تُمثِّل الجمعيَّات التعاونيَّة الاستهلاكيَّة والتمويليَّة خيارًا واعدًا في تنشيط الحركة الاقتصاديَّة والتجاريَّة، وتعزيز تداول رأس المال في بناء أنشطة اقتصاديَّة جديدة تُلبِّي احتياجات المواطن والمُقِيم وتتفاعل مع طبيعة الاحتياج اليومي الأُسري والمُجتمعي، فهي مساحة أمان واستقرار نفْسي للمواطن في مواجهة غلاء المعيشة وزيادة الالتزامات الماليَّة وتعدُّدها، ومحطَّة تأمل وإعادة النظر في الممارسة الاستهلاكيَّة والثقافة الشرائيَّة، وداعمًا تمويليًّا للمواطن في مواجهة تداعيات القروض البنكيَّة وفكّ الكُرَب وسداد الالتزامات الماليَّة للأُسر المعسِرة والمُسرَّحِين والباحثين عن عمل المتعلقة بالفواتير والإيجارات والرسوم الحكوميَّة الشُّرطيَّة والبلديَّة والإسكانيَّة والخدميَّة وغيرها، في ظل ما يُمكِن أن تطرحَه الجمعيَّات التعاونيَّات من فرص وحوافز وبدائل، وتقدِّمه من خيارات داعمة للأُسر المعسِرة ومحدودة الدخل، وغيرها من الأُسر الداخلة ضِمن منظومة الحماية الاجتماعيَّة أو خارجها، وعَبْرَ فتح المجال للجمعيَّات التعاونيَّة المعنيَّة بمساعدة المواطنين، وفكّ كُرَبهم في الخروج من ربقة الالتزامات البنكيَّة والقروض الشخصيَّة، ومعالجة الأحكام القضائيَّة والملاحقات القانونيَّة الَّتي باتتْ تُرافق الكثير منهم بسبب عدم قدرتهم على سداد القروض البنكيَّة الإسكانيَّة والتجاريَّة، وفكّ الكُرَب وتَراكُم الديون والفواتير والالتزامات الماليَّة.
وفي ظل معطيات الواقع الاجتماعي والاقتصادي يُمكِن القول بأنَّ الجمعيَّات التعاونيَّة الاستهلاكيَّة والتمويليَّة هي الخيار الأفضل الَّذي يَضْمن تحقيق التحوُّل في مستقبل الحماية الاجتماعيَّة؛ نظرًا للميزة التنافسيَّة الَّتي تقدِّمها هذه الجمعيَّات ـ إن أُحسنت نُظُم إدارتها وأدوات عملها ـ ووفِّرت الإمكانات ونُظُم الرقابة والمساءلة الَّتي تضبط مسارها عن الانحراف، وتحافظ على درجة ثقة المواطن فيها قائمة، والتعامل مع مؤشِّرات المستقبل والاحتياج الاجتماعي لِتمارسَ دَوْرها الريادي في ظل منظومة عمل مُجتمعيَّة متكاملة، وبالتَّالي ما تطرحه من فرص اقتصاديَّة أكثر سعة ومرونة وارتباطًا بحياة المواطن، والتصاقًا بظروفه المعيشيَّة وتجلِّياتها في واقعه الاقتصادي، بما يُعزِّز من المرونة الاقتصاديَّة وانتقال رأس المال، ويوفِّر استدامة في الملاءة الماليَّة، ويُعزِّز مفاهيم الادخار والمسؤوليَّة والضبطيَّة الاستهلاكيَّة، وتوظيف المهارات والاستثمار فيها لِتصبحَ جزءًا أصيلًا من ثقافة المواطن اليوميَّة في مواجهة حالة الركود الاقتصادي، وارتفاع تعثُّر المشاريع الصغيرة والمتوسطة. ولعلَّ ما أفصحت عن وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار من شطب أكثر من (42) ألف سجلٍّ تجاري غير نشط ومنتهي الصلاحيَّة خير مثال يُعَبِّر عن هذا التراجع في الأنشطة الاقتصاديَّة نظرًا لاعتبارات كثيرة؛ وبالتَّالي التوقُّعات بأن تُسهمَ هذه الجمعيَّات التعاونيَّة في إعادة إنتاج المسار الاقتصادي، وتصحيح الأوضاع الماليَّة، وتنشيط حركة السوق الوطنيَّة عَبْرَ فتح آفاق أوسع لإصلاح حياة الناس الاقتصاديَّة، وتنشيط حركة الادخار والبيع والشراء وتداول المال وانتقاله، والاستفادة من كُلِّ الفرص الإيجابيَّة والتقنيَّة في بناء مساحات أمان أوسع يعيش خلالها المواطن حياة الإنتاجيَّة والأمان والصحَّة النفْسيَّة.
وبالتَّالي ما يُتوقع أن يُسهمَ به هذا التوجُّه من تقليل الضغط على الحكومة في تنفيذ هذه الاحتياجات، وإعطاء مساحة أكبر لتمكين المواطن والمحافظات والقِطاع من الاعتماد على النَّفْس، وتدوير موارده الذاتيَّة بكفاءة عالية، وتنشيط الحركة الاقتصاديَّة في المحافظات ودَوْر المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة الَّتي تنفِّذ اتفاقيَّات شراكة مع هذه الجمعيَّات، أو تنفِّذ لها مشاريعها الإسكانيَّة والتجاريَّة والخدميَّة الَّتي تقدِّمها، وما قد يُسهم به ذلك في التقليل من الهدر، والمزيد من الرقابة على المال العام، وتقليل الفاقد الزمني الناتج عن طول انتظار الدَّوْر في الموضوعات المتعلقة بالإسكان الاجتماعي والقروض الإسكانيَّة، فإنَّ مرونة الحركة، وكفاءة الآليَّات، وفاعليَّة التشريعات، وقوَّة الصلاحيَّات، والتمكين والدعم المالي الَّذي يتوافر لها، والإدارة المُجتمعيَّة المخلِصة الَّتي تَقُوم على رعايتها وإدارتها، وتوفير المكنات التسويقيَّة والترويجيَّة الماليَّة وغيرها، سيصنع لحضورها القوَّة ولوجودها أثرًا، ويترك لنجاحها بصمة في كُلِّ منزل وأُسرة.
إنَّنا مع التأكيد على أهميَّة حضور هذه الجمعيَّات التعاونيَّة الاستهلاكيَّة والتمويليَّة في منظومة العمل الوطني، فإنَّ تعزيز التشريعات الوطنيَّة وحوكمة قِطاع مؤسَّسات المُجتمع الأهلي، وإصدار قانون الجمعيَّات الأهليَّة سوف يُعزِّز من كفاءة هذا النهج، ويزيل حالة التخوف واللبس من قدرة هذه الجمعيَّات على تحقيق الثقة وبناء مسار اقتصادي أكثر مرونة وملاءة للمواطن، ولم تَعُد المسألة اليوم ترفًا مُجتمعيًّا، بل خيار المرحلة وضرورة اجتماعيَّة واقتصاديَّة في مساعدة الحكومة وأنظمة الحماية الاجتماعيَّة في توفير هذه الفرص، وتحمل في ذاتها دلالات كثيرة في تعظيم قِيمة الثقافة المُجتمعيَّة والهُوِيَّة الوطنيَّة والسَّمْت العُماني، والتأكيد على المنتج العُماني؛ باعتباره الخيار الأول في الفِقه الاستهلاكي للمواطن، وتشجيع الأُسر المنتِجة نَحْوَ تقديم أفضل ما لدَيْها من منتجات عالية الجودة، بل والانتقال بالأُسر المعسِرة من مرحلة الاحتياج إلى مرحلة الاكتفاء من خلال تعزيز مشاريعها الإنتاجيَّة وتقديمها للمُجتمع، فإنَّ حوكمة نظام الجمعيَّات التعاونيَّة، وتوسيع انتشارها في كُلِّ المحافظات، وتوفير الضمانات القانونيَّة والتشريعيَّة والأُطر الهيكليَّة والتنظيميَّة والإداريَّة الَّتي تعمل على إدارة الجمعيَّات التعاونيَّة وبناء نظام عملها، وفلسفة الأداء والأهداف والغايات والمهام والاختصاصات موجّهات رئيسيَّة إن أُحسن استخدامها من شأنه أن يُعزِّز من دَوْرها في المشهد الاجتماعي والاقتصادي القادم.
بالإضافة إلى الصورة التكامليَّة في دَوْر الجمعيَّات التعاونيَّة الاستهلاكيَّة والتمويليَّة، بحيثُ تتسع اختصاصاتها والفئات المستفيدة منها، والفرص الَّتي تعمل على إنتاجها، فهي من المُجتمع وإليه، هدفها احتواء المواطن اقتصاديًّا والعمل من خلاله في تحقيق سلام داخلي يعيشه المُجتمع قائم على التكامل والتكافل والإنتاجيَّة وتعظيم الأثر، وتؤدي دَوْرها في تحقيق المسؤوليَّة الاجتماعيَّة، والأعمال الخيريَّة، وتقليل نفقات ومصاريف الزواج ومساعدة المتزوجين، وفكّ كربة، ومساعدة محتاج، واحتواء الأُسر المنتِجة، وذوي الدخل المحدود، وإعانة أُسرة، ومساعدة أبناء المُجتمع المتضررين من الكوارث والأزمات والحرائق وغيرها، وتوفير أماكن الإيواء، والوقوف على الظواهر السلبيَّة الاجتماعيَّة والنفسيَّة في المُجتمع، وإنهاض المبادرات المُجتمعيَّة واحتوائها، والتعامل مع القضايا الإيجاريَّة والمديونيَّات المرفوعة على عددٍ من المدانين بالمحاكم في قضايا ماليَّة نظرًا لتعثُّرهم عن سدادها، بل تتَّجه إلى تعزيز دَوْرها في منظومة الإسكان الاجتماعي التعاوني، وعَبْرَ مساعدة المواطنين المستحقين لبناء منزل أو ترميم منزل صالح للاستخدام أو توفير مسكن مؤقت لأُسرة متضررة أو أُسرة محدودة الدخل تنتظر إنهاء بناء منزلها الجديد، وفْقَ ضوابط استحقاق واضحة وشروط مقننة، مرنة وعادلة، أو أن تتبنى مبادرات إسكانيَّة أو اقتصاديَّة جديدة بحيثُ تنفّذ جملة من المشروعات الإسكانيَّة والتجاريَّة والصناعيَّة وتأجيرها للمواطنين المستحقين بأسعار مناسبة، في قائمة غير منتهية ومهام تفتح الطريق للمُجتمع لمرحلة تعزيز روح التكامل والتناغم والانسجام بَيْنَ مُكوِّناته.
أخيرًا، فإنَّ كفاءة دَوْر الجمعيَّات التعاونيَّة الاستهلاكيَّة والتمويليَّة في المرحلة المقبلة مرهون بمستوى وضوح السياسات والأُطر التنظيميَّة والهيكليَّة والإداريَّة والماليَّة، ووجود نظام وطني متكامل للجمعيَّات التعاونيَّة وفلسفتها واختصاصاتها وآليَّات عملها، وتوفير الفرص لتعزيز حضورها في المُجتمع، وعَبْرَ بناء نظام وطني معزَّز بمرجعيَّات مؤسَّسيَّة وأُطر تشريعيَّة وتنظيميَّة وإداريَّة وهيكليَّة وتخطيطيَّة وتنفيذيَّة وقواعد بيانات محدّثة متكاملة تحدِّد تفاصيل عملها وخطوات التنفيذ، وأنظمة التقييم والرصد والتشخيص، وآليَّات المتابعة وأساليب التصحيح وطريقة رصد السلوك وبدائل الحل الَّتي تنتجها في التعامل مع طبيعة الظروف الاقتصاديَّة، وتوفير النماذج التطبيقيَّة والتنويع في الخيارات الاقتصاديَّة والبدائل الَّتي تطرحها، في ظل تعدُّد المهام والاختصاصات والأنشطة الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والخدميَّة الَّتي تقوم عليها، وفْقَ رؤية عصريَّة تأخذ بنُظم الحوكمة، والملاءة الماليَّة، والكفاءة الاستراتيجيَّة، ونُظم التسويق، والتشغيل، والاستثمار، والإنتاجيَّة، وكفاءة المدخلات والعمليَّات والمخرجات بحيثُ تستوعب هذه المنظومة في مُكوِّناتها، المسؤوليَّة الاجتماعيَّة للشركات، والصناديق الوقفيَّة، وصناديق الزكاة، والعمل التطوعي، ومنظومة الحماية الاجتماعيَّة، والضمان الاجتماعي، والجمعيَّات الخيريَّة، ومبادرات اللجان المحليَّة بالولايات، مرحلة تؤسِّس لبناء مبادرات مُجتمعيَّة جادَّة، تتَّجه مع الوقت إلى ضمان تمكين فئات المُجتمع من الاعتماد على النَّفْس، والخروج من الدائرة الاقتصاديَّة الَّتي تعيش فيها، وعَبْرَ تلمُّس جوانب القوَّة والخبرات والمهارات الَّتي تمتلكها لِتضيفَ إلى هذه الجمعيَّات عوامل قوَّة وإنتاج متجدِّدة تستلهم ما لدَى الأُسر من كوامن العطاء وفرص المبادرة، فهل سيؤدي انتظار المُجتمع لِمَا يفصح عنه قانون مؤسَّسات المُجتمع الأهلي وحوكمة قِطاع مؤسَّسات المُجتمع الأهلي من موجِّهات الثقة والريادة والخبرة والتجربة في إعادة إنتاج نظام الجمعيَّات التعاونيَّة الاستهلاكيَّة والتمويليَّة في المُجتمع وتوسعة خياراتها التنافسيَّة؟
د. رجب بن علي العويسي

