تتصاعد التحليلات وتصريحات المسئولين بين واشنطن وطهران منذ أن رفع الرئيس ترامب سقف خطابه السياسي الذي لم يكن بينه وبين المواجهة إلا لحظة خاطفة تسوق معها العالم والامن الاقليمي الى مواجهة مدمرة وتحمل من التداعيات ما لا يمكن تقدير نتائجه، ومع أن جنون قرار الحرب في عالم البشر ليس غريبا أو بعيدا لكن الحسابات والتقديرات وتقارير الموقف التي تؤكد أن مستوى الردع اليوم سيكون هو المانع أمام اتخاذ ذلك القرار، وإن كانت المواجهة أيضا ليست مستبعده حتى بعد الجولة الثالثة من مفاوضات النووي بين ايران والولايات المتحدة المرتقبة في جنيف الخميس 26 فبراير القادم، ونظير هذه التحشيدات الضخمة التي كدستها الولايات المتحدة بين قوة بشرية وقطع حربية بدءا من البحر الاحمر الى العربي الى بحر عمان والخليج وصولا الى المحيط الهندي كل ذلك التحشيد تريده إدارة البيت الأبيض تحت عنوان التنازلات التي يمكن أن تقدمها ايران؟! وما هذه التصريحات وارتفاع منسوبها وتضاربها في أحيان أخرى إلا حالة أقرب الى أزمة قرار بل هي أزمة قلق لما بعد الضربة إن حدثت – لا سمح الله، كل ذلك يضع واشنطن في الزاوية الحرجة مع مرور الوقت ورفع سقف المطالب الامريكية، واستمرار الحشد العسكري، بالمقابل استمرار موقف طهران الثابت حول رؤيتها وخطتها للمفاوضات وقد أعدت العدة من جميع الجوانب السياسية والأمنية والعسكرية، وخارطة تحالفاتها مع أستخدام كل أوراق القوة اذا ما لجأت واشنطن الى خيار المواجهة العسكرية .
الولايات المتحدة الامريكية في فبراير 2026م ليست نفسها التي حشدت في سبتمبر 2001 بعدما تم ضرب برجي التجارة العالمية، فحينها كانت تتحكم بالمشهد العالمي تماما اقتصاديا وعسكريا وسياسيا، اليوم هناك قوى متربصة بأي تورط أمريكي في أي مواجهة عسكرية مع قوة اقليمية لها حسابات متنوعة وجبهات عديدة وقدرات ضخمة، ففي بداية الألفية وما سبقها كانت الحشودات الامريكية تشكل من تحالفات دولية، ولا يوجد قوى عالمية مؤثرة في المشهد العالمي، اليوم الوضع يختلف تماما هناك قوى عالمية ترصد الموقف بل تشترك كجزء من المشهد العسكري في الاقليم والاستنزاف الامريكي سيكون جسيما في حال حدث خطأ المواجهة، كما أن كل القواعد الامريكية القريبة لم تعد متاحة للاستخدام بعد رفض دول المنطقة أن تكون هدفا لأي رد فعل ايراني وقد أعلنتها صراحة وبكل وضوح لا يمكن استخدام اراضيها لأي عدوان على ايران، وبالتالي بقيت تلك القطع الحربية الامريكية عائمة في البحار وتعد هدفا واضحا لصواريخ ومسيرات سلاح الجو فضائي الايراني، اليوم هناك أيضا العلاقات بين الولايات المتحدة وتحالفاتها التقليدية أصيبت بالتشظي بسبب بعض المواقف الصلبة المتشنجة مع الحلفاء فهناك رفض بريطاني باستخدام قاعدة دييغو جارسيا في المحيط الهندي التي تعتبر أكبر قاعدة في العالم وبالتالي تصبح الولايات المتحدة وحدها في الميدان، حتى الكيان الصهيوني الذي ما برحت واشنطن تعلن التزامها بأمنه قد يترك أمريكا وحدها وينشغل بصد صواريخ جبهات أخرى تشترك مع بدء شرارة الحرب، إذن أمام الولايات المتحدة خيار الوفاق والاتفاق وضمان الحصول على اتفاق نووي مع جمهورية ايران الاسلامية مفيد للجميع مع مراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وغير ذلك فهو محض جنون سيكبد واشنطن خسائر جسيمة واستنزاف هائل قد يدفع بها الى المجهول .
جمهورية ايران الاسلامية اليوم ليست هي ما قبل يونيو في ضربة ال12 يوم بل حسبت حسابات دقيقة على كل المستويات السياسية والعسكرية والأمنية ونسقت خارطة تحالفاتها الاقليمية والدولية، وموقف طهران يحمل كثير من الثقة في لغتها وخطابها السياسي وموقفها التفاوضي، والاهم أن عنصري المفاجأة والمبالغته هذه المرة غير متوفرة لدى الخصم والرد والصواريخ الفرط صوتية والطائرات المسيرة جاهزة للانطلاق وموجههة لاهدافها العائمة قبل أن تتحرك طائرات العدوان، وقد صرح بذلك المرشد الأعلى في ايران، وبالتالي على الولايات المتحدة أن تكون مستعدة لتحمل تبعات وخسائر ما تسفر عنه المواجهة في أعالي البحار .
من هنا أعتقد أن ترجيح لغة العقل والصواب هي الاقرب والأرجح في الايام القادمة، إلا اذا كان قرار واشنطن سوف يصدر من تل ابيب مع رئيس وزراء الكيان الصهيوني الذي لا يعول على شيء إلا على بقاءه في السلطة، وهنا أعتقد أن تقديرات الموقف الامريكي كلها تدرك كل التفاصيل، كما هو الحال في ايران التي تقرأ المشهد بكل دقة وهي ثابتة على مواقفها، وتسير في المساحات المرنة المتاحة للتفاوض وايران تقرأ جيدا المشهد وتعد العدة لكل مقتضياته .
خميس بن عبيد القطيطي

