حين نتأمل صورة عُمان في الذاكرة، لا نراها أرضًا فقط، بل نراها وجهًا… وذاك الوجه نصفه امرأة.
المرأة العُمانية لم تدخل التاريخ من بوابة الشعارات، بل من باب الحاجة والمسؤولية. كانت هناك حين كان البحر مصدر الرزق، وحين كانت القوافل تمضي شهورًا في الغياب. لم تنتظر تصفيقًا، ولم تطلب اعترافًا. كانت تفعل ما يجب أن يُفعل، وكفى.
في القرى الساحلية، كانت تعرف أخبار الريح كما يعرفها البحّار. وفي الداخل، كانت تحفظ مواسم الزرع كما يحفظها الفلاح. لم تكن معزولة عن الاقتصاد ولا عن القرار الأسري. كانت العمود الذي لا يُرى، لكنه يحمل السقف.
حين دخلت عُمان مرحلة التحول الحديثة، لم تبدأ المرأة من الصفر. هي لم تخرج من العتمة فجأة، بل انتقلت من دورٍ صامت إلى دورٍ معلن. التعليم لم يكن رفاهية بالنسبة لها، بل امتدادًا لوعي قديم. والعمل العام لم يكن اقتحامًا، بل استحقاقًا طبيعيًا لمسار طويل.
اللافت في التجربة العُمانية أن حضور المرأة لم يكن صداميًا مع المجتمع، بل منسجمًا معه. لم تُفرض قطيعة بين الأصالة والتجديد. بقيت الأم كما هي، وبقي البيت مركز الدفء، لكن الأفق اتسع. صارت المرأة تُدرّس وتُداوي وتُدير وتُشرّع، دون أن تفقد حسّها الاجتماعي المتوازن.
ان التاريخ لا يُبنى بخطابات رسمية، بل بتراكمات صغيرة. امرأة تربي جيلًا متعلمًا. امرأة تدير مؤسسة بكفاءة. امرأة تشارك في رأي أو مبادرة. هذه التفاصيل المتكررة عبر عقود هي التي تصنع صورة وطن.
ولعل أجمل ما في التجربة العُمانية أن المرأة لم تكن تابعًا لمسيرة البناء، بل شريكة فعلية فيها. لم تُستخدم كرمز، بل كفاعل. وهذا الفارق هو ما يجعل التجربة قابلة للاستمرار.
بدون اي مجاملة و حين نقول إن المرأة العُمانية شريكة في البناء، نحن نصف واقعًا تشكّل عبر زمن طويل، بهدوءٍ يشبه طباع هذا البلد: بلا ضجيج، لكن بثبات.
فايز الجدوع

