إن خدمة الحديث النبوي لم تكن يوماً عملاً تقنياً محضاً، ولا جهداً توثيقياً جامداً، بل كانت دوماً فعلاً حضارياً عميقاً تتجدد به صلة الأمة بمصادرها الأولى، ويُعاد عبره ترتيب علاقتها بالنص، فهماً واستدلالاً وتنزيلاً.
وقد شهد القرن الرابع عشر الهجري يقظة علمية لافتة في ميدان الدراسات الحديثية، تميزت بالعودة إلى التحقيق العلمي للنصوص، وإحياء أمهات الكتب، وإعادة النظر في مناهج التصحيح والتضعيف، في ظل تحولات فكرية كبرى شهدها العالم الإسلامي، وفي خضم هذا الحراك، برزت شخصيات علمية أسهمت في تثبيت أصول الصناعة الحديثية، وربطت بين الوفاء للتراث والانخراط الواعي في قضايا العصر.
ومن بين هذه الشخصيات يتقدم اسم عبد الله الغماري بوصفه نموذجاً لعالم تشكّلت شخصيته في بيئة علمية مغربية عريقة، واستند في تكوينه إلى تراث واسع من علوم الرواية والدراية، ثم انصرف إلى خدمة السنة تخريجاً ونقداً ورداً ومناقشة، إذ لم يكن اشتغاله بالحديث اشتغال حافظ ناقل فحسب، بل كان اشتغال ناقد متأمل، يُقلب الأسانيد، ويتتبع الطرق، ويوازن بين أقوال الأئمة، ويخوض في علل الروايات بروحٍ علمية لا تخلو من جرأة، كما اتسم حضوره العلمي بانخراط واضح في الجدل الحديثي المعاصر، حيث قدّم ردوداً ومناقشات كشفت عن سعة اطلاعه على كتب السنة والعلل، وعن حس نقدي متيقظ لا يقف عند ظاهر الحكم، بل ينفذ إلى أصوله ومآخذه.
وإذا كانت المدرسة الحديثية في المشرق قد حظيت بعناية بحثية واسعة، فإن الإسهام المغربي – على أهميته وامتداده – لا يزال بحاجة إلى قراءة تحليلية متأنية تُبرز ملامحه المنهجية وخصائصه العلمية، ومن هنا تنبع أهمية دراسة شخصية عبد الله الغماري، لا بوصفه اسماً في سجل التراجم فحسب، بل بوصفه تجربة علمية تمثل حلقة في سلسلة ممتدة من عناية المغاربة بالسنة النبوية، وتكشف عن كيفية تفاعل المحدث المعاصر مع التراث، بين الالتزام بالقواعد المقررة، والانخراط في أسئلة الواقع العلمي المتجدد، ومن ثم فإن هذا البحث يسعى إلى مقاربة منهجه في تخريج الحديث ونقد الأسانيد، وتحليل نماذج من تطبيقاته، وتقويم موقعه ضمن خريطة الدراسات الحديثية في القرن الرابع عشر الهجري، في محاولة لقراءة منصفة تُبرز القيمة العلمية، وتُحسن موضعها في سياقها التاريخي والفكري.
النشأة والسياق العلمي
وُلِدَ عبد الله الغماري في مطلع القرن الرابع عشر الهجري/العشرين الميلادي بمدينة طنجة شمال المغرب، في أسرة عُرفت بالعلم والاشتغال بالحديث الشريف، وهي أسرة آل الغماري التي أنجبت عدداً من العلماء المبرزين في علوم السنة، وقد شكّلت هذه البيئة العائلية العلمية أول محضن لتكوينه، إذ نشأ في بيت يتردد فيه ذكر الأسانيد، وتُقرأ فيه دواوين الحديث، وتُناقش فيه مسائل الجرح والتعديل، فكان من الطبيعي أن تتجه عنايته منذ صغره إلى علوم الرواية والدراية.
كما تلقى مبادئ العلم في مسقط رأسه، فحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، ودرس مبادئ العربية من نحوٍ وصرفٍ وبلاغة، إلى جانب متون الفقه المالكي والعقيدة والتفسير، غير أن ما ميّز مسيرته منذ البدايات هو انصرافه المبكر إلى كتب الحديث، لا على سبيل القراءة العامة فحسب، بل على سبيل التلقي المنهجي القائم على الضبط والسماع، وهو ما أكسبه قدرة مبكرة على التعامل مع النصوص الحديثية تعاملاً نقدياً واعياً.
وفي رحلة لتلقي العلم، انتقل إلى القاهرة طلباً لمزيد من التحصيل، فالتحق بالأزهر الشريف، الذي كان آنذاك مركزاً علمياً نابضاً بالحياة الفكرية، يجتمع فيه طلاب العلم من مختلف أقطار العالم الإسلامي، وفي رحاب الأزهر توسّعت مداركه، واحتكّ بمدارس علمية متعددة الاتجاهات، فقرأ على عدد من كبار علمائه، وتعمّق في علوم الحديث وأصول الفقه وعلوم العربية، ولم يكن حضوره في القاهرة حضور طالبٍ عابر، بل كان انخراطاً جاداً في مناخ علمي زاخر بالمناقشات والجدل العلمي، الأمر الذي صقل ملكته النقدية، ووسّع أفقه في النظر والاستدلال.
وقد استفاد الغماري في تلك المرحلة من مكتبات القاهرة الغنية بالمخطوطات وطبعات أمهات الكتب، فازداد اتصالُه بمصادر السنة الأصلية، وتوثّقت صلته بكتب العلل والرجال، وهي الصلة التي ستظهر آثارها جلياً في مؤلفاته اللاحقة، كما أتاحت له القاهرة التواصل مع علماء من مشارب مختلفة، ما أضفى على تكوينه بُعداً مقارناً، وجعله مطّلعاً على اتجاهات متعددة في التصحيح والتضعيف.
وعند عودته إلى المغرب، كان قد اكتمل له قدر معتبر من النضج العلمي، فشرع في التدريس ونشر العلم، مستنداً إلى رصيدٍ علمي متين، ومكتبة واسعة، وتجربة دراسية جمعت بين التلقي التقليدي في البيئة المغربية الأصيلة، والتكوين الأزهري المنفتح على تعدد المدارس، وقد انعكس هذا المسار المزدوج على شخصيته العلمية، فكان متمسكاً بأصول الصناعة الحديثية كما قررها المتقدمون، وفي الوقت نفسه حاضراً في النقاشات المعاصرة، يكتب ويردّ ويناقش.
ولم تكن نشأته العلمية منعزلة عن السياق العام الذي عاش فيه؛ فقد جاء في مرحلة شهدت تحولات سياسية وفكرية عميقة في العالم الإسلامي، مما جعل سؤال العودة إلى المصادر، والتحقق من صحة المرويات، وإعادة قراءة التراث، سؤالاً ملحاً في الأوساط العلمية، وفي هذا المناخ تبلورت شخصية عبد الله الغماري محدّثاً ناقداً، يعتني بالسند كما يعتني بالمتن، ويستحضر أقوال الأئمة، ويستفيد من مناهجهم، دون أن يتخلى عن حقه في الترجيح والنظر.
وهكذا يمكن القول إن نشأته لم تكن مجرد مرحلة زمنية في حياته، بل كانت الأساس الذي قامت عليه مشروعه العلمي برمّته؛ إذ اجتمع له عنصران قلّ أن يجتمعا على هذا النحو: عمق الانتماء إلى تقاليد علمية مغربية عريقة في خدمة السنة، والانفتاح على مركز علمي عالمي هو الأزهر الشريف، بما أتاحه ذلك من تنوع في التلقي واتساع في المدارك، ومن خلال هذا التكوين المتدرج والمتنوع، تشكلت ملامح عالم حديثيّ وُصف بسعة الاطلاع في كتب السنة والعلل، وبالقدرة على الخوض في دقائق مسائل الأسانيد، وهي السمات التي ستظهر بوضوح في مسيرته العلمية اللاحقة.
وقد تكوّنت شخصية عبد الله الغماري العلمية في ظل شبكة واسعة من الشيوخ الذين مثّلوا امتداداً لمدرسة حديثية مغربية عريقة، كان في مقدمتهم والده العالم المحدّث، إضافة إلى ثلة من علماء المغرب ومصر ممن جمعوا بين الرواية والدراية، وقد أخذ عنهم علوم الحديث سنداً ومتناً، وتشرّب من مجالسهم روح التعظيم للسنة، والصرامة في التثبت من الروايات، والحرص على فهم كلام الأئمة في سياقه العلمي، ولم يكن تلقيه قائماً على مجرد قراءة الكتب، بل كان اتصالاً حياً بسلسلة الإسناد، واستيعاباً لمنهج المتقدمين في النظر والترجيح.
أما تلاميذه فقد التفّ حوله عدد من طلبة العلم الذين تأثروا بطريقته في التحقيق والتخريج، فحملوا عنه عنايته الفائقة بالأسانيد، وحرصه على تتبع الطرق، وجرأته المنضبطة في المناقشة، وبهذا مثّل حلقة وصل بين جيل حافظ لتراث الرواية، وجيل جديد يواجه أسئلة العصر الحديثي بوعي نقدي.
وقد جاء اشتغاله العلمي في سياق مغربي متميز في القرن الرابع عشر الهجري، حيث شهدت البلاد حراكاً علمياً لافتاً في مجالات الفقه والحديث والتصوف وعلوم العربية، مع عناية متزايدة بإحياء المخطوطات وطباعة أمهات الكتب، وكانت البيئة العلمية المغربية آنذاك تقوم على الجمع بين حفظ المتون وتدارس الشروح، وبين الاعتناء بالسند واستحضار أقوال النقاد، مما أوجد تربة خصبة لظهور شخصية علمية مثل الغماري، تجمع بين التكوين التقليدي المتين والانخراط الواعي في نقاشات معاصرة.
وفي هذا المناخ تبلورت مكانته العلمية؛ إذ عُرف بسعة اطلاعه على كتب السنة والعلل، وبقدرته على استحضار أقوال الأئمة في مواطن الخلاف، حتى عُدّ من أبرز المشتغلين بالحديث في المغرب في عصره، وقد أثنى عليه عدد من العلماء لما لمسوه من رسوخ قدمه في الصناعة الحديثية، وإن اختلفوا معه في بعض اجتهاداته، وهو اختلاف يؤكد حضوره الفاعل في الساحة العلمية لا انزواءه عنها.
أما منهجه في تخريج الحديث، فقد اتسم بالشمول والدقة؛ إذ لم يكن التخريج عنده مجرد عزو الحديث إلى مصادره، بل عملية علمية مركبة تبدأ بجمع طرقه من مظانه الأصلية، مروراً بدراسة أسانيده، وانتهاءً بالحكم عليه في ضوء قواعد المحدثين، وكان يعتمد في ذلك على أدوات متعددة: الرجوع إلى كتب السنة الستة، والمسانيد، والمعاجم، وكتب العلل، والتراجم، مع استحضار أقوال النقاد المتقدمين. ومن مصادره المعتمدة دواوين السنة الكبرى، إضافة إلى كتب العلل مثل علل الدارقطني وابن أبي حاتم، وكتب الرجال التي تمثل العمود الفقري للحكم على الرواة، وكان يحرص على تتبع الطرق والمتابعات والشواهد، فلا يكتفي بطريق واحد، بل يجمع الروايات المتعددة ليوازن بينها، ويكشف ما فيها من زيادات أو اضطراب.
ومن النماذج التطبيقية الدالة على منهجه أنه إذا عرض لحديث مختلف في صحته، بدأ بتخريجه من مظانه، ثم عرض أسانيده واحداً واحداً، مبيناً حال رواته من حيث العدالة والضبط، ثم نظر في اختلاف ألفاظه، وهل هو من قبيل الزيادة المقبولة أو الشاذة، ثم ختم بترجيح مدعوم بأقوال الأئمة أو بمناقشة علل خفية، وإذا تناول حديثاً مشهوراً على الألسنة، لم يسلّم بشهرته، بل أعاده إلى ميزان النقد، فكم من حديث متداول بيّن ضعفه، وكم من رواية مهملة أظهر قوتها، وهنا تتجلى روحه النقدية التي لا تركن إلى الشائع، بل إلى الدليل.
وفي نقد الأسانيد والمتون، التزم معايير دقيقة في الحكم على الرواة، مستنداً إلى أقوال أئمة الجرح والتعديل، مع محاولة الجمع بينها متى أمكن، أو الترجيح بينها وفق ضوابط مقررة، ولم يكن يقبل الجرح أو التعديل على إطلاقه، بل ينظر في سببه وسياقه، ويوازن بين أقوال النقاد بحسب طبقاتهم ومناهجهم، كما أظهر عناية واضحة بعلم العلل، فكان يتتبع أوجه الاختلاف في الروايات، ويبحث عن الانقطاع الخفي، أو القلب، أو الإدراج، مستفيداً من منهج المتقدمين الذين جعلوا العلة ميزاناً دقيقاً لا يدركه إلا المتمرّس بالصناعة.
أما موقفه من تصحيحات وتضعيفات بعض المعاصرين، فكان يقوم على المناقشة العلمية لا على التسليم أو الرفض المطلق؛ إذ قد يوافقهم إذا رأى الدليل قائماً، وقد يخالفهم إذا رأى خللًا في المنهج أو في التطبيق. وقد تجلت هذه الروح في ردوده الحديثية التي كتبها في سياق جدل علمي محتدم، فكانت ردوده في الغالب دفاعًا عن منهج يراه أقرب إلى أصول المتقدمين، أو اعتراضاً على ما يراه توسعاً غير منضبط في التصحيح أو التضعيف، وتميز أسلوبه في الجدل بالاستدلال النصي، واستحضار أقوال الأئمة، مع حدّة أحياناً تعكس حرارة النقاش في تلك المرحلة، كما يمكن تقويم هذه الردود بأنها أسهمت في تنشيط البحث الحديثي، وإن أثارت في بعض الأحيان سجالات حادة، لكنها في المحصلة دلّت على حيوية الساحة العلمية.
وقد تركت مواقفه أثراً واضحاً في المدرسة المغربية، حيث أعادت التأكيد على مركزية علم الإسناد، وأهمية الرجوع إلى كتب العلل والرجال، وعدم الاكتفاء بالأحكام المجملة، كما كانت له صلة بالحركة الحديثية في المشرق، سواء من خلال قراءاته أو من خلال الحوار غير المباشر مع أعلامها، مما جعل حضوره يتجاوز الإطار المحلي إلى أفق أوسع، وعند تقويم منهجه تقويماً شاملاً، يظهر أنه كان يمثل اتجاهاً حريصاً على استحضار مناهج المتقدمين، مع انخراط فعلي في قضايا عصره، وهو ما يمنحه مكانة مميزة في خريطة الدراسات الحديثية في القرن الرابع عشر الهجري.
وخلاصة القول إن عبد الله الغماري لم يكن مجرد محدّث يكرر ما قيل، بل كان فاعلاً في إعادة تفعيل أدوات النقد الحديثي في زمن كثرت فيه الأحكام المتعجلة، وتتجلى أهم النتائج في إبراز رسوخ منهجه في التخريج، وعمق عنايته بالعلل، وجرأته العلمية في المناقشة، مع تأثير واضح في محيطه المغربي واتصالٍ بالحراك المشرقي.
ومن خلال الغوص بعض الشيء في سيرة هذا العالم القدير، أنصح كل طلاب العلم والمعرفة بمزيد من العناية بتحقيق آثاره، وجمع رسائله ومقالاته الحديثية في عمل علمي موحد، ودراسة مقارنته بمناهج معاصريه دراسة تفصيلية ليستفيد منها الجميع، فضلاً عن أنها تفتح آفاقاً بحثية مستقبلية تتناول تطبيقاته العملية على أحاديث الأحكام، أو منهجه في التعامل مع الرواة المختلف فيهم، أو أثر مدرسته في الأجيال اللاحقة.
وهكذا يظل اسم عبد الله الغماري شاهداً على أن خدمة السنة ليست صفحة مطوية في تاريخنا، بل مسار متجدد تتوارثه الأجيال، وأن في تراثنا الحديثي من العمق والثراء ما يؤهلنا لاستئناف النظر العلمي بثقة وأصالة، فإذا كانت الأمة تُقاس بمدى صلتها بمصادر هدايتها، فإن أمثال هؤلاء العلماء يمثلون جسور تلك الصلة، وحراس المعنى، وحملة الأمانة العلمية التي لا تزال تنتظر من يستثمرها ويجدد قراءتها بروح واعية ومسؤولة.
عبد العزيز بدر عبد الله القطان / كاتب و محامي

