فيما كان العالم منشغلًا بمتابعة وتحليل مباريات كأس العالم لكرة القدم اجتمع في مسقط علماء وأطباء وساسة من مختلف دول العالم ليدقوا بشكل واضح ومسموع ناقوس الخطر المتشكل من «مقاومة مضادات الميكروبات» باعتباره بين أكبر مهددات الصحة العامة التي تواجه البشرية في الوقت الراهن، وفق ما أكده المؤتمر الوزاري العالمي حول مقاومة مضادات الميكروبات المنعقد في مسقط.
ورغم أن المؤتمر علمي، طبي إلا أنّ الأبعاد السياسية كانت حاضرة فيه بقوة شأنه شأن جميع الجوائح الصحية التي لا تبقى في حدود الخطر الصحي فقط إنما تتحول إلى مهدد سياسي كما كان عليه الحال خلال جائحة فيروس كورنا «كوفيد-19».. وقد كان من بين أهداف مؤتمر مسقط تحفيز العمل السياسي على الأصعدة الوطنية والعالمية للتنبه لخطر «مقاومة مضادات الميكروبات» قبل أن تكون هي الجائحة الصحية القادمة، وتبني سياسات من شأنها أن توقف تطور مقاومة المضادات، وفي مثل هذه الحالات قد لا يكون ثمة معنى للحديث عن الخطر دون أن تكون هناك إرادة سياسية مستعدة لوقفه.
وصدر عن المؤتمر الوزاري العالمي ما بات يعرف بـ«إعلان مسقط» الذي يمكن أن يعتبر جرس إنذار عالميًا حقيقيًا حول الخطر القادم، لكنه في الوقت نفسه وضع معايير وسياسات من شأنها أن تضع مسارًا للعلاج قبل أن تحلّ الكارثة التي كانت قد تحدثت عنها نائبة المدير العام لمنظمة الفاو، ماريا هيلينا سيميدو بقولها: «إذا تُركت مقاومة مضادات الميكروبات بدون علاج، فإن الجائحة التالية التي سنواجهها يمكن أن تكون بكتيرية وربما تكون أخطر بكثير من الأدوية اللازمة لعلاجه».
وأكد «إعلان مسقط» على ضرورة تقليل إجمالي كمية مضادات الميكروبات المستخدمة في نظام الأغذية الزراعية بنسبة تصل إلى 50% بحلول عام 2030، وكذلك عدم استخدام مضادات الميكروبات ذات الأهمية الطبية للطب البشري في الحيوانات بشكل نهائي للأغراض الطبية غير البيطرية أو في إنتاج المحاصيل وأنظمة الأغذية الزراعية لأغراض غير متعلقة بالصحة النباتية، وضمان تشكيل المضادات الحيوية المدرجة في مجموعة الإتاحة ما لا يقل عن 60% من إجمالي استهلاك المضادات الحيوية لدى البشر بحلول 2030.
وقد تبنت إعلان مسقط على الفور 34 دولة فيما فتح الباب لمدة شهر لبقية الدول للانضمام إلى الإعلان، ومن المتوقع أن يتضاعف العدد سريعًا نظرًا لأهمية الموضوع ووضوح الخطر.
وأساء البشر في العقود الماضية كثيرًا في استخدام أدوية مضادات الميكروبات بما في ذلك المضادات الحيوية الأمر الذي جعل البكتيريا تتحور بشكل كبير وسريع استجابة لاستعمال تلك الأدوية بشكل مفرط وتشكل قدرة على مقاومة العلاجات المضادة للميكروبات.
وتسببت مقاومة مضادات الميكروبات في حدوث وفيات كبيرة في العالم أجمع نتيجة حدوث حالات عدوى لا يمكن علاجها، ما يهدد بعودة البشرية إلى مربع ما قبل اكتشاف المضادات الحيوية الذي اعتبر وقتها، وإلى اليوم، نصرًا بشريًا استثنائيًا، ولا يمكن للبشرية تصور أن تعود إلى مرحلة ما قبل اكتشاف المضادات الحيوية لأن هذا أحد مؤشرات ذهابها إلى الفناء.

