يشكل تنظيم الاستيراد والتصدير أحد الركائز الأساسية للاقتصاد الكويتي، ليس فقط بوصفه نشاطًا تجاريًا، بل كعنصر استراتيجي يلامس الأمن القومي والسيادة الاقتصادية للدولة. وفي ظل الانفتاح الاقتصادي وتزايد الاعتماد على التجارة الخارجية، حرص المشرّع الكويتي على وضع إطار قانوني وتنظيمي يضمن انسيابية العمليات التجارية عبر الحدود، مع الحفاظ على الأمن الاقتصادي والاجتماعي للدولة.
ينظم قانون التجارة الكويتي، إلى جانب القوانين الجمركية والتعليمات الوزارية، العملية التجارية المتعلقة بالاستيراد والتصدير وفق معايير دقيقة، تبدأ بتحديد من يحق له ممارسة هذا النشاط. فلا يُسمح لأي جهة أو فرد باستيراد أو تصدير السلع ما لم يكن مسجلًا لدى وزارة التجارة والصناعة، ومقيدًا في السجل التجاري، مع شرط الحصول على ترخيص استيراد أو تصدير ساري المفعول. هذا التقييد يهدف إلى ضبط السوق، ومنع تسلل ممارسات غير قانونية كالتلاعب بالفواتير أو التهريب أو إدخال منتجات غير مطابقة للمواصفات القياسية المعتمدة.
وبموجب القوانين الكويتية، لا يجوز لغير المواطنين أو الشركات الكويتية التي يملك فيها الكويتيون نسبة لا تقل عن 51% من رأس المال، مزاولة نشاط الاستيراد والتصدير، ما لم تكن هناك اتفاقيات خاصة أو قوانين تسمح بذلك وفقًا لحالات استثنائية، بما في ذلك الشركات الأجنبية المسجلة ضمن المناطق الحرة أو الخاضعة لاتفاقيات استثمار ثنائية.
تتطلب كل عملية استيراد إعداد ملف متكامل من الوثائق الرسمية، أهمها: الفاتورة التجارية، شهادة المنشأ، قائمة التعبئة، بوليصة الشحن، وأي شهادات أخرى ذات صلة كالتحاليل المخبرية أو الشهادات الصحية أو البيئية، تبعًا لطبيعة البضائع. ويشترط أن تكون هذه الوثائق مصدقة من الجهات الرسمية في بلد المنشأ، ثم من سفارة الكويت هناك، لضمان صحة البيانات وسلامة الإجراءات.
وفيما يخص الرسوم الجمركية، يطبق النظام الكويتي تعرفة موحدة بنسبة 5% على معظم البضائع المستوردة، وفقًا للاتفاقية الاقتصادية الخليجية. إلا أن بعض المواد تخضع لإعفاءات أو رسوم أعلى، مثل منتجات التبغ التي قد تصل رسومها إلى 100%، والمواد الغذائية الأساسية التي غالبًا ما تُعفى، دعمًا للمواطن والمستهلك. كما تخضع بعض السلع لنظام الحصص أو القيود الكمية، بحسب ما تراه الجهات المختصة محققًا للمصلحة العامة.
أما من حيث المواصفات والمقاييس، فإن الهيئة العامة للصناعة تشترط على جميع المنتجات المستوردة مطابقتها للمواصفات الكويتية أو الخليجية المعتمدة، ويمنع إدخال أي سلعة ما لم تكن حاصلة على شهادة مطابقة صادرة من جهة معتمدة، وقد تُجرى فحوصات على عينات من الشحنات في الموانئ. كما أن السلع الغذائية يجب أن تحمل بيانات دقيقة باللغة العربية، تشمل المكونات، وتاريخ الإنتاج والانتهاء، وبلد المنشأ. وفي حالة اللحوم، تشترط الكويت الحصول على شهادة ذبح حلال صادرة من جهة دينية موثوقة، ومصدقة من وزارة الخارجية وسفارة الكويت في الدولة المصدّرة.
تولي الدولة الكويتية عناية فائقة لما يُعرف بالسلع المحظورة أو المقيدة، وتشمل هذه قائمة طويلة من المواد الممنوعة قانونًا، مثل الخمور، ومنتجات لحم الخنزير، والمواد الإباحية، وأجهزة القمار، والأسلحة والمتفجرات، والمطبوعات التي تتعارض مع النظام العام أو القيم الإسلامية. وتُشدد السلطات على أن إدخال أي من هذه السلع، حتى ولو كانت بكميات ضئيلة، يعرّض الفاعل للمساءلة القانونية والمصادرة والغرامات وربما السجن.
كما تفرض القوانين تراخيص خاصة على استيراد أو تصدير بعض المواد، مثل الأدوية والمستلزمات الطبية، المواد الكيميائية، الأجهزة اللاسلكية، وغيرها من المنتجات التي تتطلب موافقات مسبقة من وزارات أو جهات حكومية محددة، مثل وزارة الصحة، أو وزارة الداخلية، أو الهيئة العامة للبيئة.
ومن جانب آخر، تخضع الصادرات أيضًا لضوابط تنظيمية، خاصة فيما يتعلق بحماية الأمن الغذائي الوطني أو الحفاظ على الموارد الطبيعية. وتُلزم الشركات المصدّرة بالتصريح عن السلع المُراد تصديرها وتقديم الوثائق اللازمة، إلى جانب مراعاة الاتفاقيات الدولية التي ترتبط بها الكويت، مثل اتفاقيات التجارة الحرة أو المعاهدات البيئية.
المثير للاهتمام في المنظومة الكويتية أنها لا تركز فقط على حماية الأسواق من السلع الضارة أو المزورة، بل تمتد أيضًا إلى تعزيز بيئة تنافسية عادلة بين التجار المحليين والمستوردين، وضمان عدالة الضرائب والرسوم، وتبسيط الإجراءات عبر منظومة النافذة الواحدة، ما يجعل الكويت بيئة جاذبة للاستثمار، رغم ما تفرضه من صرامة تنظيمية.
وفي ضوء التطورات التقنية والرقمية، اتجهت الجهات المعنية في الكويت إلى أتمتة معظم إجراءات الاستيراد والتصدير، بما في ذلك التصاريح الجمركية، والتسجيل التجاري، ومتابعة الشحنات إلكترونيًا، ما ساعد في تسريع العملية وتقليل الأخطاء والفساد البيروقراطي.
إن الإطار القانوني الكويتي في هذا المجال لا ينفصل عن رؤية الدولة في التحول إلى مركز تجاري إقليمي، ما يتطلب بيئة تنظيمية تحمي المستهلك، وتدعم المنتج الوطني، وتمنح المستثمر الأجنبي الثقة والوضوح. وهذا ما يفسر حرص الدولة على تطوير تشريعاتها التجارية والجمركية باستمرار، لتتماشى مع المستجدات الدولية، وتحقيق التوازن الدقيق بين الانفتاح والسيادة الاقتصادية.
عبدالعزيز بدر عبدالله القطان
مستشار قانوني – الكويت

