د. صالح بن عبدالله الخمياسي
يُقال إن “العقول الصغيرة تتحدث عن الأشخاص، والمتوسطة تتحدث عن الأحداث، أما العقول العظيمة فتتحدث عن الأفكار”.
وهنا يكمن سر مسابقة فارس الخطابة، حيث تتجلى عظمتها في فكرة نبيلة آثرت أن تغرس بذور التميّز في عقول الناشئة، وتفرش لهم بساط الإبداع ؛ ليحلّقوا بأجنحة البيان، ويجدوا منبراً يصدحون فيه بخطبهم الملهمة، مؤمنين بجمال أحلامهم بين ثناياها .
اختار منظمو المسابقة أن يكونوا رفقاء درب الشباب في شهر رمضان المبارك ؛ ففتحوا لهم مضمار الخطابة بكل اتساعه ؛ ليخوضوا غمار المنافسة، فانبَرى لها ثلاثون فارسًا وفارسة أضاءوا سماء مسقط بهاءً وإبداعًا.
ثلاثة أسابيع من الأمسيات الزاخرة احتضنتها قاعة أكتيف عمان في الجمعية العُمانية للسيارات، حيث تنافس المتسابقون بأفكارهم ومهاراتهم المتمثلة في خطب رنانة صدحت ماثلة جلية عذبة في آذان المستمعين .
تنوّع الفرسان بين شباب في الثامنة عشرة ربيعًا إلى من بلغ الأربعين، فجاءت الخطب حوارًا بين الأجيال ، و تلاقحًا للأفكار، استنطقت قضايا العصر، ولامست هموم الإنسان، وتراوحت بين تجارب شخصية ، و رسائل مقتبسة من حِكَم الآخرين، لكن القاسم المشترك بينهم جميعًا كان الاحتفاء بالتجربة، والتعلم بالممارسة، والتواصل الإنساني بينهم جميعًا إخوة و أخوات .
وقد أضاء أمسيات المسابقة قنديل إعلامي بارع وشاعرٍ فذّ، هو الخليل بن أحمد البراشدي، الذي كانت قيادته للمسابقة رهانًا ناجحًا على التألق والتميّز. استهلالاته الشعرية كانت كأريج الخزامى، تنثر عبيرها في أرجاء القاعة، وصوته العذب ولغة جسده وإحساسه بالكلمة شكّلت ثلاثية فنية أثرت الحضور وألهَمت المتسابقين.
واجه المتسابقون رهبة الوقوف أمام الجمهور، لكنهم تفاعلوا مع التحدي بإصرار وعزيمة. تعاطوا مع فوز الآخرين بروح رياضية راقية، وتشاركوا التجربة كفراشات تنتقل بين الأزهار. تميّزت كل ليلة بقصص وفصول تُروى، ذكريات ستبقى محفورة في الوجدان.
ولا يمكن أن يُذكر هذا الحدث دون الإشادة بالدكتورة مريم البلوشية من جامعة صحار، التي حرصت على دعم طلبتها، فاصطحبتهم من صحار إلى مسقط، ليشارك بعضهم ويشاهد الآخرون، في تجربة أثْرت طموحهم، وزرعت فيهم الشغف نحو التميّز.
أما المحكّمون الأربعة، فقد تمحور دورهم حول الإصغاء العميق، والانتباه الدقيق لتفاصيل الأداء، من نبرة الصوت إلى لغة الجسد. قيّموا بموضوعية، وأمدّوا المتسابقين بالملاحظات البنّاءة، فكانت مشاركتهم عنصراً أساسياً في تمكين الشباب وتطوير مهاراتهم الخطابية.
أما فريق التنظيم، فقد كان مثالاً للالتزام والإبداع. خطّطوا، نسّقوا، أنصتوا، وتفاعلوا مع التحديات، فحوّلوا الفكرة إلى قصة نجاح تُروى. ومع اقترابنا من المرحلة الختامية، لا شك أن المتأهلين بدأوا في إعداد العدّة للظفر بلقب فارس الخطابة.
وفي الختام، لا يسعنا إلا أن نقول: من لا يشكر الناس لا يشكر الله. فكل الشكر والتقدير لفريق مشروع فارس الخطابة، وعلى رأسهم الشيخ إبراهيم الجنيبي، والأخ عبدالهادي الساعدي، والأخت إستبرق المسكري، وجميع أعضاء الفريق فرداً فرداً. والشكر موصول كذلك للمتسابقين، والمحكّمين، والجمهور، والآباء والأمهات، الذين أسهموا جميعًا في نجاح هذه التجربة التعليمية الرائدة.
لقد تعلّم الشباب من هذه التجربة مهارات ثمينة: من كتابة الخطبة، إلى السيطرة على الخوف، ومن التفاعل مع الجمهور، إلى غرس الأمل في النفوس. قدّموا وجبات فكرية ملهمة، وزرعوا فينا بهجة الحياة، بروحٍ مفعمة بالعطاء، متطلعة إلى غدٍ أجمل.
يقول المثل الصيني: “لا تُعطني سمكة، بل علّمني كيف أصطاد”. وهذا ما فعلته مسابقة فارس الخطابة. إنها بذرة غُرست، لتنمو وتزهر وتثمر، وتحمل في طيّاتها حكايات تُروى، وفصولًا تتردد أصداؤها في أرجاء عُمان.
طوبى للغرس
د. صالح الخمياسي
باحث ومدرب وكوتش في القيادة الذاتية

