بعد صفوف من سطور مرصوصة ، منزوعة الدسم ، وبعد حذف وإضافة وفصل ووصل ، أمكن التوصل إلي فكرة مقال يتفادي حقول الألغام ويغامر في المطلق الفلسفي المريح ، الذي يتأمل في الواقع من سماوات فاصلة بآلاف الفراسخ ، حيث لا تبدو مشاكل هذا الواقع وتتواري خلف سحب بريئة طاهرة من الخوف والحكمة الموروثة ..
تدريجياً يتحول العالم السياسي إلي ما يشبه عالم ديزني .. شخصيات كرتونية تلعب أدواراً مكتوبة لها أو تتقافز وتضحك وترقد وتصفق لنفسها مثل البلياتشو متعدد الوجوه .. لقد كنت في بيروت عندما سمعت من بعض الأصدقاء علي مقاهي الحمراء وفي دعوات العشاء ما يؤكد أنهم لم يدركوا أنهم قد دخلوا حرباً أهلية إلا بعد سنوات من بدايتها !!
لن يصبح للحاكم بعد اليوم ضوءاً يهديه ، بعد أن أصبحت أغلب الأقلام مقصوفة أو متهمة إذا هي فكرت خارج الصندوق ، أو بعيداً عن السرب المنافق ..وقد يكون ذلك عقاباً كافياً لذلك الحاكم ، ولكنه لن يدرك ذلك قبل فوات الأوان ..
لذلك يقال أن واحدة من أنجح عمليات السي آي إيه في الإتحاد السوفييتي السابق كانت هي أختراق الجهاز الإداري للدولة بحيث لا يتولي المراكز القيادية إلا الأكثر غباءاً وفساداً .. وهكذا انهار الإتحاد السوفييتي الرهيب في حفنة من سنوات ..
” لقد اتخذت قراراً خطيراً ، أريدكم جميعاً أن تساعدوني عليه ” ، هكذا قال عبد الناصر حين قرر تحمل المسئولية والتنحي بعد النكسة ( إسم الدلع لهزيمة 67 ) ، وأجد نفسي اليوم في نفس الموقف بعد أن اتخذت قراراً بالتخلي عن التدخين .. قلت لأصدقائي بثقة : ” ربما يكون ذلك القرار هو الإنجاز الوحيد المتاح هذه الأيام ” ..
تذكرت المسؤولة الأوروبية الكبيرة التي حاولت ذات يوم ، وأثناء مناقشة جادة حول موضوعات سياسية ، حاولت أن تقنعني بأهمية الإقلاع عن التدخين ، لقد ابتسمت لها قائلاً بثقة : ” كيف لي أن أتخلي عن صحبة زادت علي الثلاثين عاماً ؟ .. السيجارة ، ذلك القوام الأبيض الرقيق الذي صاحبني في الضراء والسراء ، وهو أول قبلة في الصباح وآخر همسة قبل النوم … وبعد أن عددت لها مزايا التدخين الأخري ، قلت لها متظاهراً بالغضب : ” أن من يخون هذه العشرة الطويلة ، يمكنه أن يخون أي شئ ” … ولا زلت أتذكر نظرة الدهشة الواسعة علي وجه هذه السيدة الفاضلة التي لم تجد إلا التعليق بأنها شخصياً كادت تقتنع بأن تدخن بعد محاضرتي !! ..
لماذا يجتاح المرء أحياناً إلي هذا النوع من المعارك الشخصية الصغيرة ؟ ..أتصور أننا من حين لآخر نحتاج أن نثبت لأنفسنا أننا قادرون حتي علي أنفسنا .. وربما في ظل تراجع عام يصبح الإنجاز الشخصي مهما كانت ضآلته تعويضاً عن الشعور بالعجز أو المهانة ..
استطراداً لنفس المنطق ، ألا ينبغي أيضاً الإقلاع عن السطور منزوعة الدسم ، او امتلاك شجاعة التوقف تماماً عن الكتابة ؟ .. المشكلة أنها إدمان يفوق أي إدمان آخر ، خاصة حين تفيض النفس بمشاعرها وتعتلج الأفكار في العقل تصارع كي تخرج إلي ساحة النقاش العام كي تفيد وتستفيد ..
ولكن ربما هناك فوائد جمة لذلك النوع الجديد من الكتابة المأذون بها ، فحين تكون السطور أقل دسماً ، فأنها تكون مفيدة للصحة ، وتساعد علي التخلص من الوزن الزائد ، لأن النحافة وفقر الدم والفكر هي الموضة ، ولا بد أن يساير الإنسان العصر وناس العصر .. ثم أن السطور منزوعة الدسم تحمي الصحف من الكولوسترول الضار الذي قد يهدد وجودها ، ومن الأفضل في كل وقت أن يعتاد القراء علي ذلك النوع الحامض من الوجبات الصحفية ..
ولكي نحسن ختام هذا المقال ، فلا يفوتني أن أشيد بالإنجازات التي تتحقق كل يوم ولا يراها إلا الأعمي ، وحالة السلام الإجتماعي التي يرفل فيها الناس حتي ضجروا من الأمان ، وأشدد علي أن ذلك المناخ الرائع هو الذي سمح لي أن أتفرغ لتحقيق إنجازي الصغير في الإقلاع عن التدخين ، وربما ساعدني قريباً في الإقلاع عن أشياء أخري ضارة وغير مفيدة مثل الكتابة ..
معصوم مرزوق

