إعداد الدكتور محسن بن حمود الكندي.
- دفتره فيضٌ من الشعر والأخبار ونوادر القصص تعكسُ الذوق الأدبي لشخصه وعصره
- قصائده تشكِّل مدونةً شعريةً عُمانية ملأى بالحنين والشوق للوطن
- ميزة تجربته أنها تطال مناطق جغرافية مغمورة تبدأ من مهجره الإفريقي وتنتهي بالوطن
- اجتمعتْ موهبتا جودة الخطِّ والأناقة الشعرية في شخصيته الأدبية
لا تسعفنا الذاكرةُ الوثائقية ولا الروايات بمعلوماتٍ كثيرةٍ تترجمُ سيرةَ الأديبِ الكاتب الشاعر الناسخ الشيخ عبدالله بن عمر بن عبدالله الكندي عدا ما أصِّل في بعض المُدونات والتراجم من ذكرٍ لسيرته، وأنه وُلد في نزوى، في تاريخ لم نتوصل إليه بالتحديد غير ما ذكره لنا الشيخ سليمان بن مهنا الكندي، وهو معاصرٌ له إذ يقول: “إنه من مواليد عام 1911م تقريبًا”، وأنه سافر في صِبَاه المُبكر مع أسرته وجماعته الكنود إلى ديار الشرق الإفريقي واستقر في منطقة “موينزي / انزيجا” ثم في مدينة زنجبار التي عرف فيها مسارات الحضارة مبكرًا.
تشيُ تجربته الأدبية بخصائص مميزة قد لا تتوافر كثيرًا لدى أقرانه، فقد وجدنا بعض أصداء الاغتراب في دفتره الحاوي لبعض أخباره، وأخبار جماعته وأسرته الذين سجل لهم فيضًا شعريًّا باذخًا كونه ينتمي إلى قبيلة عريقة، وفيه أصداء علاقاته وتفاعله الاجتماعي ومشاركاته، وقد ارَّخ انتقاله من البر “موينزي” إلى زنجبار بعام 1351هـ ..
وعندما رجعَ من زنجبار سنة 1941م – كما يبدو -عَمِلَ -في ذات الآن- مُدَرسًا في المدرسة السعيدية بجوادر، ثم كاتبا للصكوك في محكمتها إبان ولاية السيد هلال بن حمد البوسعيدي عليها في عهد السلطان سعيد بن تيمور، وتتلمذ عليه جملةَ من التلاميذ منهم أبناء السيد هلال نفسه، كما تذكر معلومة توثيقية أثيرية وردت في “تويتر”.
وفي أواخر أربعينيات القرن العشرين استقر به النوى في وطنه وحطَّ عصا ترحاله في مطرح، حيث أفق الحياة المتمدنة آنذاك، فعمل كاتبًا للصكوك بالمحكمة الشرعية بمطرح في عهد السلطان سعيد بن تيمـور، ثم في عهـد السلطان قابوس -رحمه الله- كما عمل مدرسًا للتربية الإسلامية بالمدرسة السعيدية بمسقط خلال الفترة (1365/1945 – 1368/ 1948)، توفي الشيخ عبدالله بن عمر عام 1987م.
أغلبُ ما توفـّر لنا من شعره اثني عشر قصيدة جاءت في أغراض العلاقات الإنسانية والمواقف الفكرية وفيها من النزعات الفنية كالمطارحات الغزلية والحنين والحكمة والتأمل والأسئلة التعليمية، والتأريخ بالشعر تترجمها النماذج الآتية:
القصيدة الأولى: مقطوعةٌ غزلية تتكون من ثمانية أبيات، ضمَّها ملف الكنديات المخطوط بمكتبة السيد محمد بنى أحمد، ووثقها كتاب “قلائد الجُمان للسيد حمد بن سيف البوسعيدي، ص 292 وطالعها:
قلبُ المُحبِّ مع الأحبابِ مَعْتوبُ مشتتٌ حَشوهُ همٌّ وتغريبُ
القصيدة الثانية: قصيدةٌ في الحنين غزلية تتكون من سبعة وثلاثين بيتًا دونها في دفتر ومنها:
أرقتُ لبرقٍ لاحَ بالليلِ لامعُ
بروضي سُحَيرًا ضوءَه متتابعُ
نَعَمْ شاقني ذاكَ البريقُ وإنما
شجاني وقلبي للهُمومِ يدافعُ
وذكَّرَني تلك المعاهدَ والرُبى
فقلبي بذياكِ المعاهدِ والعُ
فبتُ وطرفي بالنُّجومِ مُوَكَّلٌ
فذا آفلٌ منها، وذلك طالعُ
فيا برقُ هلْ جزتَ السَميطَ وسفحَه؟
وهل خصبٌ تلك الفلا والمرابعُ؟
القصيدة الثالثة: قصيدةٌ في الغزل غزلية تتكون من اثني عشر بيتًا حواها ملف الكنديات وكتاب “قلائد الجمان، ص 292 وطالعها:
أخلاىَ إنِّي بالفراقِ مُعـذَّبُ وإنـّي إلى لقيـاكمُ مُتَرقبُ
القصيدة الرابعة: قصيدةٌ في الحنين تتكون من سبعة عشر بيتًا قالها في رحلة الشيخ شيخان بن زاهر الكندي من نزوى إلى بلد “الحاجر”، وقد أجابه الشيخ زاهر على قصيدته. وقد دونها في دفتره، ومنها بيتان جميلان وردًا بقافية مطلقة اتساقًا لضرورة الوزن:
قلْ للذي جَدَّ بالأظعان وارتحلا
ويمّم العيس تطوي الحَزْنَ والسَّهلَ
يا حاديَ العِيس رفقًا في ترحلكمْ
مهلاً نودعكمْ لا تعجلوا الإبلَ
القصيدة الخامسة: قصيدةٌ مُخمَسة في الحكمة تتكون من عشرة أبيات، دوّنها في دفتره، وطالعها يقول:
إذا شئتَ حلاً فابده بالتجاربِ
ولا تكُ يا ذا للكليم مُصاحِب
القصيدة السادسة: قصيدةٌ في الغزل غزلية تتكون من ثلاثين بيتًا دونها في دفتره، وطالعها:
وظبيٌ بالسويق ألفتـهُ
يختالُ في حُلَلِ الجَمال عهدتُه
القصيدة السابعة: قصيدةٌ في التذكر والحنين تتكون من اثنين وعشرين بيتًا، دونها في دفتره الخاص، ومن أبياتها:
مرابعنا بين الخضيرة والصّلى سقتكِ
غوادي القلب محلاً على نَهْلِ
ولا زال روضُ الأنسِ فيك مصرّحا
نضيرًا وثغر الدهرِ يَضْحَكُ للطل
القصيدة الثامنة: قصيدةٌ في التأمل ووصف الموت، وتأبين الذات تتكون خمسة عشر بيتًا، دونها في دفتره الخاص، وطالعها يقول:
لله من حكمةٍ جارتْ على الطُرقِ ربّ بديـعٍ واضـحٍ على الطُـرُقِ
القصيدة التاسعة: في غرض الإخوانيات والأجوبة، ومناسبتها إجابة لطلب سالم بن ماجد الريامي لبيان القراء السبعة، ووجدناها في دفتره ومن أبياتها
أسالمُ أنت اليومَ خلٌّ مسالمُ
وأنتَ لنيلِ العلم دومًا ملازمُ
سألتُ عن القرّاءِ الذين همُ همُ
تشيرُ إليهم بالبنان العَوالمُ
القصيدة الثامنة: في الشعر التعليمي وأبياتها خمسة عشر بيتًا دونها في دفتره، وطالعها:
يا ناق سيري وجدي السير في عجل
واقطعي البيد بالأبكار والأصل
القصيدة العاشرة: قصيدة في الغزل تتكون من عشرة أبيات دونها في دفتره، وطالعها:
تيقَّن فللبدرُ المنيرُ استعارةٌ
من الوجه والألحاظِ منها إشارةٌ
القصيدة الحادية عشرة: قصيدة في الغزل تتكون من عشرة أبيات دوّنها في دفتره، ولم نتمكن من قراءتها كاملة لضبابية كتابتها بفعل الزمن والتقادم، ويبدو أن طالعها:
ألا قل لمن بالهجر أصبح قاتلي …
القصيدة الثانية عشر: قصيدة في الغزل غزلية تتكون من أربعة أبيات حرَّرها في دفتره بعبارة : “من لي على رشاٍ”، وأوردها كتاب “قلائد الجمان” ص 292، وطالعها:
من لي على رشاءٍ يحلو تظلّمه
قد زارني والدجى تزورّ أنجمه
والأديبُ عبدالله بن عمر الكندي شخصيةٌ معروفة في الأوساط الاجتماعية والثقافية فبجانب قراءته النغمية للشعر، يحضر شاعرًا يجيد تظم الكلم، وكاتبًا حاذقًا يتميز بجودة خطّه وجمال رسمه للكلمات فخطه ينمُّ عن موهبة في غاية الجمال والأناقة والدقة، وقد أشارت إليه مراجع الأدب العُماني، فقد ذكره البوسعيدي حمد بن سيف في “قلائد الجمان ص 292. وذكره الشيخ ناصر بن منصور الفارسي في كتابه ” نزوى عبر الأيام، ص 237 وأفاضوا في ذكره وبينوا معالم تجربته الشعرية وحضوره الأدبي.
وقد حصلنا على دفتره من لدن الشيخ موسى بن سالم الرواحي بتاريخ الحادي من أنور الربيعين من عام 1418هـ، وقد حوى بعضًا من قصائده وكثيرًا من قصائد غيره، وهو بمثابة مصدر مهم من مصادر الشعر الأدب العُماني؛ ويمكننا أن نتناوله في هذه القراءة الوصفية على النحو الآتي:
أولاً: الإطار المادي للدفتر:
النسخة المتوفرة لدينا من هذا الدفتر صورة غير مكتملة، وفيها بعض القصائد والمختارات من شعر غيره، وقد شابتنا ونحن نستقرئ هذا الدفتر صعوباتٌ جمّة منها عدم وضوح خط القصائد وتداخل بعضه مع بعض بفعل التقادم وسوء التصوير، ورغم حاجتنا الماسة إليه إلا أنه مع الأسف غير متكامل، ويبدو أن التصوير أفسد أوراقه وأضاع خطوطه، فلا يتضح منها الكلمات وغلافه ليس به تقييدات على سنن الدفاتر وأنظمتها ، وإنما تظهر قصائد متقطعة وغير متناسقة، ومع ذلك احتفظ بها الشيخ موسى الرواحي لوعي بقيمة الدفتر ومكانته الثقافية، وقدرة ناسخه على توثيق الأحداث والإنتاج الفكري فقد كان وسيلة التدوين الأولى في مجتمع لم يعرف المطبعة والنشر إلا في عام 1970م. ولا يظهر الدفتر أسماء نسّاخه كما هي العادة في الدفاتر وإنما بدت قصائده بخطوط متعددة، غير مؤرخة ولا موقعة.
ثانيًا – نُساَّخ الدفتر:
توجد في الدفتر خطوطٌ متعدد توقع بها نهايات القصائد، ومن بين ما وجدناه في الأغلب الأعم قصيدة لعبدالله بن عمر الكندي، وللشيخ علي بن محمد بن سالم الرقيشي، وقد أرَّخ منسوخاته بسنة 1355هـ، وللشيخ عبدالله بن سليمان بن زاهر الريامي الذي نقل قصيدة اللواح الخروصي من خط ربيعة بن ماجد بن سليمان الكندي، بتاريخ غرة جمادى الأولي سنة 1335هـ.
ثالثًا: المحتوى والمضامين:
تطالعنا صفحاتُ الدفترِ الأولى بقصائد مجهولة المؤلف أغلبها في الشعر التعليمي وقصائد السؤال والجواب، وهي كما جاء طالع أولها:
إليكَ جوابًا يُريكَ المَطالبَ
ويُوليكَ في الحَقِّ خيرَ المَذاهبِ
ثم تتوالى مختاراته من ديوان الشعر العربي يستقيها من منابعها الأصول، فنجد فيها قصائد للعذريين من مثل كثير عزة، ولشعراء الأندلس كابن المعتز، وابن زيدون، وليزيد بن معاوية، وولناصيف اليازجي، ولابن مشرف، ولابن النحاس، ولشهاب الدين الآغرازي، وللبهاء زهير، ولشمس الدين التلمساني، ولابن هاني، ولمريء القيس، وللنابغة يصف المتجرد، ولابن النبيه، ولجعفر الحلي، وللحاجري، ولأمين الجندي معارضا ابن النحاس الذي كثرت معارضات الشعراء العُمانيين له.
أمّا ما يخصُّ الشعر العُماني فيورد منه قصائد للستالي، ولموسى بن حسين بن شوال الغشري، ولابن رزيق ، وللواح الخروصي (سالم بن غسان، ولأبي سلام الكندي، والشيخ عبدالله بن سعيد الخليلي، ولأبي سلام الكندي، وللشبخ محمد بن سالم الرقيشي في وقعة نخل، وللمجيزي سعيد بن مسلم، ولابن رزيق النخلي، ولعبدالله بن سعيد الخليلي، ولابن شيخان في مدح السلطان فيصل، ولابراهيم أفندي في مدح السلطات فيصل بن تركي قصيدة مطلعها:
هذا الرُّبوعُ فما لدَمِّكَ قد جرى
وازدادَ وجدكَ والغرامُ تسعّرا
أمَّا أندرُ ما وثقه فهو قصائد لعبدالله بن عمربن عبدالله الكندي، وهو شاعر معاصر تناثر شعره بين المصادر والرواة، ومما ورد له مخمسة مكونة من خمسة عشر مقطعا كتبها في بر إفريقيا (بموينزي) منها:
ظبيٌّ بالسُّويق ألفته يختالُ
في حِلَلِ الجَمالِ عَهدتُهُ
نفسي فداهُ وفي الحشا أسكنتهُ
ما عن رضا يا صاحِ قدْ فارقته
لكنّ دهري خان بي فهجرته
ظبي غدا يَسْبي العقول تبخترا
ويتيه فخرًا بالكمال على الورى
وتغارُ شمس الأفق منه إذا سرى
لهفي لنفس لم تذق طعم الكرى
كيف الكَرَى ومقلتي أودعته
كما يوردُ له سؤالًا وجهه للشيخ علي بن محمد بن سالم الرقيشي حول تفسير الآية الكريمة ” والشعراء يتبعهم الغاوون طالعه وأبياته خمسة عشر بيتًا طالعها:
يا ناقُ سيري وَجدّي السّيرَ في عَجَلِ
واقطعِ البيدَ بالإبكارِ والأٌصُلِ
وعرّجي نحو دارٍ طابَ نازلُها كيْ
نستريحً وكي نحظى من الزَّللِ
ومن القصائد النادرة أسئلة تعليمية كثيرة وجههما الشيخ القاضي الشيخ سعيد بن أحمد الكندي لأبي سلام الكندي، وقد أرخ عبدالله بن عمر السؤال الأخير بتاريخ 13 من شعبان 1353هـ، بينما أورد بعضها بذكر مطلع شأن السؤال الأول القائل:
ألا خبّراني كيف تلكَ المرابعُ
أهلْ جاءَها غيثٌ من المُزن هامِعُ ؟.
كما أورد سؤالا آخر من سالم بن سعيد البوسعيدي لأبي سلام وإجابته عليه، ومقطوعة في الحكم والمواعظ للشيخ حمد بن عبدالله السَّالمي مطلعها :
قلْ لمن شاءَ يرتقي للمعالي
هذّب النفسَ في خصالِ الكمالِ
واعتقلها في مرابعِ الفضل واحذرْ
من جموحٍ إلى خيالاتِ آلِ
جوهرُ العقلِ في دياجي البلايا
قائدُ النبل نحو سيرِ الرّجالِ
يدرك الماهرُ المجرّبُ
بالحدسِ ما سوف تمنحنه الليالي
قصيدتان يثبتهما الدفتر للشاعر عبدالله بن سليمان بن عبدالله النبهاني، الأولى نظمها في فصائل النخيل، والأخرى في قدوم “بني بوعلي” لمواجهة الإمام الخليلي بنزوى، ومن أبياتها الأربعة والثلاثين ما يلي:
ربوعُ الحِمَى أذكتْ بقلبي أشجاني
وقد طال ما جردت فيهن أرساني
لأنْ أصبحتْ منّي الديارُ خليةً
فقد أسلفت أيام أنسي وأحساني
أتتكَ غطاريفُ البلاد وهم بنو
تمامٍ ذوو العليا ساداتُ جعلانِ
تهادى بهم قب البطون سوابق
مسومة من كل أجرد أسوانِ
أتوك يحثون الخطى كأنها
ظباء تهادى أو كواسر عقبانِ
فيا أيُّها الإسلامَ هذا إمامُكم
فكونوا لدين الله خير جند وأعوانِ
أحاطوا ثغور المسلمين بصولة
تذكرهم أيام سيف بن سلطانِ
ومن القصائد الطريفة يورد الدفتر قصيدتين للشيخ عبدالرحمن بن محمد الكندي في رثاء أخيه العلامة سليمان بن محمد بن أحمد الكندي يوم بلغه نعيه بنزوى يوم الجمعة 12 صفر 1334 هجرية:
يا للمنايا تجزّ العمرَ ما تذر فكم
فقيد عليه الدَّمع ينهمرُ
وكذلك قصيدة له في رثاء الشيخ سيف بن ناصر بن سليمان الخروصي المتوفى بزنجبار، وقد بلغت أبياتها ثلاثة وعشرين بيتًا جاء مطلعها:
ألا أنَّ صابَ الدهرِ صابٌ مَشارِبهْ
وكأسُ الفنا لا بدّ ذو الروح واردُه
ومنها قصيدة لناصر بن ماجد الكندي نظمها في العلّامة سعيد بن ناصر بن عبدالله الكندي وبلغت أبياتها ثلاثين بيتا طالعها يقول:
أغزلان الصَّواني والسِّراحي
وأقمارُ المَها الغُرّ الصياحِ
حنانيكم أَما فيكمْ رحيمٌ
فيأسوا ما بقلبي من جراحِ
قصائده :
ومن القصائد الطريفة ثلاث قصائد، هي بخط يده ومن نظمه، وقد قال في مقدمة الأولى “هذه القصيدة قلتها عند ارتجالي من البر بمونزي إلى بندر زنجبار يوم 14 من جمادى الثاني 1351هـ: من مجيري من الليالي الغوادي ….، أمّا الثانية فهي ذكر المعاهد والدمن وأبياتها 22 بيتا: (أملعبنا بين الحظيرة والمصل سقتك غوادي الغيث محلا وما انهمل)، والثالثة ومبدأها (لله في حكمه…)
وكذلك يورد قصيدة يذكر في مقدمتها “أنه نظمها بتاريخ 14 من جمادى الثانية 1351هـ في رجوعه إلى بندر زنجبار وصدره مطلعها يقول “من مجيري من الليالي الغوادي..”، ومن القصائد التي يوردها الدفتر قصيدة له في وداع صالح بن نصرالله حين ارتحل من زنجبار إلى موطنه نزوى ” بلغت أبياتها قرابة 24 بيتًا يقول طالعها:
أيا صالحُ ودعتكَ الله سِرْ مع المِسْراةِ واهبطْ بالسَّلام وبالأمنِ
كما يورد قصيدة لشاعر دبي الشيخ أحمد بن سلطان بن سليم الياسي في مدح الزعيم سليمان بن حمير النبهاني ويبدو أنها قالها أثناء زيارته لعمان في فترات النصف الأول من القرن العشرين، وهي قصيدة بديعة يجب أن تضم إلى ديوان هذا الشاعر لاحتوائها على مضامين الوحدة العمانية والاستنهاض السياسي.
ومن القصائد الطريفة كذلك قصيدة “خمسة” اشترك فيها عدد من شعراء المرحلة لبيت شعر يقول :
لقد كنتُ أرجو أن تكون مواصلي فاسقيتني بالبعدِ فاتحةَ الرَّعدِ
وقد اشترك في تخميسه بمقاطع كلٌّ من: عبدالله بن عمر، وعبدالرحمن الريامي، وهي من القصائد المهمة لاحتوائها على شعر وجداني شفيف.
ومن القصائد الطريفة أيضًا قصيدة شيخان بن زاهر الكندي ردًا على قصيدة عبدالله بن عمر، وقد جاء فيها:
عقود لالئ في نحور الكواعب
تلوح لنا أم ذاك مصباح راهب
منها أيضًا قصيدة للمُر بن سالم في وصف السيل الذي وقع في تزوى سنة 1281 هجرية تقول أبياتها :
لججُ الطوفانِ وكفى ما
بنزوى من عقابٍ قد كفا
لججُ تروي صحيحًا كلما
كان كم طوفتن نوح سلفا
لم تدعْ من حاجري نزوى و
لا سُوقها إلا ضمورًا وصفا
ومن بيتها أيضًا قصيدة نادرة للكيذاوي موسى بن حسين في ندح ربيعة بن أحمد الكندي، طالعها:
(مالي وما للخودِ الخفرات
غادرن مني القلب في وقدات)
وكذلك قصيدة غزلية للشيخ ناصر بن ماجد بن محمد الكندي وهي شهيرة، وقد تداولتها المصادر المختلفة كونها ذات وقع نفسي وصوت شعري يطال سويداء القلب: (بين السويق وأختها ريم أغن… عذب اللمى رخض المعاطن والبدن). وثلاث قصائد لحمود بن خلفان العبيداني، وهي مهمة لجامعي ديوانه وأشعاره.
رابعًا: سمات الدفتر ومميزاته:
ختامًا لا يمكن عرض دفتر الشيخ عبدالله بن عمر وبيان محتوياته دون تسجيل عدد من الملاحظات هي إلى السمات أقرب، ونحن إذ نقدّمها ليحدونا الأملُ الحصول على النسخة الأصل منه إضافة إلى دفاتره الأخرى التي كتبها ليحفظ بها مدونة الشعر العُماني، فهو كاتب ناسخ أديب، لابدّ له من مدونات مفيدة؛ إذ ارتبطت –كما نظن- بعصر التحولات والوقائع في مجتمعنا العُماني المعاصر، وفيها من الأخبار والقصائد المتأثرة بكافة الاتجاهات التي اعترت الوطن العُماني سياسيًا وأدبيًا وثقافيًا واجتماعيًّا، وليس ذلك ببعيد على كاتب مثله بيده المحبة والقلم وسجلات متطورة في عصره، ومن بين ما نسجله في هذه القراءة لدفتره الوحيد الذي حصلنا عليه الملاحظات الآتية:
1 – توجدُ في الدفتر قصائد مجهولة المؤلف، فلم يذكر ناسخها الشيخ عبدالله بن عمر اسم قائلها، وإنما اكتفى بقول “ولبعضه” و”لبعض الشعراء الشيعة” و”للشيعي” و”لبعض الشعراء الشافعية” وهذا دليل إحاطته المعرفية بشعر الطوائف والمذاهب التي عرفها عن قرب وربما تعامل مع شعرائها في مهاجره ومغترباته؛ إذ هو عاش شطرًا من حياته في جوادر وفي مدن الساحل الإفريقي كما ذكرنا.
2 – تكتسبُ قصائد الدفتر مكانة كبيرة، فهي تكشفُ عن شعراء جُدد من مثل شعراء الأسئلة التعليمية الذين وجهوا أسئلتهم إلى أبي سلام الكندي شاعره المفضّل،وشعر جديد شأن التخميسات وقصائد عبدالله بن عمر التي أشرنا إليها سلفًا تمثل إضافة إلى مدونة الشعر العماني في القرن العشرين.
3 – تكثرُ قصائد أبي سلام في الدفتر وأجوبته التعليمية، ومن بينها مرثيته في أخيه مرشد بن سعيد بن ناصر، وفي وصف موطنه السويق نزوى وهما قصيدتان معروفتان.
4 – يعتن الدفترُ بنمطِ النزعات الفنية وخطاب التواصل، الحقلين المتحققين في مدونة الشعر العربي، فيورد منهما مُخمَّسات ومُربَّعات على سنن عراء عصره وطرائق مِصره، ومن بينها تخميس ابن شيخان لقصيدة المتنبي، وأيضًا لهمزية أحمد شوقي الشهيرة.
هذا هو دفتر الأديب الكاتب عبدالله بن عمر الكندي يمثلُ مصدرًا من مصادر شعره، ومرجعًا لشعراء عصره ، دفترٌ عكس بامتياز ذوق ناسخه وكاتبه في مختاراته ومنتقياته، ووثق فيه مسارات عصره، وهو كسائر الدفاتر سِجِلًّا للأحداث والوقائع، وخاصة تلك التي حدثت في المهجرين الإفريقي وبلدان الساحل الشرقي للخليج العربي حيث أقام، ويكاد من فرط أهميته أنه عكس صورةً تكاد مغيبة عن الواقع الثقافي في تلك الديار، ويمكن الرجوع إليه لمعرفة تفاصيل تلك الحيوات في تلك الأرجاء التي ارتادها العُمانيون وعاشوا فيها وأتاحت لهم نسج الشعر وقرضه انطلاقًا منها، فشعره شعر مغترباتٍ ومهاجر مَكسوًّا بألق الحنين إن صحَّ التعبير.

