لم تكن عُمان في عام 1831 جزيرةً معزولة عن العالم، بل كانت شراعًا مفتوحًا على الرياح، وسلطنةً تمتد بخطوط تجارتها من مسقط إلى زنجبار، ومن موانئ الهند إلى سواحل الخليج. وفي زمن السلطان ، كانت السفن العُمانية تعود محمّلةً بالبضائع… وأحيانًا بما لا يُرى.
في تلك السنوات، كان الطاعون يعبر الخرائط بلا استئذان. ضرب بقسوة، وأثقل كاهل حتى بدت المدينة وكأنها تفرغ من أنفاسها. كان الوباء يسافر مع السفن، يختبئ في الأقمشة، في أخشاب المرافئ، في الفئران التي لا يسألها أحد عن وجهتها.
وصل الخوف إلى مسقط قبل أن يصل المرض. الأخبار كانت أسرع من العدوى. البحارة يتهامسون، والتجار يتوجسون، والموانئ تراقب السفن القادمة كما يُراقب المرء دخانًا في الأفق. لم تكن لدى الناس آنذاك مختبرات ولا مصطلحات علمية، لكنهم عرفوا شيئًا واحدًا: أن الريح قد تحمل معها ما لا يُرى.
ظهرت حالات، سُجلت وفيات، وارتفعت همسات الدعاء في البيوت. لكنه لم يتحول إلى إعصار بشري كما حدث في العراق. لم تنهَر المدن، ولم تُطوَ القرى عن بكرة أبيها. كان حضوره أقرب إلى ظل ثقيل منه إلى ليلٍ كامل.
ربما أنقذت عُمان طبيعتها قبل أي شيء آخر. مجتمعٌ موزع بين جبال وسهول وقرى متباعدة. لا أنهار مكتظة على ضفافها حياة مزدحمة كما في بلاد الرافدين. الحرارة القاسية، والعزلة النسبية لبعض المناطق، شكّلت حواجز غير مرئية أمام الانتشار الواسع. حتى في الموانئ، بدأ الناس يتجنبون السفن القادمة من مناطق موبوءة، وظهر ما يشبه الحجر البدائي، بدافع الغريزة أكثر منه بدافع المعرفة.
لم يكتب التاريخ عن انهيارٍ سكاني في عُمان كما كتب عن مدنٍ أخرى. لكن ذلك لا يعني أن الخوف لم يسكن القلوب، أو أن البيوت لم تفقد أحبة. الوباء حين يمرّ، يترك أثرًا ولو كان خفيفًا؛ ذكرى تُروى همسًا، لا فصلًا طويلًا في كتب الكوارث.
في عام 1831، كان الطاعون عابرًا في عُمان، لا مقيمًا. طرق الأبواب، ودخل بعضها، لكنه لم يستقر. كأن الجغرافيا قالت له: امضِ من هنا.
وهكذا بقيت عُمان واقفةً على سواحلها، تمسح عن جبينها خوفًا عابرًا، وتعيد شدّ أشرعتها نحو البحر.
فايز الجدوع

