إن قراءة البعد السياحي وتأثيره في حياة الإنسان يضعنا أمام مقاربة مفاهيمية تجعل من رمضان سياحة روحية بامتياز؛ حيث يمثّل فرصة للاجتماع، والشعور بالأنس، وتذوق جماليات الحياة من خلال لقاء الأهل والأصدقاء والجيران ورواد المساجد على موائد الإفطار.
تلك التجمعات العامرة التي يبرزها رمضان، كما تفعل السياحة التي تمنح الانسان فرص البحث والاستكشاف واتساع الأفق في خروج عن روتين الحياة اليومية، والانفتاح على فضاءات أوسع، حيث يتحول رمضان إلى مساحة تدريب عملي على النظام، وحسن الاستقبال، وجودة الخدمة، واحترام الوقت، وتعظيم الموارد؛ وما يحصل من استغلال للمتنزهات السياحية في جلسات الإفطار وتأكيد ثقافة المشي والرياضة في المتنزهات والمماشي الصحية، كل ذلك وغيره يصنع من رمضان مدرسة سنوية لإعادة تأهيل المنظومة السياحية.
ولمّا كانت السياحة في أبعادها الإنسانية والاجتماعية أعمق من مجرد انتقال مكاني، بل تجربة قيمية وثقافية، واحتواء للذائقة الجمالية البيئية والقيمية والعادات والتقاليد الاجتماعية والمبادئ الحضارية المعبرة عن جوهر الانسان، فقيم النظام والانضباط والإحسان والتكافل والاتقان والسلام والأمان والسكينة والطمأنينة التي يرسخها رمضان هي ذاتها القيم التي تقوم عليها صناعة سياحية مستدامة، فإن هذا الأمر سوق ينقل البعد السياحي في رمضان إلى برنامج عمل وطني يعزز من كفاءة وجودة وتنوع وجاهزية المنتج السياحي.
على أن ما يُطرح عبر المنصات الاجتماعية من مشاهد التكافل، وتشارك الإفطار، وحسن الجوار، وصور القرى بمحافظات سلطنة عُمان العامرة بالمودة، إنما يعطي انطباعاً جميلاً عن بيئة وطنية نابضة بالحياة؛ وكأنها تعكس نموذجاً سياحياً قائماً على الأصالة والإنسانية. هذه الصورة الذهنية الإيجابية تمثل رصيداً معنوياً يمكن البناء عليه في تعزيز جاذبية المنتج السياحي وإبراز خصوصيته الثقافية، والانتقال بالعادات والتقاليد والقيم من إطارها الاجتماعي الضيق إلى فضاء أوسع باعتبارها ميزة تنافسية تعبر عن حقيقة السياحة في أجمل صورها وأعمق معانيها.
أخيراً، فإن المواسم الدينية تحمل أبعاداً عميقة تنقل السياحة من التجريد إلى الإنسانية، وتجعلها محطة للترابط الاجتماعي، والتعاطف، والقرب من الإنسان. والصوم بما يحمله من معانٍ سامية يرسخ هذا الشعور الجمعي بالآخر، وقيمة المشاركة والاحتواء.
فهل نصنع من رمضان استراحة إيمانية تُطلق فينا ثورة سياحية قادمة، تُعيد ترتيب أولوياتنا، وترفع من سقف جودة منتجنا، وتعزز جاهزيته، وتثري تنوعه، وتجعله أكثر التصاقاً بهويتنا وقيمنا ووعينا الجمعي؟.
د. رجب بن علي العويسي

