في تاريخ الدول لحظات فارقة تكشف معدن المجتمعات، وتعيد طرح الأسئلة الكبرى حول معنى الانتماء والولاء. والكويت، التي عرفت عبر تاريخها الحديث محطات صعبة، من الغزو إلى التوترات الإقليمية، ظلت دائمًا تبني قوتها الحقيقية على تماسك مجتمعها ووحدة موقف أبنائها. ففي مثل هذه اللحظات لا يكون الوطن مجرد جغرافيا أو وثيقة رسمية، بل فكرة عميقة يسكنها الناس في ضمائرهم قبل أن يحملوها في هوياتهم.
في هذا السياق جاء الخطاب الحازم الذي عبّر عنه وزير الداخلية الكويتي ، حين أشار إلى ظاهرة التشفي أو التعاطف مع الجهات التي تهدد الكويت. فالدولة التي دفعت ثمنًا باهظًا في الدفاع عن سيادتها لا يمكنها أن تنظر بخفة إلى أي خطاب يستخف بأمنها أو يسخر مما قد يصيبها من أخطار. ولذلك كان التأكيد واضحًا على أن المواطنة ليست مجرد لقب قانوني، بل مسؤولية أخلاقية وسلوك يظهر في أوقات الشدة قبل أوقات الرخاء.
الكويت ليست دولة عابرة في تاريخ المنطقة؛ فهي مجتمع تشكل عبر عقود من العمل المشترك والتضامن الاجتماعي. ومنذ استقلالها ثم صمودها في وجه المحن، رسخت فكرة أن حماية الوطن مسؤولية جماعية لا تحتمل التردد. لذلك فإن أي خطاب يعبّر عن شماتة أو تعاطف مع خصوم البلاد يُفهم في الإطار السياسي والأخلاقي بوصفه خروجًا عن روح المواطنة التي قامت عليها الدولة.
غير أن الحديث عن المواطنة في الكويت لا يقتصر على البعد الأمني فقط، بل يمتد إلى البعد الثقافي والاجتماعي. فالمواطنة الحقيقية تقوم على معادلة دقيقة: الولاء للوطن من جهة، والعدالة بين المواطنين من جهة أخرى. فالمجتمع الذي يشعر فيه الناس بالكرامة والمساواة يكون أكثر استعدادًا للدفاع عن بلده والوقوف معه في مواجهة التحديات.
ومن هنا فإن الخطاب الذي يربط بين المواطنة والولاء للكويت يعكس رؤية سياسية ترى أن وحدة الجبهة الداخلية هي الضمانة الأولى للاستقرار. فالتاريخ يثبت أن الدول لا تضعف غالبًا بسبب الأخطار الخارجية فقط، بل عندما تتصدع الثقة بين أفرادها أو يتراجع الشعور بالانتماء المشترك.
لقد علمت تجربة الكويت، خاصة بعد الغزو العراقي عام 1990، أن قوة الدولة لا تكمن فقط في جيشها أو اقتصادها، بل في تماسك شعبها. ففي تلك اللحظة التاريخية وقف الكويتيون صفًا واحدًا دفاعًا عن وطنهم، وتحولت المواطنة من مفهوم نظري إلى تجربة عملية جسدت معنى التضامن الوطني.
اليوم، ومع ما تشهده المنطقة من تحولات سياسية وأمنية، يعود النقاش حول المواطنة ليأخذ مكانه في الخطاب العام. ليس بوصفه أداة للاتهام أو الإقصاء، بل باعتباره دعوة لتعزيز الشعور بالمسؤولية المشتركة تجاه الكويت ومستقبلها.
في النهاية تبقى الحقيقة الأعمق أن الكويت، كغيرها من الدول، لا تبنى فقط بالمشاريع والاقتصاد، بل تبنى قبل ذلك بثقافة الانتماء. وعندما يدرك المواطن أن وطنه ليس مجرد مكان يعيش فيه، بل كيان يحميه ويحفظ كرامته، يصبح الدفاع عنه موقفًا طبيعيًا لا يحتاج إلى تذكير أو توجيه. هكذا تتجسد المواطنة الحقيقية: علاقة وفاء متبادل بين الأرض والإنسان، وبين الدولة وأبنائها.
فايز جدوع

