ارتباط وثيق بين تحسن الوضع المالي وجهود التنويع الاقتصادي كوسيلة أساسية لتنويع مصادر الدخل وتقليص الاعتماد على النفط –
سجل نمـو الأنشطة غيـر النفطيـة معدلا جيدا لكن السعي لمزيد من التقدم في كافة المؤشرات يتطلب تسريع وتيرة تنفيــذ خطــة التنويــع الاقتصادي –
حسبما أعلنته وزارة المالية في بداية عام 2022 كانت التقديرات الأولية لميزانية العام الجاري تشير إلى أن حجم الإيرادات العامة المتوقعة هذا العام قد تصل إلى 10,58 مليار ريال عماني مع عجز مالي مقدر بنحو 1,5 مليار ريال عماني على افتراض سعر مبدئي لبرميل النفط عند 50 دولار للبرميل، ومع الارتفاع الكبير في أسعار النفط وزيادة الإنتاج خلال العام الجاري إضافة إلى ارتفاع حجم الإيرادات الجارية من مصادر الدخل غير النفطية شهدت كافة المؤشرات المالية مزيدا من التحسن، خاصة زيادة الإيرادات النفطية وغير النفطية وارتفاع حجم الفائض المالي وتراجع الدين العام، وقد أظهرت النتائج المالية الفعلية أن الميزانية العامة للدولة حققت فائضا ماليا بنهاية يوليو 2022 يتجاوز مليار ريال عُماني، مقارنة مع تسجيل عجز مالي في الفترة ذاتها من عام 2021، وتضاعفت الإيرادات العامة للدولة حتى نهاية يوليو 2022 مسجلة أكثر من 8 مليارات ريال عُماني مقارنة مع الفترة نفسها من عام 2021 حيث بلغ متوسط سعر النفط ما يقرب من 90 دولارا للبرميل خلال الفترة المشار إليها مقارنة مع 54 دولارا خلال نفس الفترة من العام الماضي، لتمثل الإيرادات العامة المحققة فعليا من المصادر النفطية والجارية خلال الفترة منذ بداية العام حتى نهاية يوليو نحو 75 بالمائة من المستهدف لهذا العام.
وجاء ارتفاع الإيرادات نظرا لزيادة متوسط أسعار النفط وزيادة متوسط كمية الإنتاج إلى نحو مليون و42 ألف برميل يوميا مقارنة مع تسجيل 954 ألف برميل يوميا بالفترة ذاتها من عام 2021، وارتفاع إجمالي إيرادات النفط والغاز إلى نحو 5 مليارات و883 مليون ريال عُماني، مقارنةً مع 3 مليارات و 574 مليون ريال عُماني في الفترة نفسها من عام 2021، ووفق البيان الرسمي الخاص بميزانية العام الجاري تستهدف سلطنة عمان رفع متوسط الإنتاج اليومي من النفط إلى نحو مليون و55 ألف برميل، ويظل الأفق مفتوحا لمتغيرات أخرى في الإنتاج خلال الفترة المقبلة حسب متغيرات السوق النفطية وسياسات مجموعة أوبك بلس تجاه معدلات الإنتاج لدول المجموعة ومن بينها سلطنة عمان. ومع زيادة إنتاج النفط والغاز في سلطنة عمان شهدت صادرات النفط الخام زيادة بنسبة 16.7 بالمائة بنهاية يوليو الماضي مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وتشير الإحصائيات الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات إلى ارتفاع كمية الإنتاج من النفط بنسبة 10 بالمائة في نهاية يوليو الماضي مسجلة 223.2 مليون برميل مقارنة بــ202.7 مليون برميل للفترة نفسها من يوليو 2021، ويتضمن هذا الإنتاج زيادة في النفط الخام بنسبة 13.5 بالمائة مسجلاً 177.3 مليون برميل مقارنة مع نحو 156 مليون برميل للفترة نفسها من العام الماضي، بينما انخفض إنتاج المكثفات النفطية بنسبة 1.6 بالمائة مسجلاً 45.8 مليون برميل مقارنة مع 46.5 مليون برميل للفترة نفسها من العام الماضي.
ومن المتوقع أن تنعكس أي زيادات في الإنتاج أو الأسعار خلال الفترة المقبلة على ارتفاع حجم الإيرادات من قطاع النفط والغاز، وتقدر إيرادات النفط والغاز المتوقعة في ميزانية العام الجاري بنحو 7,2 مليار ريال عماني، لكن الإيرادات الفعلية تزيد بفعل ارتفاع الأسعار.
ووفق حسابات كانت قد نشرتها “عمان” تجاوز متوسط العقود الآجلة لنفط عمان 96 دولارا بنهاية الربع الثالث متخطيا السعر المقدر مبدئيا للنفط في ميزانية 2022، ومع ارتفاع متوسط سعر خام نفط عمان المحقق فعليا حتى نهاية الربع الثالث من هذا العام، يزيد السعر الفعلي بنحو 46 دولارا عن السعر الاحترازي المقدر بداية هذا العام لبرميل النفط، وهو ما يعني زيادة حجم الإيرادات العامة خلال الفترة الباقية من هذا العام واستمرار زيادة حجم الفائض المالي خاصة مع استهداف سلطنة عمان رفع حجم الإنتاج النفطي خلال العام الجاري كما تواصل أسعار الغاز العالمية تسجيل مستويات قياسية مما يزيد من حجم عوائدها خلال هذا العام.
وكانت التوقعات الصادرة عن صندوق النقد الدولي ترجح أن تسجل ميزانية سلطنة عمان فائضا قد يقترب من ملياري ريال بنهاية هذا العام في ظل استمرار صعود أسعار النفط لكن حجم الفائض الفعلي يظل مرتبطا بمتوسط أسعار النفط وحجم الإنفاق خلال هذا العام، كما رفعت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني مؤخرا تصنيف سلطنة عمان إلى بي بي مع نظرة مستقرة، مشيرة إلى أن عائدات النفط المرتفعة ستدعم تحقيق فائض في الميزانية العام لأول مرة منذ سنوات في 2022 و2023، وقد أنهت سلطنة عمان العام المالي الماضي بتسجيل عجز هو الأقل من منذ عام 2014.
وتقدم زيادة الإيرادات النفطية دعما كبيرا لمستهدفات ضبط المالية والوصول لاستدامة الوضع المالي، وتتضمن ميزانية سلطنة عمان للعام المالي 2022 كافــة الإجــراءات الحكوميــة التــي باركهــا صاحب الجلالــة – حفظــه اللــه ورعــاه – الراميــة إلــى زيــادة الإيــرادات غيــر النفطيــة وتخفيــض الإنفــاق العــام للوصــول إلــى الاســتدامة الماليــة للدولــة، مــن أجــل تمكيــن الاقتصــاد الوطنــي مــن الاســتمرار فــي تحقيــق معــدلات النمو المســتهدفة، وإنجــاز برامــج التنويــع الاقتصــادي، ومســتهدفات جــذب الاســتثمار وتمكيــن القطــاع الخــاص للقيام بـدوره الرئيسي والفاعـل فــي إدارة عجلة الاقتصاد وتوفيــر فرص العمــل، كما تمثل ميزانية العام الجاري وكذلك الأعوام المقبلة امتدادا لنفس الإطار المالي المنضبط الذي تلتزم به سلطنة عمان ضمن خطتها الخمسية العاشرة، وتستهدف الميزانية العامة الحفاظ على المستويات الآمنة والمستدامة للإنفاق العام، مع الاستمرار في رفع مساهمة الإيرادات غير النفطية، وإعطاء الأولوية لتنفيذ المشروعات المرتبطة بالقطاعات الإنتاجية، واستكمال برنامج التحول الرقمي، والحفاظ على مستوى الإنفاق في الخدمات الأساسية، وإعادة توجيه الدعم لمستحقيه من فئات المجتمع، واستمرار العمل على تحسين التصنيف الائتماني لسلطنة عمان، وشهدت الفترة الماضية بدء تنفيذ عدد من المبادرات الرئيسية لتطوير المالية العامة كما يجري العمل بشكل مستمر على مبادرات جديدة، ويشمل ذلك تطبيق موازنة البرامج والأداء، والنظام المالي الموحد “مالية” وحساب الخزانة الموحد، والسجل الوطني للأصول الحكومية، والعقود الموحدة، ومركزية المشتريات الحكومية، وتحديث القانون المالي ولائحته التنفيذية وقانون الدين العام، وصرف الرواتب الإلكتروني وبرنامج تمويل الموردين ومنصة تفاكر، وتستهدف هذه المبادرات رفع كفاءة منظومة الإدارة المالية لتحقيق الاستدامة المالية كأحد ممكنات نجاح الرؤية المستقبلية عمان 2040.
ومع الارتباط الوثيق بين ما يشهده الوضع المالي من تطورات وبين التقدم في جهود التنويع الاقتصادي كوسيلة أساسية لتنويع مصادر الدخل وتقليص الاعتماد على النفط؛ تم خلال الفترة الأخيرة الإعلان عن البرنامج الوطني للتنويع الاقتصادي كامتداد لمبادرات التنويع على مدار الخطط الخمسية السابقة. ويُعنى البرنامج بمعالجة التحديات الاقتصادية التي تواجه قطاعات التنويع الاقتصادي وإيجاد الحلول وآليات تنفيذها لتسريع تحقيق توجهات وأهداف الخطة الخمسية العاشرة بما يتواءم مع تحقيق رؤية عمان 2040. ويهدف البرنامج إلى تحقيق مستهدفات قطاعات التنويع الاقتصادي في الخطة الخمسية العاشرة واقتراح الاستراتيجيات والتوجهات الاقتصادية، ومن ثم تمكين القطاعات الاقتصادية من دعم الموازنة العامة بالإيرادات غير النفطية. كما يتضمن البرنامج الوطني للتنويع الاقتصادي برنامجا تنفيذيا لمدة 4 سنوات بما يتوافق مع الفترة الزمنية لانتهاء الخطة الخمسية العاشرة، وضمن جهود تعزيز التنويع ورفع كفاءة الإنفاق والتركيز على المشروعات التي تحقق أعلى عائد اجتماعي واقتصادي، شهدت الفترة الماضية أيضا بدء عمل فريق تقييم واختيار أولوية تنفيذ المشروعات الإنمائية بوزارة الاقتصاد عبر حلقات عمل مع مختلف الجهات الحكومية بهدف الوقوف على المشروعات الإنمائية الجديدة التي تقدمت بها الجهات لعام 2023، وتقييمها وتحديد المشروعات ذات الأولوية التي يتم تنفيذها خلال العام المقبل.
وخلال العامين الماضي والحالي سجل نمـو الأنشطة غيـر النفطيـة معدلا جيدا لكن في ظل السعي لمزيد من التقدم في كافة المؤشرات، يتطلب ذلك تسريع وتيرة تنفيــذ خطــة التنويــع الاقتصادي وما يرتبــط بها من مؤشرات.

