يعتبر العلماء أن الحقائق مسلّمات تأتي بعدة صور، بيانات أولية ناتجة عن محاكاة حاسوبية، أو جداول إحصائيات من تجربة سريرية لعقار جديد، أو بيانات كُتبت بخط اليد في دفتر معمل للتثبت من صحة نظرية جديدة، إلا أنها تنبع في جوهرها من حقائق موضوعية وثابتة، وهذا ينطبق على جميع الأدوات العلمية. لم يسبق أن تعرّضت الحقائق العلمية لهجوم مماثل. كما حدث في أثناء جائحة كورونا.
ألقيت مهمة الدفاع عن تلك الحقائق على أكتاف موظف مدني متمرس، يتحدث سريعاً وبلكنة بروكلينية لا لبس فيها. يرى فاوتشي أن نشر المعرفة العلمية هو جزء لا يتجزأ من ممارسة العلم، ويعتقد أن قوة العلم تزداد كلما كان متاحاً للناس. في هذه الأزمة غدا فاوتشي صوتاً ورمزاً للنزاهة العلمية في عالم قلبه الفيروس رأسًا على عقب، مقدماً دروساً متميزة في الدبلوماسية العلمية، ووفياً للعلم أمام رئيس لم يتوقف عن تدخلاته التخريبية والانتقامية ولم يعترف بخطورة كوفيد-19.
كان تعيين فاوتشي في فرقة العمل المعنية بفيروس كورونا بالبيت الأبيض في نهاية يناير 2020 مبعثاً على الطمأنينة في عام أمسى مظلماً ومثيراً للقلق. تنفّس الصعداء كل من عرفه، فإدارة ترامب قد همّشت إلى حد كبير مؤسسات نظام الصحة العامة الأمريكية، بما في ذلك مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية وإدارة الغذاء والدواء، وهي مؤسسات اعتادت أن ترسي القواعد العامة في الإجراءات المتبعة في مكافحة الفيروسات وتقود ردة الفعل العالمية في ذلك. كان ترامب يبدي رفضاً منهجياً للعلم لصالح الاستحقاق السياسي.
كان الرئيس يبثّ في مؤتمراته الصحفية الأسبوعية حول الوباء رسائل قللت من تأثير المرض، ناشراً في وسائل التواصل الاجتماعي صورة وردية لاستجابة الولايات المتحدة، متكهناً في أكثر من مرة «بعلاجات» غير معتمدة بل وخطيرة، كهيدروكسي الكلوروكين وضوء الشمس والمبيّض. انتهز فاوتشي كل فرصة أمكنه اقتناصها ليقدم رسالة مختلفة، حتى بحّ صوته من كثرة الظهور الإعلامي المستمر والمؤتمرات الصحفية والاجتماعات الخاصة مع مسؤولي الصحة في الإدارة ليشرح ويثقف ويُطلع ما عرفه العلماء وما لم يعرفوه عن الخطر الفيروسي.
وفي ظل التناقضات والمواجهات وحتى الإهانات الشخصية من ترامب، رفض فاوتشي الانصياع، لينصبّ جل تركيزه على إبراز الحقائق. وحتى مع مجيء بايدن رئيساً جديداً، استمر الهجوم عليه. فاتهمه أعضاء الكونغرس الجمهوريون مثل السناتور راند بول والنائب جيم جوردان بالانخراط في «العرض» وقمع الحريات المدنية من خلال إرساء تدابير صحية عامة كارتداء الكمامات في الأماكن العامة. يردّ فاوتشي على ذلك مكرراً ذات الرسالة، وهي أنّ لهذه الإجراءات ما يبررها علمياً. لكن تلك المواجهة لم تكن سهلة أبداً. يقول فاوتشي: «لا يمكنك التحاور مع السناتور بول، فهو يستأثر بالحديث ولا يستمع، ويدلي بتصريحات أغلبها مبني على بيانات منقوصة أو بيانات التقطت على أسس انتقائية».
يقول فاوتشي: «لطالما سألني الناس على مر السنين: ما الذي يؤرق ليلك؟ ما هو السيناريو الأسوأ؟» بعد مرور تسعة أشهر على الجائحة، يقول فاوتشي: «نعيش الآن ما أعتبره السيناريو الأسوأ».
يعمل معظم الموظفين في المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية عن بعد نتيجة الوباء، وهو المعهد الذي أداره فاوتشي لمدة 36 عاما. أجرى فاوتشي كل مؤتمراته تقريبًا على هذا النحو، الأمر الذي كانت له فائدة إضافية تمثلت في تمكينه من انتزاع ما أمكنه من الفرص للتواصل مع غيره من خبراء الصحة العامة والجماهير حيث إنه يقضي وقته متنقلاً من اجتماع شخصي إلى اجتماع شخصي آخر. وقد مثل المجتمع العلمي في مؤتمرات صحفية حول الاستجابة للجائحة ثلاث مرات في الأسبوع منذ يناير. يصرح فاوتشي بأن المؤتمرات الصحفية الدورية هي فكرة بايدن، وهي المؤتمرات التي أوضح من خلالها فاوتشي كل شيء مستعينا بشرائح العرض، ابتداء من السبب في أنه لا ينبغي للناس أن يفترضوا أنهم إذا تطعّموا فسيكونون محصنين من الإصابة بالفيروس، ومروراً بتحليل الأسباب الكامنة وراء أهمية جرعتي اللقاح، ووصولاً إلى تأثير السلالات المتغيرة على المناعة التي يمنحها اللقاح.
يبيّن فاوتشي كل هذا على أساس علمي، لكن ذلك لا يعني أن الجميع يود سماعه. فما يزال فاوتشي هدفاً للمعترضين على القيود الاجتماعية والشخصية التي تفرضها تدابير الصحة العامة مثل التباعد الاجتماعي وارتداء الكمامات وإغلاق الأعمال. وقد تمادت تلك التهديدات حتى طالت حياته وأسرته.
إن ما يثير حفيظة هؤلاء المنتقدين ليس الطبيعة المتطورة للمعرفة العلمية، وإنما تغيّر التوجيهات التي توجهها للجمهور، مما يجعل البعض يفسرها على أن خبراء الصحة غير متيقنين أو غير أكفاء. يقول فاوتشي إن جائحة كوفيد-19 «أكدت ما تعلمتُه من حالات التفشي الأخرى، وهو أنه يتوجب عليك فعلاً أن تكون متواضعاً في طرحك، وتدرك أنّ مسيرة العلم تعني التعلّم المستمر. فما قد تراه في يناير وفبراير ربما يؤدي إلى توصيات وإرشادات واستنتاجات معينة، ثم مع ازدياد المعرفة تدرك أنك ربما لم تكن على صواب بنسبة 100٪. إنّ ذلك ناجم عن تطور فهمنا».
يعترف فاوتشي أن خبراء الصحة كانوا مخطئين بشأن أمرين رئيسيين: الأول هو الافتراض المبكر بأن الأشخاص الذين تظهر عليهم الأعراض هم فقط من يمكنهم نشر المرض، والثاني هو الاعتقاد بأن الفيروس لا يمكنه البقاء في الهواء لفترة تكفي ليقطع مسافة ما. لكن العلماء كانوا على استعداد للاعتراف بهذه الأخطاء وتعديل توجيهاتهم بناءً على ما تعلموه. وكما يقول الدكتور أوتيس برولي، كبير الاطباء السابق في جمعية السرطان الأمريكية وأستاذ علم الأورام وعلم الأوبئة في جامعة جونز هوبكنز حالياً: «تتمثل المشكلة في أن عامة الأمريكيين يعتقدون أن العلم هو علم مطلق بالأمور، ولا يدركون أنه يتطور بمرور الزمن. كنت أتمنى أن فاوتشي قال بصوت عال وواضح أننا ما زلنا في وقت مبكر في هذا المرض، وأننا نتعلم، وستتغير بعض القواعد كلما ازدادت معرفتنا. لو حذر فاوتشي الناس من ذلك بصوت أعلى، لربما غدا عمله أسهل الآن». تعلم فاوتشي ضرورة التضحية بالنفس خلال الأيام الأولى من معركته مع وباء عالمي آخر في الثمانينيات والتسعينيات وهو فيروس نقص المناعة البشرية المسبب لمرض الإيدز. وما أشبه الأمس باليوم، فقد وجد نفسه حينها محط استنكار لاذع ولوم من النشطاء في مجتمع الإيدز، إذ مثّل رمزاً لحكومة غير مبالية ولم تكن مستعدة للتصدي لوباء أثّر بشكل كبير على فئات المهمشين بمن فيهم متعاطو المخدرات بالإبر والعاملون في مجال البغاء. كان فاوتشي -بحكم الواقع- كبش الفداء بصفته مديراً للمعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، وهي المؤسسة التي أشرفت على اختبار عقاقير جديدة لمكافحة الإيدز. يقول مارك هارينجتون المدير التنفيذي لمجموعة علاج الإيدز: «كانت الجهود البحثية بطيئة للغاية، ولم يكن هناك ما يعين الأشخاص المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية».
اتُهم فاوتشي بعدم المرونة فيما يتعلق باختبار الأدوية الجديدة لمرض الإيدز مما أطال آلام المرضى. حصل المشاركون في تجارب الأدوية التجريبية غير المثبتة على تلك الأدوية والنتائج الإيجابية المترتبة عليها. دعا المدافعون عن مرضى الإيدز فاوتشي للنظر في السماح للأشخاص غير المشاركين في الدراسات للحصول على تلك العقاقير التجريبية طالما فهموا ووافقوا على المخاطر التي تنطوي عليها. يقول فاوتشي: « كان العديد من النشطاء يقولون لي «توني، ما الخطأ في أن يتعاطى شخص ما عقاراً حتى وإن لم يكن مشاركاً في تجربة سريرية؟» كانوا على حق». أدى ذلك إلى نشوء ممارسة تسمى «الاستخدام الرحيم»، والتي أتاحت في العام الماضي لآلاف المرضى بكوفيد-19 المصابين بأعراض شديدة إمكانية الحصول على دواء رمديزايفر Remdesivir المضاد للفيروسات وذلك قبل الموافقة عليه من قبل إدارة الغذاء والدواء، ولعل ذلك حفظ حياة العديدين.
استندت تجارب لقاح كوفيد-19 إلى ابتكار آخر من تجربة مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية، وهو ابتكار ساعد فاوتشي في ترسيخه وتأطيره، وهي مجموعة تجارب الإيدز السريرية، التي ضمّت شبكة من الباحثين والمؤسسات التي تجري دراسات على أدوية واعدة لفيروس نقص المناعة البشرية، وتتم إدارتها من قبل المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية. ولأول مرة في تاريخ المعهد وتحت إشراف فاوتشي، تمت دعوة أولئك النشطاء للمساعدة في تصميم التجارب واستقدام متطوعين لها. أصبح هؤلاء النشطاء بسبب ارتباطهم بمجتمع فيروس نقص المناعة البشرية مورداً لا يقدر بثمن للعلماء الذين يحاولون فهم ما يجب اعتباره أولوية وفهم كيفية هيكلة الدراسات بشكل فعّال. كانت البرامج المجتمعية التي أنشأتها تجارب الإيدز السريرية حاسمة في تسجيل الناس من الأقليات المتضررة من المرض في تجارب لقاحات كوفيد-19 والذين ستكون استفادتهم كبيرة من للقاحات الفعّالة.
في أثناء مراهقته، انجذب فاوتشي إلى شيئين مختلفين جداً في المدرسة. يقول «أردت فهم المجتمع والتاريخ وكيف تطورت الحضارات». ويضيف «غدوت مفتونًا بالعلم وبحقيقة أنه يمكنك اكتشاف أمور غير معروفة. وأنه يمكنك حل المشكلات بطريقة صحيحة ونهائية». قاده ذلك إلى الحصول على درجة جامعية في كلية هولي كروس تجمع تخصصين مختلفين، هما الدراسات الطبية والأدب اليوناني الكلاسيكي. التحق فاوتشي بعد تخرجه، بكلية الطب في كورنيل، ومع انهماك البلاد في حرب فيتنام، اختار الطبيب حديث التعيين أن يعمل في خدمة الصحة العامة الأمريكية، للوفاء بالتزاماته العسكرية، ومن ثم تم تعيينه على الفور في المعاهد الوطنية للصحة والمعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية في أوائل السبعينيات، حيث سيمضي بقية حياته العلمية.
سرعان ما انخرط فاوتشي في تخصص جهاز المناعة، وهو تخصص كان حينها يشبه مياها علمية راكدة أو صندوقا أسود لم تكشف أسراره بعد، ولكنه لم يستطع مقاومة جاذبية الأمراض المعدية وكيف يكافحها الجسد. يقول فاوتشي: «للأمراض المعدية خصائص تتناسب مع ملامح أساسية في شخصيتي، فهي جامحة: إما أن تقتلك أو أن تُشفى منها، لا توجد حلول وسط. يمكنك أن تمنعها ويمكنك أن تعالجها، وفي ذلك جاذبية استهوتني». استمر فاوتشي في علاج المرضى كطبيب وكعالم. وعندما رأى التكلفة الهائلة التي كبدتها جائحة كوفيد-19 الأطباء والممرضات وممن في الخطوط الأمامية، لم يكتف فاوتشي بالفرجة والتعاطف، بل كان في الخطوط الأولى مع بقية العاملين ومقدمي الرعاية الصحية.
لم يغب هذا الإخلاص عن أولئك الموجودين على الخطوط الأمامية لكوفيد-19. فحين غادر فاوتشي العمل في وقت متأخر من مساء يوم 24 ديسمبر الماضي، والذي صادف يوم ميلاده الثمانين، غنّى له أكثر من اثني عشر عضواً من أعضاء فرقة الإنقاذ في بيثيسدا والمعاهد الوطنية للصحة أغنية «عيد ميلاد سعيد». قفز فاوتشي أمامهم لالتقاط الصور، لكنه راعى أمر التباعد الاجتماعي.
يتحدث فاوتشي بفخر عن أول لقاح لكوفيد-19 دخل التجارب البشرية، ويعود جزء كبير من الفضل في ذلك إلى استثماره المبكر في المشروع. يقول فاوتشي «إنه مثال رائع لكيفية تحول مشروع عمره خمس أو 10 سنوات، وأُنشئ لغرض ما، ثم أمكن تحويله لهدف آخر، وهو علاج هذه الجائحة».
يعزو فاوتشي الفضل في السرعة التي انتقل فيها أول لقاح لكوفيد- 19إلى مرحلة الاختبار البشري إلى الدكتور بارني جراهام، نائب مدير مركز أبحاث اللقاحات التابع للمعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية. يعمل جراهام منذ سنة 2013، على إنتاج لقاح للفيروس المخلوي التنفسي. في ديسمبر 2019، حينما كانت تفاقمت حالات الالتهاب الرئوي الغامض في مدينة ووهان الصينية، كان غراهام واثقاً من قدرته على تطبيق ما تعلمه في سنوات أبحاثه لابتكار لقاح ضد فيروس كورونا المستجد. يتذكر فاوتشي أنّ بارني طلب منه السلسلة الوراثية لفيروس كورنا، ولا شيء غير ذلك. تحقق ذلك في 10 يناير حينما احتوت قاعدة بيانات جينية مفتوحة على السلسلة المطلوبة، ولم يستغرق بارني أكثر من 50 ثانية لتحديد السلسلة الوراثية للبروتين الشوكي في الفيروس، الذي سيغدو هدفاً لخمسة من اللقاحات الستة التي ساعدت الحكومة الأمريكية في تطويرها أو في شرائها كما كان الحال في لقاح فايزر، وقد حصل ثلاثة من هذه اللقاحات على موافقة إدارة الغذاء والدواء.
في ذلك الوقت كان الأمر متروكاً لفاوتشي كي يقرر ما إذا كان العالم بحاجة إلى لقاح كوفيد-19، ففي يناير من ذلك العام لم يُبلغ بعد عن أول حالة في الولايات المتحدة، وكانت هناك فكرة ساذجة وسط إدارة ترامب بأن الفيروس قد يختفي ببساطة بعد احتراقه خارج الولايات المتحدة.
لكن تجربة فاوتشي مع فيروس نقص المناعة البشرية علمته التعقل، إذ إن ذلك الوباء بدأ أيضاً بعدد قليل من الحالات التي تضخمت إلى ملايين. كان من المحتمل أن التقارير المبكرة التي تفيد بأن فيروس كورونا لا يمكنه الانتشار بسهولة من شخص لآخر كانت مجرد ترهات. بدأت جهود غراهام في صنع اللقاح مبكراً، معللاً ذلك أنّ كوفيد-19 كان الفيروس الثالث من عائلة كورونا الذي يصيب العالم، وقد أوقفت جهود صنع لقاح لفيروس متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (المعروف بميرس) حينما قلّ عدد الحالات. إن لقاحاً ناجحاً لكوفيد-19 لن يؤتي أكله للوقت الحالي وحسب، بل سيكون مفيداً لمكافحة أي فيروس كورونا آخر قد يظهر لاحقاً. وتحمّس فاوتشي للتكنولوجيا الجديدة في تصنيع اللقاح، بحيث يحتوى اللقاح على مادة جينية تعرف بالرنا المرسالmRNA .
قلصت تقنية الرنا المرسال من الأمد المعتاد لتطوير لقاح. وبعد حوالي ثلاثة أشهر من نشر السلسلة الجينية لفيروس كورونا المستجد، قدم علماء شركة فايزر طلباً إلى إدارة الغذاء والدواء للتصريح بالاستخدام الطارئ للقاح القائم على الرنا المرسال، وذلك بعد أن أظهرت دراسات أنّ فعاليته في حماية الناس تجاوزت 95٪.
تلقى فاوتشي تلك الأخبار مباشرة من الرئيس التنفيذي لشركة فايزر ألبرت بورلا، ثم أبلغت شركة موديرنا عن نتائج مماثلة، وأصبح اللقاحان أول من حصل على ترخيص بالاستخدام للطوارئ في الولايات المتحدة. وما زالا يمثلان حجر الأساس في برنامج التطعيم. يقول فاوتشي «ستُحدث تقنية الرنا المرسال هذه ثورة في علم اللقاحات، والمصابون بفيروس نقص المناعة البشرية مهتمون به حقاً الآن». يختلف فاوتشي العام 2021 اختلافًا جذريًا في نواح عدة عما كان عليه عام 2020. وإن ظل تماماً كما هو في نواح أخرى. فبالإضافة إلى المؤتمرات الصحفية الأسبوعية الثلاثة التي يحضرها، يتلقى فاوتشي كذلك أربع أو خمس مكالمات يوميًا من جف زنتس، الذي ينقل إليه أسئلة الرئيس أو يطلب منه المشورة بشأن السياسات التي تبحثها الإدارة. وبالنظر إلى العام المقبل، يقول فاوتشي أنه لا ينبغي لنا أن نركز كثيراً على العدد المحدد من الأشخاص الذين نحتاج إلى تطعيمهم حتى نصل إلى مناعة القطيع. بل يجب أن نواصل التركيز على تطعيم أكبر عدد ممكن من الناس بأسرع ما يمكن. وعلى هذه الجبهة، وبعد موجة من الناس الذين يشمرون عن أعضادهم للتطعيم خلال الشتاء وأوائل الربيع، قد ترتطم الولايات المتحدة حالياً بجدار التردد في أخذ اللقاح. يقول فاوتشي عن الطرق التي ينبغي أخذها للوصول إلى الأشخاص غير المتحمسين للتطعيم «إنه سؤال صعب، ولا أعتقد أن هناك إجابة سهلة» ويكمل «علينا فقط أن نستمر في محاولة إيصال الرسالة بناءً على الأدلة والبيانات. لا يمكننا الاستسلام «.
لن يشعر فاوتشي بالراحة بالقول إننا اقتربنا من بداية نهاية الجائحة حتى تبدأ الإصابات الجديدة في الانخفاض ربما إن وصلت الإصابات لمعدل قرب 10آلاف إصابة في اليوم من 33 ألف إصابة في اليوم في المتوسط حالياً«لحظة كتابة البروفايل». ولكنه الآن يرى – وعلى عكس العام الماضي- طريقًا نحو هذا الهدف نتيجة التطعيمات.
لم ينس فاوتشي الخسائر الفادحة التي ألحقها كوفيد-19بالعائلات الأمريكية، وغالباً ما يذكّر الناس أنه مع أن الأوضاع تبدو أفضل بتوفر اللقاحات، إلا أن كوفيد-19 أودى بحياة أكثر من 585,000 شخص في الولايات المتحدة وحدها. إن الوضع المتدهور في الهند هو تذكير صارخ آخر بخطر التراخي.
عندما سألته عما إذا كان يعتقد أننا قادرون على تجاوز كوفيد-19، أو ما إذا كان سيبدو وكأنه إنفلونزا تعود بأشكال تختلف قليلاً في كل عام، رد بصراحته المعتادة: «أود أن أعطيك جواباً واثقاً، لكن يجب أن أكون صادقًا معك، لا أعرف. حتى إن وصلنا إلى معدل إصابة منخفض جداً في بلدنا، وذلك مع تطعيم الغالبية العظمى من الناس، سيكون هناك دائماً خطر المتحورات الجديدة التي تنشأ في أجزاء أخرى من العالم. أعتقد أنه سيتعين علينا توخي الحذر من عودة الفيروس على الأقل في العامين المقبلين». قد يعني ذلك الحصول على جرعات منشطة سنوية من اللقاح.
صالح الفلاحي مترجم عماني

