يأتي شهر رمضان الكريم في حياة المسلمين لا كضيف عابر، بل كمرآة كاشفة، يضع الإنسان أمام نفسه دون رتوش، ويعيد طرح الأسئلة المؤجلة التي هرب منها طوال العام، وفي قلب هذا الشهر الفضيل يقف القرآن الكريم، لا بوصفه كتاب طقوس ولا مشروع أرقام، بل بوصفه الحدث الأكبر في تاريخ الوعي الإنساني، والخطاب الإلهي الذي لم يُنزَل ليُحفظ في الصدور فقط، بل ليُعيد تشكيل الصدور من الداخل.
ومع ذلك، فإن المفارقة المؤلمة أن الشهر الذي نزل فيه القرآن الكريم تحوّل عند كثيرين إلى موسم قراءة بلا أثر، وكأن العلاقة بين النص والحياة فُصِلت عمداً، أو أُفرغت من معناها العميق.
لقد اعتاد الناس أن يسألوا في شهر رمضان: كم ختمة ختمت؟ لا: ماذا غيّرت فيك آية واحدة؟ اعتادوا أن يتنافسوا في السرعة، لا في الفهم، وفي العدد لا في الأثر، ومع أن الله تبارك وتعالى يقول: “كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب”، إلا أن التدبر صار استثناءً نادراً، وكأن القرآن الكريم أُنزل للتلاوة المجردة لا للتذكّر والتحوّل، هذه القطيعة بين التلاوة والحياة ليست بريئة، بل هي إحدى أخطر مظاهر التدين الشكلي الذي يطمئن الإنسان إلى عبادته، دون أن يطال ضميره أو سلوكه.
بالتالي، إن القرآن الكريم في جوهره ليس كتاب معلومات، بل كتاب مواجهة، مواجهة مع النفس أولاً، ومع المجتمع ثانياً، ومع الحقيقة ثالثاً، هو خطاب لا يسمح للإنسان أن يظل محايداً طويلاً، لأن كل آية تحمل سؤالاً ضمنياً: أين أنت من هذا؟ حين نقرأ قوله تبارك وتعالى: “يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون”، فإن الخطاب لا يتجه إلى فئة غائبة أو زمن منقضٍ، بل إلى القارئ نفسه، في لحظته الراهنة، في تناقضاته اليومية، في ازدواجيته التي اعتاد تبريرها، هذه الآية الكريمة وحدها كافية لأن تهدم كثيراً من الاطمئنان الزائف الذي يبنيه الإنسان حول نفسه.
والفرق بين التلاوة والتلقي هو الفرق بين المرور والوقوف، بين الصوت والاستجابة، قد يتلو الإنسان القرآن الكريم كاملاً وقلبه لم يتحرك خطوة واحدة، وقد يقف عند آية واحدة فتقلب موازينه كلها، التلقي يعني أن يسمح الإنسان للنص أن يخاطبه، أن يزعجه، أن يوقظه، لا أن يمرّ عليه مرور الكرام، ولذلك قال تبارك وتعالى: “الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله”، فالغاية ليست القشعريرة العابرة، بل لين القلب الذي يفضي إلى الهداية.
والقرآن الكريم حين يُتلقّى بصدق يبدأ بتشكيل الضمير، والضمير في الرؤية القرآنية ليس شعوراً أخلاقياً فضفاضاً، بل وعي دائم بالمسؤولية والمحاسبة. حين يقول الله تبارك وتعالى: “بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره”، فإنه يضع الإنسان أمام حقيقة لا مهرب منها: أنت تعلم، حتى حين تتظاهر بالجهل، وتدرك، حتى حين تلوذ بالتأويل، هذه البصيرة الداخلية هي ما يصنع الفرق بين متدين يحسن الكلام، وإنسان يخاف أن يخون نفسه قبل أن يخون ربه.
والقرآن الكريم أيضاً لا يصنع إنساناً مثالياً، بل إنساناً صادقاً مع ضعفه، حيث يصف الإنسان كما هو قبل أن يطالبه بما ينبغي أن يكونه. يقول تبارك وتعالى: “إن الإنسان خلق هلوعاً إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً”، هذا الوصف ليس إدانة، بل تشخيص، تشخيص يفتح باب العلاج، لأن الاعتراف بالمرض شرط الشفاء، ومن هنا تأتي عظمة القرآن الكريم، فهو لا يجلد الإنسان بلا أمل، ولا يواسيه بلا مسؤولية، بل يجمع بين الرحمة والصرامة في توازن دقيق.
وشهر رمضان الكريم هو الزمن الذي تُعاد فيه تهيئة النفس لهذا النوع من التلقي، فالجوع يخفف من غطرسة الجسد، والصمت الطويل يفتح مساحات للإنصات، والليل الممتد يهيئ القلب للمواجهة، وفي هذا المناخ يصبح القرآن الكريم أكثر قدرة على النفاذ إلى الداخل، لا لأن النص تغيّر، بل لأن القارئ تغيّر، غير أن كثيرين يفرّون من هذه المواجهة إلى القراءة السريعة، لأن التدبر الحقيقي مكلف، ولأن نتائجه غير مضمونة لصالح الراحة النفسية.
بالإضافة إلى ذلك، إن التدبر الحقيقي مخيف لأنه لا يكتفي بتجميل الداخل، بل يعيد ترتيبه، حين نقرأ: “كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون”، لا يعود ممكناً الاكتفاء بالخطاب الجميل دون التزام، وحين نقرأ: “أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون”، يتهاوى وهم العيش بلا غاية، وحين نقرأ: “ووقفوهم إنهم مسؤولون”، يتحول الإيمان من شعور إلى عبء أخلاقي ثقيل، هذه الآيات لا تُحتمل طويلاً دون تغيير، ولذلك يخشاها من يخاف على استقراره الزائف.
لكن القرآن الكريم لا يقتصر على بناء الفرد، بل يؤسس وعياً اجتماعياً شاملاً، فهو يربط العبادة بالعدل، والإيمان بالمسؤولية، والتقوى بالإنصاف، يقول تبارك وتعالى: “لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط”، فغاية الوحي ليست الخلاص الفردي فقط، بل إقامة القسط في الأرض، ومن هنا يصبح القرآن قوة تغيير اجتماعي، لا نصاً يُستهلك في الزوايا المعزولة عن الواقع.
وحين يغيب هذا البعد الاجتماعي، يتحول التدين إلى ممارسة أنانية مغلقة، ينشغل فيها الإنسان بنجاته الخاصة، وينسى أن الإيمان الحقيقي لا ينفصل عن همّ الناس ومعاناتهم، القرآن الكرين يذكّر دائماً باليتيم، بالمسكين، بالمظلوم، بالغريب، لا بوصفهم قضايا هامشية، بل بوصفهم معيار صدق الإيمان، يقول تبارك وتعالى: “أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين”، فالدين هنا ليس طقوساً، بل موقف أخلاقي من الإنسان.
وفي رمضان تتجلى هذه الحقيقة بوضوح أكبر، فالصيام ليس جوعاً فردياً منعزلاً، بل تجربة تعيد للإنسان إحساسه بالفقراء والمحرومين، والقرآن الذي يُقرأ في الليل يفترض أن يظهر أثره في النهار عدلاً ورحمة وتواضعاً، والآيات التي تُرتل في المساجد لا بد أن تجد طريقها إلى الأسواق، وإلى البيوت، وإلى العلاقات اليومية، وإلا ظل القرآن صوتاً جميلاً بلا حياة.
وإن القرآن لا يمنح الطمأنينة لمن يصرّ على الغفلة، لكنه يفتح باب الرجاء على مصراعيه لمن صدق. يقول تبارك وتعالى: “قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله”، هذه الآية وحدها كفيلة بإعادة إنسان من حافة اليأس، لكنها في الوقت نفسه لا تبرر الاستمرار في الخطأ، بل تدعو إلى العودة. فالرحمة في القرآن الكريم ليست غطاءً للتهاون، بل جسراً للتوبة.
وقبيل دخول شهر الصوم، نحن بحاجة إلى إعادة تعريف علاقتنا بالقرآن الكريم، لا نحتاج إلى مزيد من الخطط والبرامج بقدر ما نحتاج إلى صدق، صدق في السؤال: هل نريد من القرآن الكريم أن يغيّرنا أم أن يطمئننا فقط؟ هل نريده أن يرافقنا في الحياة أم أن نزوره في رمضان؟ القرآن لا يطلب منا الكمال، بل يطلب منا ألا نكذب عليه ولا على أنفسنا.
في تقديري، الخسارة الحقيقية في شهر رمضان ليست في تفويت ختمة أو قيام، بل في الخروج من الشهر دون أن يزداد الوعي، أو يشتد الضمير، أو تتسع الرحمة، لأن القرآن ليس كتاب موسم، بل كتاب مسار طويل، ومن دخل شهر رمضان وهو مستعد لأن يُقرأ كما يقرأ، خرج إنساناً آخر، ومن دخله وهو يبحث عن الأرقام، خرج كما دخل، مثقلاً بالآيات، خفيفاً من المعاني.
عبد العزيز بدر عبد الله القطان
كاتب ومفكر – الكويت

