في اللحظة التي تشرع فيها عيناك بقراءة هذه السطور، يكون قد مضى جزء من عمرك إلى غير رجعة، الوقت ذلك الساحر الصامت الذي لا يرحم، ينساب بين أصابعنا كالرمال الذهبية في الساعة الرملية الكونية، إنه الحاكم الأعلى الذي لا يعرف المحاباة، القوة الوحيدة التي تساوي بين الملوك والفلاحين، الأغنياء والفقراء. منذ فجر التاريخ وحتى عصر الذكاء الاصطناعي، ظل الوقت هو المعيار الحقيقي الذي يقاس به نجاح الأمم وازدهار الحضارات. إنه المورد الوحيد الذي لا يمكن تعويضه، الكنز الذي لا يقدر بثمن، الرصيد الذي يحدد الفارق بين حياة عابرة وحياة خالدة في سجل الإنسانية.
الوقت في جوهره هو المساحة التي تمنح للإنسان ليكتب عليها سيرته الذاتية قبل أن يغادر هذه الدنيا. كل لحظة تمثل فرصة ذهبية لا تعوض، كل ساعة هي معمل يمكن أن ينتج فيه المجد أو يضيع فيه العمر، ولو تأملنا حياة العظماء والأقدمين الذين غيروا مسار التاريخ، لوجدنا أن سر تميزهم لم يكن سوى فهمهم العميق لقيمة الوقت، ليوناردو دافنشي كان ينهض قبل الفجر ليرسم، أينشتاين كان يدقق كل دقيقة من يومه، ستيف جوبز كان يعتبر الوقت أثمن من المال نفسه.
أما في عصرنا الحالي، حيث تتصارع الملهيات وتتناسل المشتتات، أصبحت إدارة الوقت أشبه بفن البقاء في محيط هائج، لكن الدراسات الحديثة تشير إلى أن الإنسان المعاصر يخسر ما معدله 3 ساعات يوميًا في أنشطة لا تضيف أي قيمة لحياته، هذه الساعات الضائعة، لو أحسن استثمارها، يمكن أن تصنع منها حياة أخرى كاملة خلال عقد من الزمن. الوقت كالسيف، إن لم تقطعه قطعك، هذه الحكمة القديمة تكتسب أبعادًا جديدة في عصر السرعة الرقمية.
وعلى المستوى الفزيولوجي، يخبرنا علم الأعصاب أن الدماغ البشري يعمل بدورات زمنية دقيقة، هناك ما يعرف بالساعة البيولوجية التي تنظم كل وظائفنا الحيوية، من النوم إلى اليقظة، من الجوع إلى الشبع. عندما نتعلم الانسجام مع هذه الإيقاعات الزمنية الداخلية، نستطيع أن نستخرج من أنفسنا أفضل ما لديها. العباقرة عبر التاريخ فهموا هذه الحقيقة فكانوا يخصصون أوقات الذروة الذهنية لأهم أعمالهم.
وفي المجتمعات المتقدمة، أصبح الوقت معيارًا للنجاح الاجتماعي. الدول التي تحترم المواعيد وتنظم ساعات العمل هي التي تتصدر مؤشرات التقدم. اليابان وسويسرا وسنغافورة لم تصل إلى ما هي عليه اليوم إلا بفهم عميق لقيمة الدقة الزمنية. في المقابل، نجد أن المجتمعات التي تستهين بالوقت تتخلف عن ركب الحضارة، لأن الوقت في النهاية هو المادة الخام التي تصنع منها الإنجازات.
إلا أن العلاقات الإنسانية العميقة تبنى بلحظات الحضور الكامل، عندما نمنح الآخرين انتباهنا غير المقسم. في عصر التشتت الرقمي، أصبح “الوقت النوعي” هو أثمن هدية يمكن أن نقدمها لمن نحب، الأبناء يحتاجون إلى وقت آبائهم أكثر من حاجتهم إلى ألعابهم، الأزواج يحتاجون إلى لحظات الحوار الصادق أكثر من الهدايا الفاخرة، الأصدقاء الحقيقيون يقدرون دقائق اللقاء أكثر من رسائل الوسائط المتعددة.
وقد أولى القرآن الكريم عناية فائقة بموضوع الوقت، حيث جاءت الإشارات الزمنية في كتاب الله تعالى لتكون منارات هادية ومواعظ بليغة. يقول تعالى في سورة العصر: “وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ”. هذه السورة العظيمة التي تعد بحق دستورًا زمنيًا للإنسان المؤمن، تقسم الله تعالى بالعصر (الزمن) ليلفت أنظارنا إلى عظم هذه النعمة وخطورة إضاعتها. إنه قسم عظيم يدل على أهمية الوقت في حياة الإنسان، حيث جعله الله ميدان الاختبار الحقيقي للإيمان والعمل الصالح.
ويأتي التأكيد القرآني على قيمة الوقت في سياقات متعددة، منها قوله تعالى: “وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا” (الفرقان:62). هذه الآية الكريمة تفتح الباب واسعًا لفهم الفلسفة القرآنية للوقت، حيث جعل الله تعاقب الليل والنهار آية للناظرين وفرصة للعاملين. الوقت في المفهوم القرآني ليس مجرد ساعات تمر، بل هو رأس مال الإنسان الذي سيحاسب عليه يوم القيامة، كما جاء في الحديث القدسي: “لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه…”
ومن أعظم الصور القرآنية التي تؤكد قيمة الوقت، تلك الآيات التي تقرن الأعمار بالعمل النافع، كقوله تعالى: “فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب” (الشرح:7-8). هذا التوجيه الإلهي يضع الأساس لفلسفة استثمار الوقت في القرآن، حيث لا مكان للفراغ أو الكسل في حياة المؤمن. حتى لحظات “الفراغ” يجب أن تملأ بالعمل الصالح والجد والنشاط.
ويحذرنا القرآن الكريم من غفلة تضييع الأوقات في سورة المنافقون: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ”. هذه الآية تضع يدها على أحد أهم أمراض العصر الحديث: انشغال الإنسان بالزخارف الدنيوية عن الغاية الحقيقية من وجوده.
إن المتأمل في القرآن الكريم يجد أن الله تبارك وتعالى أقسم بأجزاء من الوقت في مواضع كثيرة، كقسمه بالضحى والليل إذا سجى والفجر وليال عشر. هذه الأقسام الإلهية ليست إلا تنبيهًا لأهمية هذه الأوقات وقيمتها في حياة الإنسان. فإذا كان الله -عز وجل- يقسم بأجزاء من الزمن، أفلا يدل ذلك على عظم شأنه وخطورة إهماله؟
أما الوقت في الميزان القرآني هو الحياة الحقيقية، وهو رأس مال الإنسان الذي إن أساء استثماره خسر الدنيا والآخرة. وقد جاء في الأثر: “اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك”. هذا هو التصور القرآني للوقت: وعي دائم، ومسؤولية كبرى، ومحاسبة مستمرة، قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة.
وعلى الصعيد الوجودي، يطرح الوقت أسئلة فلسفية عميقة: لماذا نعيش؟ وما الهدف من وجودنا المؤقت في هذا الكون؟ الأديان والحكماء أجمعوا على أن الحياة الدنيا هي مجرد محطة عابرة، وأن الوقت هو الاختبار الحقيقي للإنسان. هذا الوعي بالزمن ليس هدفه إثارة القلق، بل تحفيزنا لاستثمار وقتنا في ما هو جوهري وحقيقي. عندما ندرك أن وقتنا محدود، نبدأ في التمييز بين ما يضيف معنى لحياتنا وما يسرقها دون مقابل.
في النهاية، الوقت هو الحياة نفسها مجسدة في دقات قلب، في حركة عقارب، في تقلب الأيام، إنه الهدية الوحيدة التي وهبها الله لنا بالتساوي، وما نفعله بهذه الهدية هو ما يحدد مصيرنا. الوقت كالنهر الجاري، يمكننا أن نركبه ليحملنا إلى بحار المجد، أو نتركه يمر بلا فائدة. كل لحظة تمثل صفحة بيضاء في كتاب حياتنا، إما أن نملأها بأحرف من نور تخلد في سجل الأجيال، أو نتركها فارغة فتمحوها رياح النسيان. تذكر دائمًا أن الموت هو الموعد الوحيد المؤكد في حياتنا، وما يسبقه هو الفرصة الذهبية لصنع الفارق.
فهل نستثمر وقتنا كأننا سنعيش للأبد، أم نعيش كل يوم كأنه آخر أيامنا؟ الجواب عند كل منا، وسيظل الوقت هو الشاهد والحكم العادل.
عبد العزيز بدر عبد الله القطان
كاتب ومفكر – الكويت.
