روث مكلين
ترجمة: أحمد شافعي
أبيكوتا ـ نيجيريا
دائما ما يثير وول سونيكا الناشط السياسي المتقد المتاعب لوول سونيكا الكاتب. من ذلك، حينما استولى على محطة إذاعية لمنعها من بث ما قال إنها نتائج انتخابية مزورة وتعرض للسجن من جراء ذلك. أو حينما تسلل إلى بيافرا في ذروة حربها من أجل الاستقلال عن نيجيريا وقضى سنتين في السجن الانفرادي بعد مناداته بإنهاء القتال.
عندما يستشعر الفائز الأسود الأول بنوبل للأدب ـ والفائز الإفريقي الأول بها أيضا ـ بتعرض أمور كالحرية أو الديمقراطية للخطر في بلده الحبيب الذي تضافر تاريخه العام مع تاريخه الشخصي، فإنه لا يملك زمام نفسه. ويصير لزاما عليه أن يتدخل.
و«هذه حالة مزاجية» حسبما قال سونيكا البالغ من العمر سبعة وثمانين عاما خلال حوار معه في مسقط رأسه أبيوكوتا بجنوبي نيجيريا.
يطلق على بيت الآجر الذي يقيم فيه، محاطا بالغابات والزقزقات، ملاذه. ويذكرنا صوته العميق، ذو النبرة المميزة، بالمسرحيات الفاتنة التي اشتهر بها، إذ يتنقل بين الجلال والخفة. قميصه، محلول الأزرار حتى قرب الخصر، يشي بسمعته كثائر، سبق أن مزق بطاقته الخضراء الأمريكية بعد أن أصبح دونالد ترامب رئيسا، ويطلق على رئيس بلده نفسه لقب «ريب فان وينكل التاريخ النيجيري» ويطلق على رئيس أوغندا «صاحب الشيخوخة الوقحة».
ويسخر من نفسه بسبب هذا المزاج الذي يدفعه إلى الجهر برأيه.
«من سوء الحظ، أن البعض منا ليسوا في غاية الحكمة. فنحن نعرف ما الذي يجب علينا عمله، ومتى يجدر بنا أن نتقاعد ونذهب لنختفي في مكان ما ونعيش حياة الدعة» وأضاف مبتسما ونحن جالسان في مقعدين كبيرين من البامبو في رواق مرتفع مفتوح «لكننا لا نأخذ بنصيحتنا، صح؟ وهذا لغز عليّ».
في السنة الماضية، رأى أنه بحاجة إلى التغيير بعد لعنة طويلة قضاها «محصورا، مقيدا إلى الطاولة»، فأوشك أن يقوم بإخراج مسرحيته الصادرة سنة 1975 بعنوان «الموت وفارس الملك» في لاجوس، ليدرك على حين غرة بعد قراءات قليلة أنه لم يعد يرغب في ذلك.
وقامت بدلا منه صديقته المخرجة السينمائية والمسرحية النيجيرية بولانلي أوستن بيترس بإخراج المسرحية التي تروي حكاية قائد لقوات الملك يتحتم عليه أن يموت حينما يموت سيده، وقد جاءت تلك المسرحية بمثابة الهبة في ظل ندرة المسرح وفي ظل الوباء. بعد عقود من كتابته لها، ابتهج جمهور لاجوس في تلك الليلة من مايو التي حضرت فيها العرض وبكوا بينما يتردد في العرض صوت سونيكا، وقد اجتمع فيه بطريقة ما الحزم والحنان. وكانت لجنة نوبل قد كتبت سنة 1986 أنه «يصوغ مسرح الوجود».
في بعض الأحيان يلهيه المزاج المتقد عن الكتابة. ولكن الاثنين، أي المزاج الثوري والكتابة، في رأي محرره القديم إيرول مكدونالد، متعايشان. قال: إن كلا منهما «يتغذى على الآخر، ويستحيل تصور أحدهما دون الآخر». ويبدو أن سونيكا الناشط لا يكف عن إمداد سونيكا الكاتب بالمواد.
ولا يصدق ذلك مثلما يصدق على عمله الأخير الصادر بعنوان «سجلات من أرض أسعد شعوب الدنيا»، وهو أول رواية له منذ خمسين سنة، وتنشرها بانثيون في الولايات المتحدة هذا الأسبوع. قد تبدو الرواية بعيدة الاحتمال بما فيها من انعطافات لاهثة في الحبكة، وجملة شخصيات متفجرة بالحياة، وثيمات آثمة ـ حيث تتناول شركة تبيع أعضاء بشرية ونبيا مدعيا يستعمل عناصر من أديان مختلفة ما دامت تلائم أغراضه ـ ولكنها لا تبدو كذلك تماما لمن يكون على علاقة وثيقة بنيجيريا.
وثيقة وعاصفة
ولد سونيكا في إيبادان لأبوين مسيحيين محبين وجد كان يقطع ـ حسب قول سونيكا ـ بأنه ابن لأوجو، إله الشعر والحدادة وعرق البلح عند اليوربا، وملهم سونيكا.
درس في بريطانيا، البلد الذي استعمر نيجيريا، ولما رجع في يوم رأس سنة 1960، كان بلده في طور التحول إلى الاستقلال. ألقى بنفسه في غمار استكشاف وتنمية وطنه حديث العهد بالحرية.
ثم لم يمض وقت طويل قبل أن يخذله ساسة بلده الجدد، وتبلغه أنباء تزوير الانتخابات في غربي نيجيريا. فكان إرغام مذيع بالإذاعة على قراءة رسالة تدين التزوير مهددا إياه بفوهة مسدس أولى محاولاته الدراماتيكية بمساءلة الساسة في بلده، وأول الغيث في كفاح امتد على مدار العمر.
قالت أوستن بيترز: «هو تقريبا شخص لا يمكن المساس به، فقد دفع الثمن، كما أنه معروف على المستوى الدولي. لديه الكثير من نقاط القوة».
اضطر سونيكا إلى التسلل عدة مرات من نيجيريا إلى المنفى، وتعرضت حياته للخطر لانتقاده العلني للساسة (وذات مرة تسلل إلى نيجيريا من بنين المجاورة).
في عام 1994 طارده الدكتاتور العسكري ساني أباشا، فهرب إلى أبيوكوتا متشبثا بمؤخرة دراجة نارية طوال عشر ساعات. وقطع سونيكا عهدا في تلك الليلة، وهو متجه إلى المنفى على طرق ترابية في الغابة، وسحابة شعره ـ الأيقونية إلى درجة أن سميت باسمها فرقة موسيقية ـ ملآنة بالحشرات.
تذكر سونيكا ذلك العهد لاحقا في سيرته الصادرة عام 2006 بعنوان «لا بد أن تنطلق عند الفجر»: «لو قدِّر لي أن أموت خارج حدودي، فادفنوني في أي أرض أجنبية أنتهي فيها، ما دام ساني أباشا جاثما على الأمة في وقت موتي».
كان قرارا ساحقا. في أغوار قطعته الصغيرة في غابة بمدينة أبيوكوتا المحصورة وسط نتوءات الجرانيت الشاهقة التي هرب منها لتوه، ثمة أكمة صغيرة من الصبار، يعود إليها سونيكا المرة تلو المرة في كتابته. وثمة يريد أن يكون مدفنه.
قال: «لقد حملت نيجيريا معي في تلك الفترة». أما في المنفى، فلم يكن يعرف قط هل ستتسنى له العودة، حيا أم ميتا.
اتهم في غيابه بالخيانة. لكن في حين كان يتأهب لاستقرار طويل في المنفى، مات أباشا. ورجع سونيكا من منفاه بالغرب، مخدرا.
يبدو سونيكا بطريقة ما قلقا اليوم على مستقبل نيجيريا أكثر مما كان في ظل حكم أباشا. ويرى أن طبيعة الخطر قد تغيرت.
قال: إن «شيئا ما قد حدث لطبيعة الحساسية لدى هذه الأمة. لم أضع يدي عليه بالكامل. لكن شيئا ما في هذه الأمة قد استسلم. شيء ما انحرف عن مساره».
وجدت صدى مثل هذا الشعور في كلام المخرجة المسرحية أوستن بيترز. «المشكلة مزمنة. قائمة هنا، وتكبر، وتكبر، وتكبر. لم تعد لدينا مؤسسات، كل المؤسسات التي كانت تعتني بنيجيريا، انهارت الآن».
الحق أن هذا البلد الأكثر سكانا في إفريقيا، وشديد التنوع من مناح كثيرة ـ كاللغة والدين والعرق والأفق ـ قد انهالت عليه طوال العقد الماضي الأزمة تلو الأزمة. إذ ابتلي الشمال الشرقي ببوكو حرام والجماعة القوية التي تفرعت منها، وهي الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا، التي قتلت آلاف المدنيين. شيوع أعمال الخطف الجماعي في الشمال الغربي. مصادمات الرعاة الذين تدمر قطعانهم المزارع مع المزارعين الذين وسعوا حقولهم مستولين على ممرات الرعي الطبيعية، وتحول تلك المصادمات إلى قضية سياسية شائكة. استهداف قوات الأمن للمدنيين، ومنهم الكثير من الشباب إلى الحد الذي جعلهم في العام الماضي ـ وفي أعقاب حركة «حياة السود مهمة» في أمريكا ـ يخرجون في حركة عرفت بـ«إنهاء سارس» (والمقصود بسارس هنا هو قوات مكافحة السطو الخاصة في نيجيريا، وهي وحدة شرطية اتهمها المتظاهرون بارتكاب انتهاكات).
قال سونيكا: إن متظاهري (إنهاء سارس) طلبوا منه الانضمام إليهم، فاشترط عليهم: 1- كرسيا متحركا كهربائيا و2- مضادا للغاز المسيل للدموع و3- مؤونة خمور كاملة.
في سيرته «لا بد أن تنطلق عند الفجر» ينقل عن جماعة اليوربا العرقية التي ينتمي إليها مثلا سائرا مفاده أن المرء إذ يشيخ يكف عن الانغماس في المعارك.
يكتب «إن في هذا شيئا من الأمل. فحينما نطقت تلك الحكمة للمرة الأولى، لم يكن الكيان المعروف بنيجيريا قد خطر فكرة في رأس أحد».
غير أن مكانة نوبل تضخم صوته في تلك المعارك، ويشعر بمسؤولية لاستعمالها. يأسى في بعض الأحيان على حالة الخفاء التي انطمست بحصوله على الجائزة ويحلم بين الحين والآخر باستعادة ذلك الخفاء. لكن ذلك لا يدوم.
«أعرف، أعرف، أعرف. أعلنت مرات انسحابي من الحياة العامة. وكنت أعني ذلك. لنحو أربع وعشرين ساعة. لكنني لن أقولها ثانية أبدا. سأكتفي بأن أنسل مبتعدا في هدوء، ولن يراني أحد بعدها. عليك بالصبر».
نشر في نيويورك تايمز في 25 سبتمبر 2021

