عواصم-وكالات: اتهمت فرنسا الرئيس الأمريكي جو بايدن أمس بطعنها في الظهر والتصرف مثل سلفه دونالد ترامب، بعد إقصاء باريس عن واحدة من أكبر الصفقات الدفاعية في العالم والتي كانت قد وقعتها مع أستراليا لصنع غواصات.
وقالت الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا في وقت سابق إنها ستؤسس شراكة أمنية لمنطقة المحيطين الهندي والهادي من شأنها أن تساعد أستراليا على حيازة غواصات أمريكية تعمل بالطاقة النووية وإلغاء صفقة الغواصات الفرنسية التصميم التي تبلغ قيمتها 40 مليار دولار.
وقال وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان في تصريحات بثتها إذاعة فرانس إنفو “هذا القرار الجائرالأحادي وغير المتوقع يذكرني كثيرا بما كان يفعله ترامب”.
وأضاف “أشعر بالغضب والمرارة. هذا أمر لا يحدث بين الحلفاء”.
كانت أستراليا قد اختارت مجموعة نافال جروب الفرنسية لصناعة السفن في 2016 لصنع أسطول غواصات جديد بقيمة 40 مليار دولار ليحل محل غواصات من الطراز كولنز يبلغ عمرها أكثر من 20 عاما.
وكان وزيرا الدفاع والخارجية الأستراليان قد جددا التأكيد على الصفقة قبل نحو أسبوعين.
وقال لو دريان “إنها طعنة في الظهر. أسسنا علاقة قوامها الثقة مع أستراليا وهذه الثقة تم انتهاكها”.وقال بايدن الأربعاء إن فرنسا لا تزال “شريكا رئيسيا في منطقة المحيطين الهندي والهادي”.
وستصنع أستراليا ثماني غواصات تعمل بالطاقة النووية بموجب شراكة أمنية مع الولايات المتحدة وبريطانيا بمنطقة المحيطين الهندي والهادي، ويرجح محللون أن تثير غضب الصين ايضا التي نددت بتشكيل تكتلات تقول إنها تهدف لإلحاق الأذى بالآخرين.
وستصبح أستراليا البلد الثاني فقط بعد بريطانيا التي يسمح لها بالوصول إلى التكنولوجيا النووية الأمريكية لصنع غواصات تعمل بالطاقة النووية. وحصلت بريطانيا على هذا في عام 1958.
وقال رئيس الوزراء الأسترالي سكوت موريسون “يزداد العالم تعقيدا خاصة هنا في منطقتنا، منطقة المحيطين الهندي والهادي”.
ولم يأت زعماء الولايات المتحدة وأستراليا وبريطانيا على ذكر الصين عند إعلانهم الأربعاء عن المجموعة الأمنية الجديدة، لكن واشنطن وحلفاءها يسعون لمقاومة قوة ونفوذ بكين المتناميين خاصة تعزيزاتها العسكرية وضغوطها على تايوان ونشرها قوات في بحر الصين الجنوبي محل النزاع.
وقالت السفارة الصينية في واشنطن إن الدول “يجب ألا تشكل تكتلات إقصائية تستهدف مصالح أطراف ثالثة أو تضر بها” وإن على مثل هذه الدول “التخلص من عقلية الحرب الباردة والتحيز الأيديولوجي”.
ورحبت رئيسة وزراء نيوزيلندا جاسيندا أرديرن بالتركيز على منطقة المحيطين الهندي والهادي لكنها قالت إنه لن يُسمح بدخول غواصات أستراليا الجديدة التي تعمل بالطاقة النووية المياه الإقليمية بموجب سياسة قائمة منذ أمد بعيد.واتصل موريسون أيضا بقادة اليابان ونيوزيلندا واليابان.
وقال موريسون إن أستراليا ستلغي صفقة بقيمة 40 مليار دولار مع فرنسا لتطوير غواصات تقليدية تحل محل أسطول بلاده المتقادم من غواصات كولنز وستتفاوض على مدار 18 شهرا مع الولايات المتحدة وبريطانيا لصنع ثماني غواصات تعمل بالطاقة النووية.
وأضاف “ليس لدى أستراليا خطط لحيازة أسلحة نووية وسيظل هذا الاقتراح متفقا مع التزامها القائم منذ أمد بعيد بالحد من الانتشار النووي”.
وأعلنت واشنطن، الساعية لتعزيز تحالفاتها في كلّ الاتجاهات للتصدّي لبكين، أمس الأول تشكيل تحالف أمني استراتيجي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ يضمّ كلاً من الولايات المتّحدة وبريطانيا وأستراليا، في مشروع يهدّد بتقويض الطموحات الفرنسية في المنطقة.
وأتى الإعلان عن المعاهدة الأمنية الجديدة المسمّاة “أوكوس” خلال قمة افتراضية استضافها الرئيس الأميركي جو بايدن في البيت الأبيض وشارك فيها عبر الفيديو كلّ من رئيسي الوزراء البريطاني بوريس جونسون والأسترالي سكوت موريسون.
والثمرة الأولى لهذا التحالف ستكون حصول أستراليا على أسطول من الغواصات التي تعمل بالدفع النووي، وهو أمر سيقود كانبيرا لإلغاء طلبية ضخمة أبرمتها مع باريس لشراء غواصات فرنسية الصنع.
وقال رئيس الوزراء الأسترالي إنّ “أول مبادرة كبيرة في إطار +أوكوس+ ستكون حصول أستراليا على أسطول غواصات تعمل بالدفع النووي”.
ويمثّل هذا الإعلان نقطة تحوّل استراتيجي لا سيّما وأنّها المرة الأولى التي ستشاطر فيها الولايات المتحدة مثل هذه التقنية الحسّاسة مع دولة أخرى غير بريطانيا. وقال مسؤول كبير في البيت الأبيض إنّ “الدولة الوحيدة التي شاركت الولايات المتحدة معها هذا النوع من تكنولوجيا الدفع النووي هي بريطانيا” وذلك منذ 1958.
ووفقاً للصحافة الأسترالية فإنّ استحواذ كانبيرا على هذه التكنولوجيا المتطوّرة سيحتّم عليها إلغاء صفقة ضخمة بقيمة 50 مليار دولار أسترالي (31 مليار يورو) أبرمتها مع باريس لشراء 12 غواصة تقليدية من طراز “أتّاك”.ولطالما أطلق على هذا العقد اسم “صفقة القرن” للصناعة الدفاعية الفرنسية.
وما هي إلا دقائق حتى أبدت مجموعة “نافال غروب” الفرنسية للصناعات الدفاعية “خيبة أمل كبرى” إزاء الإعلان الأسترالي.
وقالت المجموعة في بيان تلقّته وكالة فرانس برس إنّ “الكومنولث الأسترالي لم يرغب في الانخراط في المرحلة التالية من البرنامج، وهو أمر يمثّل خيبة أمل كبرى لنافال غروب التي قدّمت لأستراليا غواصة تقليدية ذات تفوّق إقليمي وأداء استثنائي”.
وحاول بايدن مواساة فرنسا بتأكيده إثر القمّة أنّ الولايات المتّحدة “تتطلّع للعمل بشكل وثيق مع فرنسا وشركاء رئيسيين آخرين” في منطقة المحيطين الهادئ والهندي.
وقال بايدن إنّ “فرنسا بالخصوص لديها وجود مهمّ في منطقة الأطلسي-الهندي وهي شريك وحليف أساسي”.
من جهته قال رئيس الوزراء البريطاني الذي حقّق بهذا التحالف نصراً دبلوماسياً كبيراً لاستراتيجيته الرامية لتجنيب بلاده عزلة دولية بعدما خرجت من الاتحاد الأوروبي إنّ المعاهدة “ستربط بين المملكة المتّحدة وأستراليا والولايات المتحدة بشكل وثيق أكثر، ممّا يعكس مستوى الثقة بيننا وعمق صداقتنا”.
وإثر القمّة الثلاثية قال بيان مشترك إنّه “بالاستناد إلى تاريخنا المشترك كديموقراطيات بَحريّة، فإنّنا نلتزم بطموح مشترك دعم أستراليا في الحصول على غواصات تعمل بالدفع النووي”.
وأوضح البيان أنّ ما ستحصل عليه أستراليا هو غواصات تعمل بالدفع النووي وليس مزوّدة بالسلاح النووي.
ووفقاً للمسؤول الكبير في البيت الأبيض فإنّ “هذا قرار أساسي وجوهري. هذا قرار سيُلزم أستراليا والولايات المتحدة وبريطانيا لأجيال”.
ولم يأت أيّ من القادة الثلاثة على ذكر الصين ولا فعل كذلك بيانهم المشترك الذي اكتفى بالإشارة إلى “السلام والاستقرار في منطقة المحيطين الهندي والهادئ”،
ولطالما كرّر الرئيس الأميركي منذ انتخابه القول إنّه ينوي على غرار سلفه دونالد ترامب مواجهة الصين، ولكن بطريقة مختلفة تماماً عن التي اعتمدها الملياردير الجمهوري والتي اتّسمت بمواجهة مباشرة بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم.
ويجمع الرئيس الأميركي في 24 سبتمبر في واشنطن رؤساء وزراء كلّ من أستراليا والهند ناريندرا مودي واليابان يوشيهيدي سوغا لإعادة إطلاق التحالف الرباعي المعروف باسم “كواد” او “الحوار الأمني الرباعي”.
وستسمح هذه القمة الرباعية “بتعزيز الروابط وتعميق التعاون” إن على صعيد مواجهة وباء كوفيد-19 أو التغيّر المناخي.
ويريد الشركاء الأربعة كذلك الالتزام بجعل “منطقة الهند-المحيط الهادئ مفتوحة وحرّة” وهي عبارة دبلوماسية تعتمدها واشنطن للتنديد بالتطلّعات الإقليمية الصينية.

