ينطلق طرحنا للموضوع من جملة المعطيات الَّتي أفصح عَنْها واقع الجريمة والظَّواهر السلبيَّة في مُجتمع سلطنة عُمان وما أشار إِلَيْه مؤخرًا تقرير الادِّعاء العامِّ لعام 2024 من ارتفاع عدد الجرائم الواقعة على الأطفال، حيثُ وصل عدد القضايا المرتبطة بالأطفال إلى (1325) قضيَّة، وأنَّ من أكثر الجرائم الواقعة على الطِّفل لعام 2024 كانتْ جرائم: التحرُّش وهَتْك العِرض بالطِّفل والَّتي بلغتْ (399) حالة؛ بالإضافة إلى قضايا أخرى تتعلق بـ: ممارسة أيِّ شكل من أشكال العنف على الطِّفل: (366) حالة، وتعريض الحدَث للخطر: (174) حالة، والسَّب غير العلني الموَجَّه للطِّفل بما يمسُّ شرفه أو كرامته: (44) حالة. كما أشارتِ الإحصائيَّات لعام 2021 إلى أنَّ الجرائم المخلَّة بالعِرض والأخلاق العامَّة تمثِّل (2.2%) من نسبة الجرائم وفق تصنيف الجرائم حيثُ بلغ عددها (285) جريمةً ومجموع الجناة (799) جانيًا، توزَّعتْ على هَتْك العِرض والشُّروع فيه، وممارسة الدَّعارة، والزِّنا، والفضائح العلنيَّة، والحضِّ على الفجور، ولعب القمار، وحيازة والاتجار بالصوَر والأفلام الخلاعيَّة والإباحيَّة حيثُ شكَّل نسبة العُمانيِّين فيها (2.3%)، بَيْنَما شكَّل فيها الوافدُونَ (6.3%).
ولمَّا كانتْ مهام شُرطة عُمان السُّلطانيَّة تَقُوم على قاعدة عريضة من المسؤوليَّات المتعلقة بحفظ الأمن والنِّظام، ورعاية مصالح المواطنين، وحماية الأرواح والأموال والأعراض، ومنع الجريمة وتعقُّب مرتكبيها والبحث والتحرِّي فيها؛ فإنَّها تجسِّد صورة عمليَّة في ترسيخ الهُوِيَّة الوطنيَّة والحفاظ على القِيَم والأخلاقيَّات والآداب العامَّة في المُجتمع، وتعظيم السَّمْتِ العُماني في السُّلوك الاجتماعي والممارسة المُجتمعيَّة؛ حيثُ تمارس مسألة الرَّقابة على الآداب العامَّة في إطار المنظومة الشُّرطيَّة بعموميَّتها وكأنَّها اختصاص أصيل يرافق كُلَّ وحدات الشُّرطة ذات العلاقة بالمُجتمع وبالنَّاس أو بالجرائم والجنايات والفعاليَّات والمناسبات الوطنيَّة والاجتماعيَّة، فلا يوجد لها تقسيم خاصٌّ في تنظيم جهاز الشُّرطة ووحداته، بل هي جزء من مسؤوليَّة الشُّرطة في إطار المحافظة على النِّظام العام، وجميعها تتعامل مع القضايا المتعلقة بالأخلاق العامَّة والسُّلوكيَّات المخالِفة للآداب العامَّة، وإن كانتِ الأقرب إلى مهام واختصاصات الإدارة العامَّة للتحرِّيات والبحث الجنائي ودَوْرها في حفظ أمن واستقرار المُجتمع والوقاية من الجرائم بمختلف أشكالها، إضافة إلى جهود التَّوعية حَوْلَ جميع الظَّواهر الجرميَّة وكيفيَّة الوقاية مِنْها.
وعَلَيْه، يُمكِن قراءة طبيعة الدَّوْر القادم لهذا التَّقسيم الإداري «شُرطة الآداب» والَّذي سيكُونُ على شكل دائرة أو قِسم يتبع هذه الإدارة أو غيرها من الإدارات والوحدات بحيثُ يكُونُ له قِسم مختص في القيادات الجغرافيَّة ومراكز الشُّرطة المنتشرة بالولايات أو أن تبدأ نواة العمل في محافظة مسقط؛ لكونها من أكثر المحافظات انتشارًا للجرائم أو الجناة، ومن أبرز المهام الَّتي يُمكِن إدراجها ضِمن عمل هذا التَّقسيم نشير إلى الآتي:
- الرَّقابة على السُّلوكيَّات العامَّة من حيثُ مراقبة وضبط الأفعال والسُّلوكيَّات الَّتي تتنافى مع القِيَم الإسلاميَّة والعادات العُمانيَّة، مثل التصرُّفات غير اللائقة في الأماكن العامَّة، ومنع التَّجاوزات الأخلاقيَّة، كالتحرُّش، أو الأفعال الفاضحة، أو اللباس غير المحتشم في الأماكن العامَّة، ومتابعة قضايا التحرُّش الجنسي أو السُّلوك غير اللائق. بالتَّنسيق مع الجهات ذات الصِّلة كوزارة التَّنمية الاجتماعيَّة والادِّعاء العامِّ والمحافظات ووزارة التُّراث والسِّياحة وغيرها.
- مكافحة الجرائم الأخلاقيَّة، من خلال ضبط الجرائم المتعلقة بالآداب العامَّة مثل الدَّعارة، أو الاتجار بالبَشَر لأغراض غير مشروعة، وملاحقة الشَّبكات الَّتي تنشر الفساد الأخلاقي، سواء على أرض الواقع أو عَبْرَ شبكات الإنترنت أو المواقع الترويجيَّة لها عَبْرَ المنصَّات الإلكترونيَّة، أو كذلك الظهور غير اللائق لمستخدمي المنصَّات الاجتماعيَّة والمشاهير، ومتابعة تحليل الابتزاز الإلكتروني عَبْرَ التَّنسيق مع الإدارات والوحدات ذات الصِّلة بالجهاز أو كذلك مع الجهات المعنيَّة بالتقنيَّة والمنصَّات الاجتماعيَّة.
- تعزيز الوعي الجمعي المُجتمعي حَوْلَ قضايا الانحراف والفساد الأخلاقي والظَّواهر الجرميَّة غير الأخلاقيَّة المنتشرة في المُجتمع وبَيْنَ الشَّباب، من خلال تنظيم الحملات التوعويَّة والتثقيفيَّة الَّتي تهدف إلى نشرِ القِيَم والأخلاق العامَّة ورفع درجة التَّوازنات الأخلاقيَّة في السُّلوك المُجتمعي، بالتَّعاون مع مؤسَّسات التَّعليم والإعلام، وبالتَّعاون مع الأُسر وجمعيَّات المرأة العُمانيَّة والجمعيَّات المهنيَّة وغيرها، بالإضافة إلى تنفيذ والإشراف أو اقتراح وتحليل الدِّراسات ذات الصِّلة بهذه الموضوعات وطرحها بأُسلوب علمي في ظلِّ مؤشِّرات الواقع وبالتَّنسيق مع المراكز البحثيَّة في جامعة السُّلطان قابوس والجامعات والكُليَّات الخاصَّة والحكوميَّة التَّابعة لوزارة التَّعليم العالي والبحث العلمي والابتكار وأيضًا الإشراف على بعض المسابقات الَّتي يتمُّ تنفيذها بالتَّنسيق مع وزارة التَّربية والتَّعليمة ووزارة التَّنمية الاجتماعيَّة في مُجتمع الطَّلبة حَوْلَ أهميَّة الالتزام الأخلاقي في وقاية النَّشء من الانحراف الأخلاقي والسُّلوكيَّات الجنسيَّة المشينة.
- ضبط المواد الإعلاميَّة والإعلانات التجاريَّة والترويجيَّة والدعائيَّة المخالفة أو الَّتي تحمل أهداف الإثارة الجنسيَّة في المُجتمع، والدِّعاية للمنتَجات الجنسيَّة الَّتي باتتْ تمثِّل حضورًا واسعًا في محتوى المشاهير في الوصول إلى الترند والشُّهرة/ وبالتَّالي الرَّقابة على المواد الإعلاميَّة (مطبوعة أو رقميَّة) الَّتي تُسيء إلى القِيَم أو تحرِّض على الفساد الأخلاقي، ومكافحة النَّشر الإلكتروني للمحتوى الرّقمي الَّذي يتعارض مع الآداب العامَّة، كالمقاطع أو الصوَر أو الكتُب أو الرِّوايات غير اللائقة بالتَّنسيق مع وزارة الإعلام ووزارة النَّقل والاتِّصالات وتقنيَّة المعلومات وغيرها من الجهات ذات الصِّلة.
- التَّعامل مع التَّجمُّعات المخالِفة الَّتي تُسهم في إثارة الغريزة الجنسيَّة أو الاختلاط المُشين بَيْنَ الجنسين أو دخول الذكور لفعاليَّات الإناث أو غيرها ممَّا باتَ اليوم يظهر حالة من عدم الارتياح وباتتْ تدعو إلى ضرورة إيجاد متنفَّسات أو مولات ومراكز تسوُّق خاصَّة بالنِّساء؛ نظرًا لِما باتَ يُثار من قِبل الشَّباب من تجاوزات وسلوكيَّات باتتْ مشاهدة في المتنزَّهات العامَّة والحدائق والمماشي الرياضيَّة، وبالتَّالي دَوْر هذا التَّقسيم في إدارة التَّجمُّعات أو الفعاليَّات الَّتي قد تتضمن مخالفات أخلاقيَّة أو تُخِلَّ بالآداب العامَّة. أو الَّتي تروّج للاختلاط الفاحش بالتَّنسيق مع المؤسَّسات التَّعليميَّة والإعلاميَّة وإدارة المعارض والفعاليَّات، بالإضافة إلى التَّأكد من التزام الأماكن العامَّة، كالمقاهي والمجمَّعات التجاريَّة، بالقوانين المنظِّمة للسُّلوك العامِّ ومنع بيع الخمور والمسكرات أو تعاطي المخدّرات أو القمار أو غيرها.
من هنا يُصبح طرح هذا الموضوع وإعادة رسم ملامحه وتجسيده عَبْرَ إيجاد تقسيم إداري وتنظيمي بجهاز شُرطة عُمان السُّلطانيَّة ضرورة ملحَّة تُمليها تزايد الحالات النَّاتجة عن التَّجاوزات الأخلاقيَّة، سواء في منصَّات التَّواصُل الاجتماعي وسُلوك مستخدمي هذه المنصَّات واتِّساع ظهور المواقع والبرامج والقنوات الَّتي تشجِّع الرَّذيلة وتعاقرها على الملأ وتشجِّع الشُّذوذ الجنسي بَيْنَ الجنس الواحد أو الجنسين وما نتجَ عَنْها من ظاهرة النسويَّة والصَّداقات الجنسيَّة والظُّهور غير اللائق والجزئي للمرأة عَبْرَ المنصَّات الاجتماعيَّة والصورة السلبيَّة الَّتي يقدِّمها الزَّوجان ـ والعياذ بالله ـ من أجْلِ الشُّهرة، بحيثُ ينطلق هذا التَّقسيم في عمله من مسارات واضحة وموجهات حاكمة ومؤشِّرات ومرتكزات يعمل على تحقيقها، ويتَّسع دَوْرها ـ الدَّائرة/ القِسم لِتشملَ بالإضافة إلى عمليَّات التقصِّي والرَّصد وتتبُّع مثل هذه الحالات إلى تنفيذ الدِّراسات التشخيصيَّة، وتقديم التَّقارير الدَّوْريَّة الَّتي ستثري هذه الموضوع وتسدُّ النَّقص الحاصل في البيانات والمعلومات، بالإضافة إلى ما تَقُوم به في ظلِّ الأدوات المبتكرة والآليَّات من استطلاعات الرَّأي والمسوحات الَّتي يتمُّ فيها استكشاف مستوى انتشار هذه الظَّواهر والأسباب الَّتي تقف وراء ظاهرة اللواط والشُّذوذ الجنسي والتشبُّه بالنِّساء، ودَوْر الأُسرة في التَّعاون من أجْلِ الحدِّ من انتشار هذه الظَّواهر، بالإضافة إلى تَبنِّي البرامج التوعويَّة والتثقيفيَّة الموجَّهة للشَّباب والصغار والأطفال وبرامج تَقُوم بتنفيذها لطلبة المدارس والجامعات وغيرها.
أخيرًا، فإنَّ المنظومات التشريعيَّة ممثَّلة في النِّظام الأساسي للدَّولة وجملة التَّشريعات والقوانين ذات الصِّلة، ومِنْها قانون الجزاء وقانون الجرائم الإلكترونيَّة باتتْ تحتوي على الكثير من الأحكام والضَّوابط الَّتي تمنع الممارسات غير المسؤولة المتعلقة بالعِرض والأخلاق والقِيَم والآداب العامَّة، بالإضافة إلى ما أشار إِلَيْه الادِّعاء العامُّ من فِرق العمل المُشكَّلة لرصدِ ومتابعة ومكافحة ظاهرة التشبُّه بالنِّساء بَيْنَ الذكور؛ باتَ يشكِّل فرصة نَحْوَ البحث عن إيجاد «شُرطة الآداب» تعمل على تعزيز التَّشريعات والقوانين والآليَّات والأدوات ذات الصِّلة بالمكوِّن الأخلاقي والقِيَمي، وتُعِيد توجيه الاهتمام بشكلٍ أكبر لهذا الموضوع بامتلاكها الأدوات والآليَّات والممكنات والبرامج الَّتي تساعدها على رصدِ وتعقُّب أيِّ ممارسات خارجة عن إطار الذَّوق والآداب العامَّة وخصوصيَّة مُجتمع سلطنة عُمان، فإنَّها دعوة للقيادة العامَّة لشُرطة عُمان السُّلطانيَّة وعلى رأسها معالي الفريق المفتِّش العامِّ للشُّرطة والجمارك الموقَّر في تلمُّس هذا الأمْر وإعادة رسمِ ملامحه وتوجيه جهات الاختصاص في تقديم تفاصيل أكبر تُعزِّز من حوكمة هذا الملف وتضمينه في هيكليَّة جهاز الشُّرطة.
د.رجب بن علي العويسي

