مع بدء استعدادات العودة إلى المدارس، تتجه أنظار الكثير من الأُسر نَحْوَ المولات ومراكز التسوّق والأسواق لشراء مستلزمات الطلبة الدراسيَّة، ومع التوقعات بارتفاع أسعار المستلزمات المدرسيَّة عن المعتاد، وكما يشير إِلَيْه البعض في كونه أمرًا طبيعيًّا، وأنَّ الجهات المعنيَّة حريصة على أن تكُونَ الأسعار في متناول اليد، يأتي طرحنا للموضوع بهدف تبنِّي سياسة أُسريَّة واضحة في إدارة الثقافة الاستهلاكيَّة للمستلزمات المدرسيَّة، بحيثُ يكُونُ لها حضورها النوعي في فِقه الأُسرة وثقافة الأبناء.
إنَّ ما يشار إِلَيْه اليوم من مخاوف في أن يضيفَ هذا البند إلى الميزانيَّة الأُسريَّة عبئًا آخر وفصلًا جديدًا تضاف إلى فصول الأعباء والتراكمات الكبيرة الَّتي باتتْ تُرهق جيب وليّ الأمر وتضغط على ميزانيَّة الأُسرة، وما يثار على ألسنة مروِّجي الدعاية والإعلانات أو مستخدمي منصَّات التواصل الاجتماعي والعلاقة بَيْنَ ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة والظروف الاقتصاديَّة الَّتي تعيشها أكثر الأُسر عامَّة، والأُسر المعسرة والأُسر الَّتي تم تسريح عائلها من العمل، يَجِبُ أن تصحح هذه الصورة، وأن يعاد قراءتها في إطار الأُسرة، بحيثُ يثبت السلوك الأُسري المعتدل في التعامل مع المستلزمات المدرسيَّة أنَّه قادر على تخطِّي هذه الهواجس والتعامل مع هذه المنغصات الَّتي باتت تثار عَبْرَ هذه المنصَّات، وتشخص نتائجها في إطار وطني واجتماعي تفاعلي يعظِّم من قِيَم التكافل والرحمة، وأن لا يساء استخدامها في أغراض أخرى لا علاقة لها بالمسار التعليمي.
وفي هذا الشأن وتلافيًا لهذه الإسقاطات والتكهنات الَّتي تتجه بالموضوع في غير مساره، نؤكد على أمرين أولهما دَوْر الجهات الرقابيَّة على الأسواق والمراكز بالرقابة على أسعار المستلزمات المدرسيَّة ووضع سقف واضح يتم خلاله تحديد أسعار المستلزمات المدرسيَّة في كُلِّ المولات ومراكز التسوق وغيرها، سواء في محافظة مسقط أو خارجها فإن من شأن ضبط الأسعار وتوجيه هذه المولات والمراكز إلى تثبيت أسعار هذه المستلزمات سوف يضمن التوسعة على المواطن في شرائه مستلزمات المدارس لأبنائه، وستنتفي هواجس ارتفاع الأسعار أو عدم قدرة ولي الأمر على الشراء لأبنائه مستلزمات الدراسة، خصوصًا الحقائب والدفاتر والملابس والأدوات التكميليَّة الأخرى، وأن تقوم الجهات المختصة بواجبها في معاقبة أيِّ مؤسَّسة تجاريَّة لا تطبق الشروط أو لا تلتزم بالأسعار المحدَّدة، وفي هذا الشأن على المولات ومراكز التسوق وغيرها أن تنتهج إطارًا تسويقيًّا متوازنًا في توقير الحقيبة المدرسيَّة بكُلِّ مستلزماتها مع ضرورة التزام الجودة في هذه المستلزمات بحيثُ يتم بيع كُلِّ حقيبة مستلزماتها الَّتي أقرَّتها وزارة التَّربية والتَّعليم وهو خيار آخر يتيح للأُسر المعسرة أو محدودة الدخل أو غيرها في الحصول على المستلزمات الدراسيَّة لأبنائها بكُلِّ يُسر وسهولة مع وجود التخفيضات بالجملة عَلَيْها بأقل من سعر السوق أو كذلك أيضًا بالمفردة الواحدة، بالإضافة إلى الحقيبة المدرسيَّة، طقم الملابس والأحذيَّة وغطاء الرأس وغيرها من المستلزمات الضروريَّة بحسب ما هو معتمد من وزارة التَّربية والتَّعليم في هذا الشأن. فإنَّ من شأن ذلك التوسيع في الخيارات والتنوع في البدائل، وتصحيح أيِّ فكرة يتم ترويجها بأنَّ أُسرة من الأُسر لا يمتلك أبناؤها مستلزماتهم الدراسيَّة أو أنَّ ظروف ولي الأمر ورب الأُسرة الاقتصاديَّة لم تمكنْه من شراء المستلزمات لأبنائه، أمَّا الأمر الآخر في الموضوع فيرتبط بتنشيط دَوْر المؤسَّسات الوقفيَّة والخيريَّة ومؤسَّسات العمل الاجتماعي الخيري في حصر الأُسر المعسرة الَّتي لا يُمكِنها شراء هذه المستلزمات لأبنائها في مختلف ولايات سلطنة عُمان لتقوم بدَوْرها الفاعل بالتنسيق مع الجهات المختصة والمدارس في توفير هذه الحقائب وتسليمها للطلبة مع بداية العام الدراسي وإعلام الأُسر الَّتي يتم توفير الحقائب الدراسيَّة لأبنائها بأنَّ المدارس ستوفِّر هذه المستلزمات، مع إضفاء صفة الخصوصيَّة واحترام الذوق والمشاعر الأُسريَّة بعدم إشعار هذا الأمر في المنصَّات الاجتماعيَّة أو التعامل معه بعموميَّة وبدون توجيه الأنظار إلى أشخاص معيَّنين أو طلبة محدَّدين أو أُسر مستهدفة، حتَّى لا يترتب عَلَيْها أيّ سلوك شائن بالنظر إلى الظروف الاقتصاديَّة الَّتي تعيشها بعض الأُسر؛ فإنَّ الكثير من حالات التنمُّر في المدارس وسلوك العدائيَّة الَّتي تمارس ضدَّ بعض الطلبة إنَّما هي نتاج للصورة الذهنيَّة الَّتي علقت بذهن بالطالب أو زملائه حَوْلَ ظروف الطالب المعيشيَّة واحتياجه للمعونة.
وبالتالي ما يعنيه ذلك من أنَّ المدارس تؤدي دَوْرًا محوريًّا في تقنين مسألة الاستهلاك الأُسري وضبطه وتشجيع الأُسرة على اختيار الضرورات لأبنائها، وهو أمر يَجِبُ أن يبدأ من المدرسة في حوارها مع الأبناء قبل نهاية العام الدراسي وقبل بدء شراء المستلزمات المدرسيَّة، فإنَّ الصورة الَّتي تقدمها المدارس للطلبة حَوْلَ احتياجاتهم من المستلزمات سوف يقلل من مستوى الضغط على الأُسرة، ذلك أنَّ الشراء سيكُونُ مبنيًّا على الاحتياج، وأنَّ هناك جملة من المعايير والاشتراطات الَّتي باتت تصنع من هذه المستلزمات قِيمة مضافة في حقيبة الطالب الدراسيَّة فالمسألة ليست مجرَّد تكدُّس كتُب وحمْل أقلام ودفاتر، بل صورة نوعيَّة من التفاعل الحاصل بَيْنَ هذه المكوِّنات والاستفادة القصوى من هذه المستلزمات وإعادة إنتاجها في السلوك اليومي عَبْرَ توظيفها التوظيف الأمثل الَّذي يقلل من حجم الحقيبة المدرسيَّة الَّتي باتت تشكِّل ثقلًا جسديًّا على الطالب وبخاصَّة لطلبة الحلقة الأولى من التعليم الأساسي، ومن جهة أخرى يَجِبُ أن تفعّل المدرسة البرنامج الدراسي اليومي وتقنع الطلبة بذلك بحيثُ لا يكُونُ في الحقيبة الدراسيَّة إلَّا المواد الَّتي يأخذها الطالب في ذلك اليوم فقط. إنَّ الأُسرة تواجه الكثير من التصادمات مع أبنائها بشأن الإبقاء على بعض الكتب والدفاتر في المنزل وعدم أخذها إلى المدرسة وهو أمر يَجِبُ أن يقوم على رعايته أعضاء الهيئات التعليميَّة بالمدارس.
ومن جهة أخرى فإنَّ ضبط المسار الاستهلاكي للمستلزمات المدرسيَّة يستدعي رفع درجة الحوار الأُسري وتعظيم قِيمة التخطيط والتنظيم والضبطيَّة في الاختيار لدى الأبناء وتأسيس روح المسؤوليَّة في اختياراتهم والاقتناع بما تعيشه الأُسرة من ظروف، وهو أمر يَجِبُ أن يتم قَبل الذهاب إلى المولات ومراكز التسوق، وليس بشرط أن يذهب كُلُّ الأبناء لشراء المستلزمات المدرسيَّة، بل يتم اختبار ممثل أو اثنين من الذكور ومن الإناث وفْقَ الشروط والالتزامات الَّتي تم الاتفاق عَلَيْها وتتم تلبية احتياجات ومتطلبات كُلِّ واحد مِنْهم من هذه المستلزمات، في إطار الاتفاق الأُسري مع مراعاة العدالة والنوعيَّة والذَّوق في طريقة الاختيار وهو أمر يَجِبُ أن يكُونَ حاضرًا في كُلِّ أُسرة معَبِّرًا عن صدق الشعور الجمعي بذلك؛ فإنَّ بناء هذه الثقافة الاستهلاكيَّة وتعظيم قِيمة الاختيار وفْقَ الاحتياج سوف يضمن التقليل من شراء المستلزمات غير الضروريَّة، والحدّ من التكراريَّة في الشراء، بمعنى في حالة شراء الأقلام والدفاتر يتم شراؤها بسعر الجملة ثم يتم توزيعها بَيْنَ الأبناء لاحقًا ويتم ادخار ما تبقَّى مِنْها لاستخدامه عِندَ الحاجة، فإنَّ مزيدًا من التخطيط والتنظيم والضبطيَّة واستشعار الوعي الجمعي وإدخال الأبناء جميعهم في عمليَّة الاختيار والمشاركة ومنحهم حقَّ الاختيار، سوف يلغي الكثير من الممارسات غير المنضبطة الَّتي قد تظهر في أثناء الشراء أو عمليَّة التسوق وما يحصل من رفع الصوت وعدم الاتفاق أو بكاء بعض الأطفال وعدم رضاه عن الاختيار ورغبته في اختيار نموذج آخر.
أخيرًا، يبقى ضبط المشهد الاستهلاكي بيد الأُسرة؛ هي مَن تقرر كيف يكُونُ، وهي مَن تختار التوقيت المناسب، كما تضع سقفًا نهائيًّا لعمليَّة الشراء، وتعويد الأبناء على هذا السلوك وتعظيم حضوره لديهم سوف يضمن مزيدًا من الحكمة والمهنيَّة في الاختيار، ويعزز من روح المحبَّة والرضا بَيْنَ الأبناء والشكر على النعمة ويصبغ حياة الأبناء مع بداية العام الدراسي بمزيدٍ من الفرح والغبطة والسرور، لذلك نعتقد أنَّ الممارسة الأُسريَّة وكفاءتها وجودتها واحتواءها وتذليلها للعقبات ووقوفها عِندَ احتياجات الأبناء سوف تقدم صورة ذهنيَّة راقية للأبناء في مسيرتهم الدراسيَّة القادمة وتمنحهم الكثير من الثِّقة والصراحة والشفافيَّة والإفصاح مع أُسرتهم، كما تتيح لهم فرص التفكير في البدائل والخيارات الَّتي تكُونُ في المستوى المقبول وفي متناول يد الأُسرة، فإنَّ الإشكاليَّة الحاصلة في المستلزمات المدرسيَّة أساسها عِندَما يختلف الأبناء في اختياراتهم وتتزايد التوقعات بدون حاجة، وتغيب المشتركات في الاختيار، والَّتي يُمكِن لوجودها أن يثمر في التقليل من هاجس ارتفاع الأسعار.
د. رجب بن علي العويسي

