في خضم التوترات المتصاعدة في المنطقة، تبرز أصوات الحكمة التي تذكّر الجميع بعدم الانجرار إلى صراعات الآخرين، ومن بين هذه الأصوات، جاء تصريح معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية، حين قال بوضوح للولايات المتحدة الأمريكية: “هذه ليست حربكم”، كلمة قصيرة لكنها قوية، تعكس نهجًا دبلوماسيًا متزنًا يقوم على الحكمة والتعقل، وتؤكد أنَّ مصلحة عُمان ودول الخليج تكمن في الاستقرار والتنمية، لا في الانخراط في نزاعات خارجية.
الحروب، مهما كانت شعاراتها، تترك خلفها خسائر فادحة لا تقتصر على ساحات القتال، بل تمتد إلى الاقتصاد والمجتمع ومستقبل الأجيال. والمنطقة التي عانت طويلًا من النزاعات تدرك أن أي مواجهة واسعة لن يكون فيها منتصر حقيقي، بل خاسرون كثر يدفعون ثمن التوتر وعدم الاستقرار. ولذلك فإن الموقف الذي عبّر عنه معالي السيد بدر البوسعيدي يعكس رؤية سياسية قائمة على حماية مصالح دول الخليج والحفاظ على الاستقرار.
ما يجري في المنطقة اليوم مرتبط بصراع معقد بين السياسات الإسرائيلية ومشروع الصهيونية العالمية من جهة، والقوى التي تقاوم هذا المشروع من جهة أخرى، ومنها القوة الإيرانية. غير أن هذا الصراع، مهما بلغت حدته، لا يعني بالضرورة أن تتحول دول الخليج إلى طرف مباشر في حرب لا تخدم مصالحها ولا تطلعات شعوبها.
دول الخليج العربي نجحت خلال العقود الماضية في بناء نموذج تنموي قائم على الاستثمار والبنية الأساسية والانفتاح الاقتصادي. وهذه الإنجازات يمكن أن تتعرض لانتكاسة خطيرة إذا تحولت المنطقة إلى ساحة مواجهة عسكرية مفتوحة. لذلك فإن الحكمة السياسية تقتضي العمل على تهدئة التوتر بدلًا من تأجيجه، والبحث عن حلول سياسية بدلًا من الانزلاق إلى المواجهة.
وفي السياق ذاته، جاء موقف خلف أحمد الحبتور، رجل الأعمال الإماراتي ومؤسس ورئيس مجلس إدارة مجموعة الحبتور الإماراتية، ردًا على بعض الدعوات التي تحاول تصوير الصراع وكأنه معركة يجب أن تنخرط فيها المنطقة بأكملها. فقد أكد الحبتور أن دول الخليج ليست معنية بالدخول في حروب مدمرة، وأن شعوب المنطقة اختارت طريق التنمية والاستقرار بدلًا من الانخراط في نزاعات عسكرية، مشددًا على أن إشعال الحروب لن يجلب الأمن، بل سيضاعف الأزمات ويزيد من معاناة الشعوب.
إنَّ الجغرافيا قدر لا يمكن تغييره؛ فدول المنطقة ستبقى جيرانًا مهما تغيرت الظروف. ولهذا فإن الحكمة تقتضي البحث عن التفاهم والحوار بدلًا من فتح أبواب الحروب؛ فالنار إذا اشتعلت في بيت الجار لن تبقى محصورة داخله، بل ستمتد إلى الجميع.
وفي النهاية.. تبقى الرسالة الأهم واضحة: شعوب المنطقة تريد السلام والتنمية والاستقرار، لا الصواريخ والدمار. وصوت العقل الذي عبّر عنه معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية، وسانده فيه كثير من الأصوات العاقلة، يُذكِّر الجميع بحقيقة بسيطة يدركها الحكماء: “هذه ليست حربنا”! فهل يعي الجميع مغزى هذه الحكمة العميقة؟!.
فايزة سويلم الكلباني

