يُعدّ مرعي الكرمي واحداً من أبرز أعلام المذهب الحنبلي في القرن الحادي عشر الهجري، ومن الشخصيات العلمية التي أسهمت في ترسيخ المدرسة الفقهية الحنبلية في بلاد الشام خلال العهد العثماني.
وقد مثّل حضوره العلمي امتداداً لجهود متأخري الحنابلة في تحرير المذهب، وضبط رواياته، وتقريب مسائله للطلبة والقضاة والمفتين، في مرحلة اتسمت بالحاجة إلى المتون المختصرة المحكمة التي تجمع بين الدقة والوضوح.
نشأة عريقة
وُلد مرعي الكرمي في بيئة علمية في فلسطين، ونُسب إلى طولكرم، التي حمل منها لقبه، في زمنٍ كانت فيه الحركة العلمية في بلاد الشام نشطة، لا سيما في القدس ونابلس ودمشق، وقد شكّلت هذه الحواضر مراكز إشعاع علمي حافظت على تقاليد التدريس المذهبي، وربطت بين مدارس الشام ومصر والحجاز، وفي هذا السياق، تفتّحت شخصية الكرمي العلمية، فنهل من علوم الفقه والحديث والعقيدة، وتدرّج في مدارج التحصيل حتى غدا من المراجع المعتمدة في المذهب الحنبلي.
وبرزت مكانته الحقيقية من خلال عنايته بالتصنيف الفقهي، ولا سيما في كتابه الشهير دليل الطالب لنيل المطالب، الذي عُدّ من المتون الأساسية في الفقه الحنبلي عند المتأخرين، وقد تميز هذا الكتاب بمنهج واضح يقوم على عرض القول المعتمد في المذهب بأسلوب موجز، خالٍ من التطويل المخلّ أو الاختصار المربك، مما جعله صالحاً للتدريس والحفظ، ومعتمداً لدى القضاة وطلاب العلم على السواء، ولم يكن الكتاب مجرد اختصار لمسائل فقهية، بل كان خلاصة تحرير فقهي يعكس رسوخ مؤلفه في دقائق المذهب، وإحاطته بأقوال أئمته ورواياته.
لقد جاء إنتاج مرعي الكرمي في مرحلة احتاج فيها الفقه الحنبلي إلى إعادة ترتيب وتنقيح، بعد تراكم الروايات وتعدد الأقوال داخل المدرسة، فكان عمله استجابة لحاجة علمية ملحّة، تتمثل في ضبط المعتمد وتيسير الوصول إليه. ومن هنا يمكن القول إن الكرمي لم يكن مجرد ناقلٍ للتراث، بل كان من الذين أسهموا في صياغته بصورته المتأخرة، وأعادوا تقديمه للأجيال اللاحقة في قالبٍ تعليميٍّ رصين.
كما أن دراسة شخصيته العلمية تكشف عن نموذج للعالم الموسوعي الذي جمع بين الفقه والتدريس والتأليف، وبين الارتباط بالبيئة المحلية والانفتاح على الحواضر العلمية الكبرى، فقد كان جزءاً من شبكة علمية واسعة امتدت من فلسطين إلى مصر والحجاز، وهو ما يعكس طبيعة الحركة العلمية في ذلك العصر، حيث لم تكن الحدود الجغرافية عائقاً أمام التواصل العلمي وتبادل المعارف.
بالتالي، إن البحث في سيرة مرعي الكرمي وآثاره ليس مجرد استعادة لتاريخ عالم من علماء المذهب، بل هو نافذة لفهم تطور الفقه الحنبلي في مرحلة مهمة من تاريخه، ووقوف على آليات ضبط المذهب في العصور المتأخرة، وكيف تشكّلت المتون التي ظلّت معتمدة في حلقات العلم قروناً طويلة. ومن هنا تنبع أهمية هذه الدراسة، التي تسعى إلى إبراز مكانته، وتحليل منهجه، وبيان أثره في المدرسة الحنبلية، بوصفه واحداً من أعمدتها في القرن الحادي عشر الهجري.
أن الشيخ مرعي بن يوسف أبي بكر الكرمي هو عالم مسلم من كبار أعلام المذهب الحنبلي في آخر القرن العاشر وأوائل القرن الحادي عشر الهجري، وُلِد في مدينة طولكرم الفلسطينية نحو عام 1580 ميلادية ونشأ فيها في وسط أسرته المتديّنة والمتعلّقة بالعلم والمعرفة حتى حفظ القرآن الكريم وتلقى مبادئ العلوم الشرعية في صغره، ثم اتجه للدراسة في القدس حيث تعلَّم علوم الحديث والفقه واللغة على يد شيوخها وكوَّن قاعدة علمية قوية في القرآن والسنة واللغة العربية، ومن ثم سافر إلى مصر والتحق بجامع الأزهر الشريف ليتعمّق في الدراسة ويأخذ العلم عن كبار العلماء هناك وكانت له فرصة التعلّم من الشيخ منصور البهوتي وغيره من علماء الحنابلة في الأزهر فتمكَّن من أصول الفقه وأدلته وعلوم الحديث والتفسير والأصول.
وبعد تحصيله العميق للعلم صار من أبرز العلماء في الأزهر والمسجد، وعُرف بقدرته على التدريس والتحقيق وتأليف الكتب وقضاء الحاجات العلمية، وكان يتناول المسائل العقدية والفقهية والتفسيرية والحديثية بتميزٍ ووضوح، وقضى عمره في التعليم والإفتاء والبحث والتنقيب في أصول الدين واللغة والأدب، فأصبح من العلماء المشهورين الذين لهم أثر واضح في الفكر الحنبلي والعلمي في مصر وفلسطين والعالم الإسلامي آنذاك، وقد خصّه العلماء بلقب شيخ الإسلام لما جمعه من علم واسع وراكمه من معرفة شاملة في مختلف العلوم الإسلامية.
عاش مرعي الكرمي في زمن كانت فيه الدولة العثمانية تهيمن على أجزاء واسعة من العالم الإسلامي وكان الأزهر في تلك الفترة مركزاً علمياً معترفاً به، وقد تزامن عصره مع حركة عرفية في العلوم الإسلامية حيث كان العلماء يُعطون دوراً كبيراً في تدريس الناس وتأطير الفكر الديني والنفسي والاجتماعي، وعرف بكونه مرجعًا للحجاج والمسائل الدينية الدقيقة ولم يقتصر اهتمامه على جانب فقهي واحد بل امتد إلى العقيدة والتفسير والتاريخ كذلك، وكتب في مسائل شتى منها تأويل الأسماء والصفات، ومناقشة بعض القضايا العقدية، وأصول الفقه والتفسير، وغيرها من الموضوعات.
ومن العلماء الذين تحدثوا عنه وصفوه بأنه إمام وفقيه ومحدِّث ومفسر يمتلك علماً بالغاً في الفقه الحنبلي وأصوله وتفسير القرآن الكريم وفهمه، وقد كان من الذين يقضون الحاجة ويُعطون الفتاوى ويُدرِّسون طلاب العلم، وعُرفت كتبه في مختلف فروع المعرفة الإسلامية واحتُرمت في الأوساط العلمية، حتى ذكر بعض العلماء أنه كان من أكبر علماء الحنابلة في مصر وأنه جامع بين الفقه والحديث واللغة والأصول، وقد ذاع صيته حتى بعد وفاته بين طلاب العلم والفقهاء.
توفي الشيخ مرعي الكرمي في القاهرة عام 1624 ميلادية (1033 هـ) بعد حياة حافلة بالعطاء العلمي والتدريس والتأليف، وترك وراءه مجموعات كبيرة من المصنَّفات في الفقه والتفسير والعقيدة واللغة والتاريخ، وقد بقي ذكره وعلومه تُدرس وتُستفاد منها في الدروس والحلقات العلمية حتى بعد قرون من رحيله.
من هنا، إن اختيار شخصية الشيخ مرعي بن يوسف أبي بكر الكرمي الحنبلي في شهر رمضان لم يكن عشوائياً، بل لأنه نموذج يجمع بين الجدّ في طلب العلم والتصميم على تحصيله ونشره، وقد عاش حياة مليئة بالإنتاج العلمي حتى صار مثالاً يُحتذى به، ومن هذه الشخصية نتعلم أن رحلة طلب العلم ليست مجرد اقتباس للمعلومات بل هي منهج حياة يتطلب صبراً وإخلاصاً ونية صافية، وأن يجمع طالب العلم بين العلم والعمل، وأن يجعل غايته رضى الله تبارك وتعالى وخدمة دينه، فالعلم نور يُضيء القلوب ويهدي الأفهام ويصنع أمة قوية قائمة على المعرفة والحق، فليكن ذلك دافعاً لنا في مضمار العلم والمعرفة، نسأل الله أن يرزقنا فقهاً في الدين، وأن يجعل العلم الذي نتعلمه نورًا في قلوبنا وعملاً صالحًا في دنينا وآخرتنا.
وفي زمن الشيخ مرعي الكرمي كانت بلاد الشام تحت سيطرة الدولة العثمانية التي امتدت سيطرتها على معظم أقطار المسلمين، وقد شهدت تلك الحقبة استقراراً نسبياً في الأحوال السياسية سمح بانتعاش الحركة العلمية، وتعددت المذاهب الفقهية وبرزت مدارس علمية كبرى في دمشق وطرابلس وحلب والقاهرة والقدس، وكان للمذهب الحنبلي حضوره المعتبر رغم أنه في بعض المناطق لم يكن هو الأكثر انتشارًا مقارنة بالمذاهب الأخرى، بيد أن علماء الحنابلة كانوا سبّاقين في الدفاع عن مدارسهم وتأصيل تراثهم، وقد كان في القدس ونابلس والقاهرة حركة علمية نشطة تتلاقى فيها المجالس العلمية ويتداول العلماء والطلاب العلوم المختلفة، وقد لعبت المساجد والكتاتيب دورًا محوريًا في تعليم الناس القرآن والحديث والفقه، وكان الدور العلمي لأئمة الحنابلة واضحًا في تلك المجتمعات.
ومن هذه البيئة نشأ مرعي الكرمي، وقد تلقى مبادئ العلم في صغره في حِضن أسرته التي حرصت على تعليمه القرآن واللغة العربية والعلوم الشرعية، ولم يكتفِ بمحدودية التعليم المحلي بل انطلق للقدس فتعلم على أيدي شيوخها، وأخذ علم الحديث والفقه وبدأ يتلمس طريق العلم.
وقد اجتمع في عصره عدد من المشايخ الذين استفاد منهم ثم توثّقت علاقات العلم بينهم، وبرز من بينهم الشيخ منصور البهوتي الذي أثرى معارفه في أصول الفقه والحديث، ومن هؤلاء المشايخ أخذ الكرمي منهجية البحث وترتيب المسائل والأدلة، وبعد أن اشتد عوده صار مؤثراً في حلقات التعليم، وأخرج طلاباً أثرى بهم المجالات العلمية، وكان لتلاميذه أثر بالغ في نشر علمه ونَهجه، فهم الذين حملوا راية العلم إلى أقطار متعددة بعد أن تلقّوا على يديه الفقه والأصول والحديث، وقد ذاع صيته بينهم وبين علماء عصره حتى صار من العلماء المعتبرين الذين يُشار إليهم بالبنان في ميدان العلم الشرعي.
كما أن الكرمي ترك تراثاً علمياً زاخراً يتضمن مصنفات في الفقه والتفسير والعقيدة والحديث ولغة العرب وتاريخ المسلمين، ومن أشهر ما ألف دليل الطالب لنيل المطالب وهو كتاب فقهي منهجي يحاول جمع مسائل الفقه الحنبلي وترتيبها بطريقةٍ تسهّل على الطالب والمعلم فهم أدلتها، وقد اتسم هذا الكتاب باعتماد على المصادر الحنبلية السابقة وبيانٍ واضح للأدلة، وقد خرج فيه عن التقيد بالتقليد الأعمى إلى ترجيح الأقوال بناءً على دليل قوي، مع أسلوب لغوي واضحٍ أجلى المعنى بعيدًا عن التعقيد، وقد خدم هذا العمل أجيالًا من طلاب العلم وأصبح مرجعًا في الحلقات والمدارس والمعاهد الحنبلية ليس فقط في زمنه بل في الأزمنة التالية، وقد ظهرت حول هذا الكتاب شروح وحواشٍ فعلّت دراسته في المناهج العلمية، فوُظِّف في حلقات التدريس لما يحتويه من ترتيب دقيق للمسائل وسهولة في البيان، وقد أثّر في مناهج التدريس الحنبلي وكان حضوره قوياً في المعاهد الشرعية، إذ عرف عنه أنه كتاب يجمع بين الفقه والأصول ويُسهِل فهم المسائل المعقدة.
وعندما نتأمل منهجه في التأليف نرى أنه اعتمد على متون الحنفلة وسلفه من العلماء الحنابلة، لكنه لم يكتف بالنقل الحرفي بل كان يبيّن الأدلة ويرجّح الأقوال في بعض المسائل، وقد اتصف بأسلوبٍ يجمع بين الدقة العلمية والوضوح اللغوي، فكان منهجه في العرض مُرتَّبًا يحافظ على تسلسل الموضوعات ويجعل القارئ يتدرّج في الفهم، وقد استخدم مصادره الفقهية بحكمةٍ وشمول، مما جعل كتبه تلقى قبولاً واسعًا لدى الطلاب والعلماء على حد سواء.
إضافة إلى ذلك، إن كتاب دليل الطالب الذي ألفه الكرمي لم يكن مجرد جمعٍ للمسائل الفقهية، بل كان ثمرة تجربةٍ علمية متراكمة، فسبب تأليفه يعود إلى حاجة الطلبة والمعلمين في عصره إلى متنٍ فقهيٍ يرتب مسائل المذهب الحنبلي بطريقة واضحة يسهل الرجوع إليها، وقد بنى الكتاب على بنيةٍ عامة تراعي تسلسل المسائل وبيان أقوال المذاهب ومرجعياتها، وقد أثبت الكتاب مكانته في المذهب الحنبلي لما تضمنه من دقة في النقل والبيان وترجيحٍ للأقوال عند الحاجة، وقد اشتهر بين العلماء وتناقلته الأجيال وشُرِح عليه شروح وحواشٍ كثيرة جعلته مادة أساسية في الدراسة الفقهية.
وعند النظر إلى أثره في الفقه الحنبلي نجد أنه احتل موقعاً مرموقاً بين متأخري المذهب، فقد اعتمد عليه كثير من الفقهاء في استنباط الفتاوى ويُستشهد بآرائه عند الحاجة، وكان معاصرًا لكتب علماء كبار مثل البهوتي الذي كان له أثر في تراث الحنابلة أيضًا، وقد أُخِذ عن كتبه وناقِشت آراؤه في حلقات العلم، مما يدل على أن أثره تجاوز زمانه إلى عصورٍ لاحقة، وكان لكتبه دور في إثراء المكتبة الحنبلية وقد بقيت مصادر يستفيد منها الطلبة والعلماء في الفقه والأصول والتفسير.
بالتالي إن هذه الشخصية الفريدة في تاريخ العلم الإسلامي تُعلّمنا أن العلم رحلة تحتاج إلى الجدّ والمثابرة، وأن المدرِس الحق لا يكتفي بنقل المعلومات بل يؤصِّل الفهم ويربط بين النصّ والواقع، وأن طالب العلم مطالبٌ بأن يكون ذا نيةٍ صادقة وعزمٍ راسخ، لا ينازع في الحقّ ولا يكلّ عن طلب المعرفة، فكما كان الشيخ مرعي الكرمي يسعى إلى طلب العلم ونشره وتعليمه للآخرين، علينا نحن أيضًا أن نستثمر هذا الشهر الكريم في تعلّم ما ينفعنا في ديننا ودنيانا، وأن نجمع بين العلم والعمل، وأن نتذكر أن العلم زادٌ لا ينفد ونورٌ لا يخبو، وأن أجر من طلب العلم بجدٍّ وإخلاصٍ عظيم عند الله، فنسأل الله أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح والقيام بحقوق العلم، وأن يجعل عملنا في هذا الشهر المبارك خالصاً لوجهه الكريم.
عبد العزيز بدر عبد الله القطان / كاتب و محامي

