في ذكرى وفاة والدي رحمه الله..
للأب مكانة لا يمكن أن تُختصر بكلمات عابرة ولا بسطور قليلة، لأنه في حياة أبنائه ليس مجرد فرد من العائلة، بل هو العمود الذي يقوم عليه البيت، والظل الذي يسبقهم إلى الطريق، والاسم الذي يمنحهم معنى الانتماء.
والأب هو أول صورة للقوة، وأول درس في الصبر، وأول إحساس بالأمان حين تضيق الدنيا، وحين يرحل الأب، لا يرحل شخص فقط، بل يرحل جزء من التوازن الداخلي للابن، يرحل ذلك الإحساس العميق بأن هناك من يتكئ عليه مهما اشتدت الظروف، لذلك فإن خسارة الأب لا تشبه أي خسارة أخرى؛ إنها خسارة ممتدة، تتكرر في المواقف، وتستيقظ في الذاكرة دون استئذان، وتطلّ من تفاصيل الحياة اليومية في أبسط الأشياء.
وكثيرون يظنون أن الوفاة تاريخ يُسجَّل، وأن الذكرى يوم يعود كل عام فنستحضر فيه الصورة ونتبادل الدعوات ونمضي، ليس صحيحاً، إن الأب، في وجدان أبنائه الحقيقيين، لا يتحول إلى مجرد “ذكرى” لأن الذكرى حدث ماضٍ، أما الأب فهو حضور مستمر، صورته لا تمرّ في الذهن في يوم محدد، بل تتكرر في كل لحظة تحتاج فيها إلى نصيحته، أو تتمنى لو كان إلى جانبك ليقول كلمته الفصل، تتذكر مواقفه، شدته حين كانت ضرورية، رحمته حين كنت ضعيفاً، حكمته حين كنت متردداً، وصمته الذي كان أبلغ من الكلام أحياناً، تتذكر وصاياه، طريقته في النظر إلى الأمور، صلابته في مواجهة الظلم، وكرامته التي لم تكن قابلة للمساومة.
لذلك إن الوفاة ليست مجرد فقد جسدي، بل هي فراغ، هذا فراغ في المكان، في المجلس، في تفاصيل البيت، كرسيه الذي كان يجلس عليه يصبح شاهداً صامتاً، وصوته الذي كان يملأ الأرجاء يتحول إلى صدى في الذاكرة، ذلك الفراغ لا يُملأ بسهولة، وربما لا يُملأ أبداً لأن لا بديل عن هذه الشخصية التي لا تتكرر في حياة الأبناء، لأن الأب ليس وظيفة يمكن أن يقوم بها آخر، ولا دوراً يمكن تعويضه، بل هو أصل الامتداد، أما نحن فنحمل أسماءنا، لكننا في الحقيقة نحمل آثارهم في ملامحنا، في تصرفاتنا، في طريقتنا في مواجهة الحياة.
أما حين تحل ذكرى وفاة الأب، يتوقف الابن مع نفسه لا ليسأل: كم سنة مضت؟ بل ليسأل: هل كنت على قدر اسمه؟ هل كنت وفياً لتاريخه؟ هل حفظت سيرته كما ينبغي؟ هل كنت امتداداً مشرفاً له؟ حمل الاسم ليس شرفاً شكلياً، بل مسؤولية أخلاقية، أن تقول “هذا أبي” يعني أنك تتحمل تاريخ رجل، مواقفه، نضاله، قيمه، حتى معاناته، يعني أنك مسؤول عن أن تبقي سيرته حيّة بسلوكك، لا بصور تنشرها، ولا بكلمات عابرة في وسائل التواصل.
بالتالي إن الوفاء للأب لا يكون في يوم واحد، ليس في استذكار عاطفي سريع، ولا في منشور يختفي بعد ساعات، الوفاء أن تتذكره كلما وقفت أمام قرار مصيري، أن تسأل نفسك: ماذا كان سيفعل لو كان مكاني؟ أن تحاول أن تكون عادلاً كما كان، صبوراً كما كان، صلباً في الحق كما كان، أن تنصفه حتى في غيابه، وأن تحافظ على كرامة اسمه، وأن تردّ عنه ما استطعت من ظلم أو تحريف أو تجاهل، لأن الوفاء أن تبقى على العهد، لا أن تكتفي بالحنين.
أيضاً إن قلبي يحدثني دوماً عن أن الأب في ذاكرة ابنه ليس صورة جامدة، هو صوت ما زال يتردد، همسة ما زالت قريبة، ملامح يد ما زالت محفوظة بكل تفاصيلها، أحياناً تحفظ حتى العروق في يده، طريقته في المصافحة، أسلوبه في ارتداء ثوبه أو غترته، ضحكته حين يرضى، نظرته حين يغضب، وطريقته في الصمت حين يريد أن يقول الكثير دون أن ينطق، تلك التفاصيل الصغيرة هي التي تجعل الفقد كبيراً، وهي التي تجعل الحديث عنه ليس مجرد رثاء، بل استعادة حياة كاملة.
وحين سألني ولدي الكبير: ما شعورك وأنت تزور قبر أبيك؟ يكون السؤال بسيطاً، لكن الجواب ثقيل، ليس الأمر مجرد زيارة لمكان، ولا وقوف أمام شاهد حجر، إنه لقاء بين ذاكرة حيّة وجسد غاب، تمسك يد ابنك، وتشعر بثقل اللحظة، لأنك تعرف أن تحت التراب صاحبك الأول، قدوتك، الرجل الذي صنعت على عينيه، تقول لابنك إنك لا تنسى، لا تنسى صوته، ولا همساته، ولا كلماته الأخيرة، ولا اللحظات التي جمعتكما قبل الرحيل، لا تنسى حتى تفاصيل ملبسه، وطريقة مشيه، ونبرة صوته حين يناديك باسمك.
لذلك، إن الفقد لا يعني انقطاع العلاقة، لأن العلاقة تتغير في شكلها، لكنها لا تنتهي، تتحول من حضور يومي إلى حوار داخلي دائم، كل فعل خير تفعله، تهديه له، كل نجاح تحققه، تتمنى لو كان حاضراً ليراه، تقول في نفسك: هذا لأبي، لأنك تؤمن أنك امتداد له، وأن ما تفعله هو استمرار لمسيرته، تشعر أن خذلانه غير ممكن، وأن الوفاء له ليس خياراً، بل جزء من هويتك.
بل إن المسؤولية تمتد إلى الجيل التالي، تعلّم أبناءك معنى الوفاء، حتى لو لم يروا جدهم. تغرس فيهم حب رجل لم يلتقوا به، لكنهم ينتمون إليه، وتقول لهم إن الإنسان لا يُعرف فقط بما عاشه، بل بما أورثه من قيم. تعلمهم أن الاسم ليس لقباً يُحمل، بل تاريخ يُصان. وأن الانتماء للأسرة ليس شعاراً، بل سلوكاً يومياً يحفظ كرامة من سبق.
فالأب لا يتحول إلى ماضٍ، يبقى حاضراً في الدعاء، في السجود، في لحظات الضعف، في لحظات الفرح، يبقى في النصيحة التي ترددها دون أن تشعر، وفي العبارة التي تكتشف أنك تقولها بالطريقة نفسها التي كان يقولها، تكتشف مع مرور الوقت أنك تشبهه أكثر مما كنت تظن، في ملامحك، في ردود أفعالك، في صبرك، وربما حتى في حزنك.
أفتقد أبي كثيراً، إن ذكرى وفاة الأب ليست محطة للبكاء فقط، بل محطة لمراجعة النفس، هل كنت ابناً يليق به؟ هل حافظت على وصيته؟ هل بقيت على العهد؟ لأن أعظم ما يمكن أن يقدمه الابن لوالده الراحل ليس الكلمات، بل السلوك، ليس الرثاء، بل الاستمرار في الطريق الذي رسمه.
وفي النهاية، يبقى أبي رحمه الله قيمة لا تزول برحيله، غاب الجسد، لكن الأثر لا يغيب، سكن التراب، لكن حضوره يسكن القلب، ومن عاش أباً حقيقياً مثل والدي رحمه الله، يعرف أن الفقد ليس نهاية العلاقة، بل بداية شكل آخر من الوفاء، وفاء لا يرتبط بيوم في السنة، بل يمتد ما امتد العمر، وفاء يقول في كل لحظة: أنا على عهدك يا أبي، ما حييت.
عبد العزيز بدر عبد الله القطان

