من المعروف أن الدستور الكويتي أول دساتير دول مجلس التعاون الخليجي، وأقدم دستور في الوطن العربي لا يزال سارياً منذ صياغته وحتى يومنا هذا، صدر في العام 1921، ليبدأ العمل به رسمياً في 29 يناير 1963، حيث أُسّس لأوّل مجلسٍ نيابيّ منتخب في دول الخليج العربي.
لست هنا بتقييم أو طرح مسألة الدستور الكويتي، لأنه وبكل شفافية مصدر فخر لي ولأي مواطن كويتي وعربي، خاصة أن المشاركين في كتابته جهابذة علماء القانون، وما يعنيني هنا، هؤلاء الذين كانوا رواداً في تأسيس الحركة الدستورية في دولة الكويت، ونخص بالذكر، الفقهاء الدستوريين عبدالرزاق السنهوري، ومصطفى كامل، والدكتور عثمان خليل عثمان، والمشرع الدستوري عبدالفتاح حسن، وأحمد الخطيب أحد رموز العمل السياسي في دولة الكويت، كما أنه أحد أبرز رجال السياسة والفكر في بلاده وعلى الساحة العربية، أحد مؤسسي الدستور الكويتي، وأول دكتور حاصل على شهادة الطب البشري في تاريخ الكويت، وأحد مؤسسي “حركة القوميين العرب”، ورئيس لجنة أطباء الأمير الراحل الشيخ عبد الله السالم الصباح.
أحمد الخطيب، رمز وطني كبير ليس على مستوى الكويت فقط، بل على مستوى الوطن العربي ككل، وهو أحد رموز المعارضة الكويتية المصلحين إن جاز التعبير، الذي كان يضع الوطن أولاً وقبل أي شيء وكل شيء، لقد برّت هذه الشخصية الوطنية بقسمها في احترام الدستور الذي كان أحد كتّابه، في وقت نجد اليوم الآلاف ممن يطعنون ببلادهم ودساتيرهم لأجل المصالح الدنيا والضيقة، ولا أبالغ إن قلت إن فكر أحمد الخطيب هو جزء رئيس وأساس من تاريخ الكويت، ولا أبالغ أيضاً إن قلت إنني كنت من المواظبين على زيارته في مجلة الطليعة والاعتماد والحرص الدائمين على استشارته في كثير من الأمور، ومن عاصره يعلم فكره المتقد وما كان يتمتع به من لياقة ذهنية عالية، وكان من أشد المتابعين للحركات الإصلاحية على مستوى الخليج والوطن العربي، وهذا طبيعي لشخصية كانت منكبة على القراءة بشكل كبير، وكان من المتابعين لكل الإصدارات الثقافية، وأذكر أنه في إحدى المرات طلب مني كتاباً عن “المعارضة البحرينية” في العام 2015، كان ممنوعاً في الكويت وأحضرته له من بيروت بحكم سفري شبه الدائم إليها، وكان يسألني عن حال لبنان وسوريا والبلاد العربية عموماً لأن صاحب الفكر المتقد يتألم لحال الأمة وهذا من شيم الرموز الوطنية كشخص أحمد الخطيب.
ليس هذا فقط، لقد وصلت جسور المحبة مع رفاق دربه في العالم العربي، التي انقطعت ربما بفعل الظروف، خاصة رفاقه من مؤسسي حركة القوميين العرب، فكان يطلق عليه المناضل الفلسطيني بسام أبو شريف، مستشار الرئيس الراحل ياسر عرفات، “المناضل الشقي”، وعلى الصعيد الشخصي، لقد تعلمت منه الكثير وتأثرت به حالي كحال الكثير من الشباب الكويتي المهتم بالحركة الإصلاحية في الكويت وكذلك الشباب العربي، ورغم كل ما كان يملك من مؤهلات على كافة الأصعدة، من الجميل أن نذكر تواضعه وابتسامته المطبوعة في الذاكرة، كان ينصت بشكل كبير لأي حديث يسمعه، ليسدي النصيحة الملائمة، فكان خير المعلم وخير من ثقف أجيال كثيرة.
أحمد الخطيب رمز وطني قومي عربي كبير، كان محتضناً لكل قضايا الأمة وفي مقدمها قضية فلسطين بالإضافة إلى تجربته الغنية في النضال الديمقراطي في الكويت حيث وضع الشعب ثقته به وانتخب الخطيب نائباً لرئيس المجلس التأسيسي الذي وضع دستور الكويت بعد الاستقلال، الخطيب من الشخصيات التي يعتز بتاريخ مواقفها كل كويتي أياً كانت خلفياته الفكرية وخلافاته السياسية، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على قوة فكر الدكتور الخطيب النيّرة، الذي زرع في مجتمعنا الخاص والعام حب فلسطين والعداء للمشروع الصهيوني ومقاومة التطبيع، فهو رائد من رواد الحركة السياسية في الكويت، ولاتزال بصماته حاضرة إلى يومنا هذا في مختلف نواحي الحياة السياسية والاجتماعية بلا منازع.
السياسي الفذ، أحمد الخطيب ابن الكويت، من مواليد العام (1927)، درس الطب في لبنان وشارك هناك في تأسيس حركة القوميين العرب، عاد الخطيب إلى بلاده في منتصف الخمسينات ليكون أول طبيب كويتي، كما لعب دوراً بارزاً عندما طالبت العراق ضم الكويت مطلع الستينات، عندما سافر إلى مصر وشارحاً وجهة النظر الكويتية التي لاقت تأييداً مصرياً وعربياً، وحصل الخطيب على المركز الأول في الانتخابات البرلمانية عام 1965، ثم استقال بعدها، ثم شارك بعدها في انتخابات 1967 و1971 و 1975 و 1981 و 1985 و 1992، وآخر ما كتبه الخطيب في العيد الوطني للكويت، حيث كتب قائلاً “لنستذكر دور الشعب الكويتي وشهداء الكويت في الحفاظ والتمسك بهذا الوطن والدستور الذي التف عليه كل الشعب لعودة الشرعية للكويت”.
لن أنعي السياسي أحمد الخطيب، لأن من مثله لا يموتون بل هم أحياء بيننا، أحياء بما قدموه للأمة وللوطن، أحياء بما تركوه من إرثٍ خالد وسمعة عطرة وتاريخ عطاء كبير، أحمد الخطيب حقاً إنه جزء من تاريخ الكويت المعاصر.

