًا زائفًا بالأهمية.
حين نسبر دوافع إدمان العمل نجدها تتراوح بين الخوف من فقدان المكانة أو نظرة الآخرين، والطموح غير المنضبط، والإحساس المفرط بالمسؤولية، وضعف التفويض وإدارة الوقت، ناهيك عن غياب الوعي بحق النفس والأسرة وقيمة الحياة خارج إطار العمل.
نظرت إلى محمد و قلت له، أتعلم أن هناك ضريبة يدفعها مدمن العمل منها آثار صحية كالإرهاق المزمن والتوتر والاحتراق الوظيفي، وآثار نفسية كفقدان الشغف والرضا، وآثار اجتماعية كفتور العلاقات والعزلة. كما قد ينعكس ذلك مهنيًا بانخفاض جودة الأداء رغم زيادة الجهد، لأن الإنسان المنهك لا يستطيع العطاء طويلًا.
قلت له محمد إن كانت النتيجة المتوخاة هي النجاح، فالنجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد ساعات العمل التي تقضيها منهمكا في ما تعمل بل بجودة المنجز منه والأثر الذي يعود على المؤسسة وأفرادها و فئات المجتمع المستهدفة منها.ثم استطردت قائلا ألم يحن الوقت يا محمد أن تتأمل في نفسك وتتسأل ماهي عوائد إدمانك للعمل عليك ؟ هل ستظل تكتوي بسلبيات هذه العادة السلبية وتتكبد ضريبتها. ها أنت أكملت عامك الثامن في العمل و لم يتغير شيئا في مسارك المهني، وهاهم أبناءك يكبرون أمام عينك وهم بحاجة إلى وجودك و توجيهك ومشاطرتك لهم لحظاتهم الجميلة. كم هي جميلة الحياة من حولك فاستمتع بها.
لابد لك من التوقف لتعي ذاتك و ما أنت عليه و تتخذ الخطوات اللازمة لتصحيح مسارك.إن أولى هذه الخطوات الإعتراف بأن مشكلة الإدمان في العمل هي العقبة التي يجب تجاوزها و المعضلة التي يجب حلها. و إذا كان الأمر يقتضي العلاج فعليك بإتخاذ الأسباب.
دعوني أسرد لكم من خلال هذه السطور خطوات تمكن الموظف من تجاوز إدمانه للعمل و
ضبط بوصلة حياته لتكن أكثر توازنا و عطاءا في كافة مجالات الحياة. لابد له اولا أن يدرك و يعترف بأن الإنغماس المفرط في العمل ينهك صحته فمثل هذا الوعي الذاتي سيقوده إلى تبني خطوات التغيير الشخصي بقناعة وواقعية. يلي ذلك عليه وضع حدود واضحة لساعات العمل والالتزام بها، مع إعادة تنظيم الوقت والتركيز على جودة الإنجاز لا على كثرة ما يقضيه من ساعات. ثم أن الأمر يقتضي العناية بالصحة النفسية والجسدية، وطلب الدعم المهني عند الحاجة من خلال اللجؤ إلى موجه او مرشد يعينه على تجاوز عادة إدمان العمل لديه.
من ناحية أخرى لابد للمؤسسات من تبني ثقافة عمل تتكئ على إعتبار التوازن والاستدامة قيمة من القيم التي ترتكز عليها و سلوك يمارس بشكل يومي لتلافي حالات إدمان العمل التي تستنزف طاقة من أدمن عليها من الموظفين، من خلال تبني سياسات عمل مرنةً ، وإلزام الموظفين بالتمتع بإجازاتهم عوضا عن تراكمها سنة تلو الأخرى. هنا لابد من التنويه أن القادة يلعبون دورًا محوريًا لموظفيهم عندما يكونون قدوة في التوازن، ويدعمون الحوار الآمن حول خطورة إدمان العمل و الإحتراق الوظيفي ، ويوزعون أعباء العمل وفقا لبطاقات الوصف سعيا لتحقيق الأداء العالي من تفعيل طاقات الجميع عوضا عن تكدس غالبية العمل لدى القلة بينما يهدر الآخرين الوقت دون عائد ملموس . كما أن المؤسسات مطالبة في تبني برامج التوعية والدعم النفسي لمساعدة الموظفين على التمييز بين الالتزام الصحي في تأديتهم لمتطلبات عملهم و عادة إدمان العمل. إن وضع برامج للتوجيه و الإرشاد و توظيف الكوتشنج سيكون لها أثر طيب في تصحيح المفاهيم الخاطئة و تبني توجهات إيجابية لحماية موظفيها وضمان أداءً أفضل و مستدام على المدى الطويل.
لو تأملنا في مؤسسات العمل حكومية أم خاصة سنجد الكثير ممن هم على شاكلة محمد وعلى المؤسسات مناهضة هذه العادة من خلال تبني ثقافة مؤسسية تدرك أهمية الإتزان بين العمل والحياة. ثقافة تسعى للإهتمام برفاه و صحة الموظفين فالإبداع لا يأتي من عقول باتت تحترق وظيفيا.
إن عادة إدمان العمل لا تعد دليل نجاح أو قوة، بل تعتبر مؤشر خلل نفسي وتنظيمي يحتاج إلى تدخل لضبط إيقاع المعادلة فالتوازن بين العمل والحياة شرط أساسي للصحة النفسية والنجاح المستدام على المدى الطويل فهيا نعيد إلى محمد ومن أدمن العمل عبر مؤسساتنا المختلفة بريق الحياة لنعزز مساهمتهم في كافة مناحيها، فإدمان العمل لا يعد إنتاجية بمعناها الحقيقي.
د. صالح الخمياسي
باحث و مدرب و كوتش في القيادة الذاتية والتغيير الشخصي.

