د. صالح بن عبدالله الخمياسي
يعد الأستاذ ربيع عمبر العريمي ربيعا أخضر من الشغف و العطاء. لقد قاده شغفه للتاريخ البحري لبلاده و حبه العميق لمسقط رأسه صور العفية إلى تقفي عراقتها و حكاياتها و أسرارها و سر تألقها في ما حاكته من قصص نجاح باتت تحكى في أرجاء عمان و خارجها، قصص يتداولها الأجيال جيلا تلوالأخر مجسدة هوية العماني وما يميزه من خلق و تحضر و إنسانية.

حكايات الارتباط بالأرض و الإنتماء للوطن و عشق للبحر و ترويض امواجه العاتية و إتقان صنع السفن و تشكيل أسس التجارة و التعامل مع بواكير العولمة التي ألف أسرارها العماني منذ زمن بعيد و التي نأمل أن يتصدى لها الباحثين لكي تدرس في الجامعات و الكليات كتاريخ إقتصادي لعمان.
عشق الأستاذ ربيع عنبر السفينة و هو يتأمل بناءها من العدم و يرى الروح تدب فيها و هي تشيد جزء تلوى الأخر. لقد أخذ يدون تفاصيل بناءها في ذاكرته و هو طفل صغير و أخذ خياله يرتوي من تلك المشاهد المختلفة التي استقاها من حكايات النجارين و البحارة و النواخذة و رحلاتهم و الأحداث التي شاهدوها و عاصروها و تعرضوا لها تاريخ شفوي مبعثر في أرجاء المدينة و خارجها. كانت مناسبات الإحتفاء بزفة السفينة إلى البحر عروس تجوب المحيطات بلطف الله تطربه فهي تجسد ملامح من ثقافة المكان و نسيجه الإجتماعي.
لقد قاده فكره و شغفه و حبه العميق إلى توثيق تراث مدينته و هو جهد شاق و لكنه سعى و إجتهد بصمت لكي تروي النتائج حصيلة جهده فجاءت ولادة متحف نادي العروبة و من بعدها متحف مركز فتح الخير فكرة له قصب السبق و الريادة فيها حتى رأت النور و باتت مقصد كل زائر و سائح.
بعد طول إنتظار تكلل جهدً الأستاذ ربيع و شغفه بإصدار كتابه ” صور العمانية مهد الملاحة البحرية” ليهدينا مرجعاً وثق من خلاله إرث المدينة وعراقتها التاريخية و ملاحمها و نسيجها الإجتماعي و ثقافتها و سر تألقها البحري و عظمته و تفاعل أهلها عبر مواسم التجارة مع الدول الأخرى و ترجمتهم للسمت العماني و الخلق الإسلامي و السلوك الإنساني. لقد حوى الكتاب مصطلحات لغويةً فنية حملت بين ثناياها اللهجة المحلية. كما عزز الأستاذ ربيع محتوى كتابه القيم بصور نادرة وخرائط توضح المسارات الملاحية التاريخية و ترسم للباحثين من بعده الطريق للمزيد من العطاء المعرفي.
إن هذا الكتاب يعد ثمرةً عقود طويلة من البحث والتقصّي والتحقق الدقيق من المعلومات، وهو جهد علمي تطلّب تنقّلًا ميدانيًا واسعًا، ليغدو مرجعًا وطنيًا وتاريخيًا وثق من خلاله تاريخ مدينته التي تاه شغفا في حبها فهي مركزًا عالميًا لصناعة السفن والملاحة البحرية تناول بين طياته انطلاق السفن الصورية و هي محمّلة بالبضائع منطلقة نحو موانئ البصرة والهند وسواحل شرق أفريقيا وغيرها مجسدا حياتهم و هم في وسط البحر يبددون الملل بأغانيهم التي تزف البهجة في نفوسهم. كما صور ملامح من تعاملهم مع الطبيعة و فورانها و هم في عرض البحر بثقة عالية بربهم و همة و تعاون بينهم .كما سلط الضوء على أنواع الأخشاب المستخدمة، وأساليب الحسابات الفلكية التي اعتمد عليها البحّارة العُمانيون، إلى جانب الطقوس الاجتماعية الملازمة لصناعة السفن. وأفرد المؤلف حيزًا خاصًا لسفينة «فتح الخير»، آخر سفن الغنجة، موثقًا رحلة عودتها إلى صور لتصبح متحفًا حيًا و شاهدًا على ريادة المدينة وأهلها وإنجازاتهم عبرحقب التاريخ البحري العُماني المتعاقبة.
رسم بريشته لوحات جسدت بإبداع ملامح المدينة. كما اقتفى حبات التراث المتناثرة و أخذ يلملم جواهره النفيسة من أفواه الكبار من مشايخ و ربابنة و نؤاخذة و نجارين و أصحاب صنعة. حكايات تروى واحده تلوالأخرى ويفوح عبقها وينتشر أريجها كخيوط الشمس وهي تتسلل لتضئ أرجاء المكان و تجسدعبقريته وعطاء إنسانه منطلقا من خور البطح إلى مواني الهند و العراق و الخليج و اليمن و الصومال و شرق أفريقيا حتى الصين.نعم ذلك الإنسان الذي حمل في قلبه و جسد عبر خلقه و تعامله ثقافة السلام و التعايش و الإحترام و الثقة بجدارة عالية.
اليوم و بالرغم من تقاعده عن العمل التربوي لم ينزوي بنفسه لكن شغفه إزداد وهجا فكثيرا ما يخصص وقته في تقديم المحاضرات و التحدث مع الناشئة في المدارس و الكليات و المناسبات الوطنية عن عراقة المكان و عبقريته و إنجاز الإنسان و عطاءه و دور الأجيال السابقة في رسم حكايات و مواقف عبر حقب وثقها تاريخهم البحري الذي جسد سمعتهم في الريادة التجارية و تميزهم في صناعة السفن التي حاكوا من خلالها إرثهم العظيم في الملاحة البحرية.
أن الزائر لمدينة صور سيجد الأستاذ ربيع و قد إتخذ موقعا على ضفاف خور البطح حيث تطرب رقصات الموج بموسيقاها المتراقصة أذنه و يسرح خياله و هو ينظر إلى الفضاء الأزرق امام عينه و يتأمل في أرث مدينته الموغل في عمق التاريخ و تستحضر ذاكرته ألوان من الموسيقى و الأهازيج المختلفة التي عزفت على الشاطئ الذي يقف أمامه . يستنشق نسمة هواء و يهمس لنفسه لطالما احتفى المكان بزفاف السفن للبحر و قدوم المحمل من رحلته التي خلفت وراءها لواعج الشوق و الحنين و التوق إلى فرحة العودة و اللقاء من جديد. كل هذا المخزون الثقافي جسدته براعته كرسام ماهر في لوحات فنية مميزة باتت معلقة في المتاحف و البيوت و مرصعة بين طيات الكتب و تتناقلها و سائل التواصل الإجتماعي لتنقل للأجيال الحالية سر الحكاية .
لقد أصبح هذا الرجل الخلوق والمتواضع مرجعا ثقافيًا وتاريخيًا للتراث البحري العُماني لا غنى عنه. و جسد عبر عمله المضني لسنوات طويله أن الموهبة لابد أن تصقل بالجهد و التفاني و أن النجاح رحلة يدفع المرء استحقاقها مسبقا. لقد أستحق أن يكون بحق أيقونة الشغف و العطاء، فتحية إجلال للإستاذ ربيع عنبر العريمي و لمثل هذه الهامات التي يحق لنا الإفتخار بعطائهم و يجدر بالمؤسسات الحكومية و الخاصة و المدنية بشتى صنوفها تكريمهم و تخليد عطاءهم فهم مشاعل نور تبدد العتمة و ترسم معالم الطريق و تحكي للأجيال أن وطنهم درة نفيسة يجب صيانتها و التفاني في العطاء من أجلها.
د. صالح الخمياسي – باحث و مدرب و كوتش في القيادة الذاتية والتغيير الشخصي

