ليس من الصعب أن نكتب مقالًا مؤثرًا، لكن الصعب حقًا أن نكتب الحقيقة كاملة؛ ففي كل مرة تُطرح فيها قضية استغلال الفتيات بالاستدراج والخديعة والعلاقات المنحرفة، يتكرر نفس المشهد، شبابٌ في قفص الاتهام، وفتياتٌ في خانة الضحية المطلقة. وقد يبدو هذا الطرح مريحًا، لكنه في الحقيقة تبسيط مُخلّ لواقع أكثر تعقيدًا.
وفي خضم هذا الطرح الذي يُصوّر المشهد وكأنه طريقٌ باتجاهٍ واحد، لا بُد من بيان الصورة كاملة والحقيقة كما هي، لا كما نحب أن نراها. ليس دفاعًا عن الشباب، ولا تبرئةً لأخطائهم – من يخطئ يُحاسب كائنًا من كان- لكن ليس من العدالة ولا من الإنصاف أن يُختزل المشهد في معادلةٍ جاهزة، شابٌ مذنب، وفتاةٌ ضحية، هذا الطرح، رغم ما يحمله من عاطفة، يفتقد إلى النزاهة في قراءة الواقع.
نعم، هناك شباب يخطئون، ويستغلون، ويخدعون، وهذا أمر مرفوض ولا يمكن تبريره. لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح بجرأة: هل تبدأ كل القصة من هنا فقط؟ أم أن هناك مقدمات تُصنع في صمت، تُمهّد للطريق قبل أن يسلكه أحد؟ إن الحقيقة التي نتجنب قولها، هي حين تُفتح الأبواب، لأن الكثير من المشكلات لا تبدأ بلقاءٍ عابر كما يُشاع، بل تبدأ قبل ذلك داخل البيوت.
إن البداية الحقيقية تكمن في التربية داخل البيوت؛ فالمشكلة لا تنشأ فجأة، ولا تولد في الشارع، بل تتشكل بهدوء في البيوت، حين يغيب التركيز على بناء الجوهر الداخلي قبل المظهر الخارجي للبنات. وللأسف تُختزل التربية في توفير الماديات، ويُهمل غرس القيم، وتُؤجل العبادات والفرائض، وتغيب القدوة الحسنة التي تُترجم القول إلى فعل. والبنت التي لا تُربى على مراقبة الله، ولا تُغرس في نفسها معاني الحياء، وضبط السلوك، وحفظ العفة والكرامة، ستجد نفسها عند أول اختبار أمام قرارات بلا بوصلة. وهنا لا يكون الانحراف مفاجئًا، بل نتيجة طبيعية لبناءٍ لم يكتمل من الأساس.
ومن زاوية أخرى، المشكلة حين تُضع بين يدي فتاةٍ في مقتبل العمر كل أدوات الاتصال المفتوح مع هاتفي ذكي، وشاشةٍ مضيئة، في غرفة مغلقة، وحسابات بلا قيود، وعالمٌ بلا حواجز- في غيابٍ شبه كامل لدور الأسرة في الرقابة والتوجيه والمحاسبة- والغاية منح الفتاة الثقة، إننا بهذا التصرف نتركها في مواجهة عالمٍ لا يرحم، ولا يراعي عمر الفتاة، ولا السمعة ولا الشرف، ثم نُفاجأ، ونسأل كيف حدث هذا، ومن أين بدأت القصة؟ فلا تندهشوا من النهايات المؤلمة، إذا كانت البدايات مُهملة إلى هذا الحد في البيوت.
والمشكلة الأخرى لا تقل خطورة، ولا ينتبه لها كثيرون، وهي وقت الفراغ، فتاة أنهت دراستها الجامعية، ولم تجد فرص عمل، فظلت لسنوات جليسة البيت، فتجد نفسها أمام أيامٍ طويلة بلا هدف، وساعات ممتدة بلا إنجاز، وذهنٍ يبحث عن أي شيء يملأ هذا الفراغ القاتل. وهنا تبدأ المشكلة بصمت، فراغ بلا استثمار ولا تخطيط، مع غياب الاهتمام والتوجيه من الأهل، تصبح أي علاقة عابرة، أو اهتمام مفاجئ، أو تواصل غير محسوب، وسيلة للفتاة للهروب من الملل قبل أن يكون خيارًا واعيًا، والنتيجة سلوك طريق يدمر حياتها.
وفي جانبٍ آخر تتحمل بعض الأسر مسؤولية لا تقل أثرًا، حين تُغلق أبواب الحلال، فتأتي فرص زواج مناسبة- قد لا تكون مثالية لكنها مقبولة- فتُرفض لأسبابٍ متكررة، غير مناسب اجتماعيًا، مستواه التعليمي أقل، وظيفته عادية، راتبه لا يواكب التوقعات، فتُوجل الفرص، وتُرفع السقوف، وتُؤخر القرارات، حتى يتحول الاختيار إلى انتظار طويل بلا أفق، فلا تغلقوا أبواب الزواج بأيديكم، وعليكم بالسعي وحسن الاختيار والتقدير.
المشكلة من جهة أخرى، حين تُترك الفتاة لساعات طويلة خارج المنزل بلا متابعة، وحين تتحول الساحات العامة والمقاهي إلى حضور يومي مفتوح دون ضوابط، وحين يُستبدل التوجيه بالثقة العمياء، والرقابة بالصمت. فإننا لا نمنع الخطأ، بل نُهيّئ له الطريق. وهنا لا بد من استحضار قول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ “التحريم: 6”.
هذه ليست نصيحة، بل مسؤولية، فالمسؤولية تبدأ من البيت، لا من الشارع. وليست كل القصص متشابهة، فالرواية التي تُقدَّم غالبًا تُظهر الفتاة كضحية دائمة، لكن الواقع أوسع من ذلك. فهناك حالات يكون فيها الانجراف نتيجة غياب القيم والأخلاق، أو تساهل تدريجي، أو بحث عن تجربة، أو تأثر ببيئة وصديقات، أو حتى مبادرة غير محسوبة. وهذا لا يعني إدانة الجميع، لكنه يعني أن الصورة ليست أحادية كما تُعرض.
ليس كل فتاة ضحية، فبعض الحالات لم تكن البداية بريئة كما تُصور دائمًا، بل كانت خطوة أولى سمحت للشاب من الاقتراب، ثم تبعت بخطوات أخرى، حتى أصبح التراجع أصعب من الاستمرار، وقِس على ذلك ما لا يُقال، وما لا يُكتب، لا لأنه غير موجود، بل لأنه لا يخدم الرواية السائدة التي تُريح البعض من مواجهة الحقيقة كاملة. فالتعميم في أي اتجاه، هو اختزال للحقيقة، لا كشف لها، فالمسؤولية لا تُجزّأ، والمشكلة لا تُحل بإلقاء اللوم على طرف واحد.
لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال، أن غياب البداية الصحيحة، يصعّب النهاية السليمة. لا تُجمّلوا الواقع، المشكلة ليست دائمًا في من اقترب، بل أحيانًا في من سُمح له أن يقترب. ومن يصرّ على رواية نصف الحقيقة، سيبقى يعالج النتائج، ويترك الأسباب تنمو في صمت. ليس كل شابٍ مذنب، وليس كل فتاةٍ ضحية، لكن المؤكد، أن مجتمعًا يغفل عن جذور المشكلة، لن ينجح في اقتلاعها.
ابدؤوا من حيث يجب أن يبدأ الإصلاح، من البيت قبل الشارع، من غرس القيم والأخلاق الحميدة، من الوعي والتوجيه والنصح والمتابعة… وإلا سنستمر في كتابة مقالات جميلة، بينما الواقع نهاياتٍ مؤلمة، وسنبقى نبحث عن “الذئب” بينما المشكلة كانت، في الأبواب المفتوحة. المشكلة ليست في الشباب وحدهم، ولا في الفتيات وحدهن، بل في منظومة تربوية بدأت تتراخى خطوة خطوة… ونسأل الله السلامة.
حمد الحضرمي- محامٍ

