تُعد الرقابة القضائية على أعمال الإدارة إحدى الركائز الجوهرية في الدولة القانونية، حيث يقوم القضاء الإداري بدور أساسي في تحقيق التوازن بين السلطة التنفيذية وحقوق الأفراد، بما يحول دون انحراف الإدارة في استخدام سلطاتها ويضمن خضوعها لمبدأ المشروعية. وقد أخذ الدستور الكويتي بمبدأ الفصل بين السلطات مع التعاون فيما بينها، إلا أن هذا التعاون لا يعني إطلاق يد الإدارة دون رقابة، وإنما يقتضي أن تبقى أعمالها مقيدة بالشرعية، وأن يملك القضاء سلطة الرقابة الفاعلة التي تكفل حماية الحقوق والحريات.
لقد أكد الدستور الكويتي في المادة 50 على الفصل بين السلطات الثلاث، واعتبر أن كل سلطة تمارس اختصاصاتها في حدود الدستور، مما يعني أن الإدارة ليست بمنأى عن الرقابة، وأن القضاء هو المرجع الذي يحتكم إليه الأفراد كلما تجاوزت الإدارة حدود القانون. كما نصت المادة 30 من الدستور على أن الحرية الشخصية مكفولة، والمادة 31 على أنه لا يجوز القبض على إنسان أو حبسه أو تفتيشه أو تحديد إقامته أو تقييد حريته إلا وفق أحكام القانون. هذه النصوص تبرز الطبيعة الدستورية للرقابة القضائية على أعمال الإدارة باعتبارها الضمانة الأساسية لحماية الحريات العامة من أي تعسف إداري.
وفي الفقه الإداري، جرى التأكيد على أن الرقابة القضائية هي الوسيلة الفعالة لتطبيق مبدأ المشروعية، حيث يظل العمل الإداري خاضعاً للرقابة القضائية من حيث الاختصاص والشكل والسبب والمحل والغاية، وهي الأركان التي استقر عليها القضاء الإداري. كما أن القضاء الكويتي، في العديد من أحكامه، قد أكد أن الإدارة ليست في مركز أسمى من الأفراد، وأن سلطتها مقيدة بحكم القانون، بما يعني أن أي قرار إداري يفتقر إلى ركن من أركانه الجوهرية يكون باطلاً ويستوجب الإلغاء.
ومن أهم الضمانات التي وفرها النظام القضائي الكويتي مبدأ استقلال القضاء، حيث نصت المادة 162 من الدستور على أن شرف القضاء ونزاهة القضاة وعدلهم أساس الملك، والمادة 163 على أن لا سلطان لأي جهة على القاضي في قضائه. هذا الاستقلال يمثل أساساً حقيقياً لفعالية الرقابة القضائية على أعمال الإدارة، إذ لا معنى لرقابة قضائية ما لم تكن مستقلة عن السلطة التنفيذية وخالية من أي تأثير سياسي أو إداري.
أما عن حدود الرقابة، فهي تنحصر في نطاق التمييز بين ما يدخل ضمن سلطة التقدير الإداري وبين ما يعد خاضعاً للرقابة القانونية. فالقضاء لا يحل محل الإدارة في تقدير الملاءمة، لكنه يتدخل لضمان أن تكون قرارات الإدارة متفقة مع القانون وغير مشوبة بإساءة استعمال السلطة أو الانحراف بها. وقد قضت محكمة التمييز الكويتية في أحد أحكامها بأن رقابة القضاء على القرارات الإدارية تشمل التحقق من مدى مشروعية القرار والتأكد من قيامه على سبب صحيح يبرره، وعدم استهدافه غاية غير مشروعة.
ومن الشواهد القوية في هذا السياق أن القضاء الكويتي قد استقر على أن الإدارة تلتزم بمبدأ المساواة أمام القانون، وأن أي قرار إداري ينطوي على تمييز غير مبرر يعد مشوباً بعيب الانحراف بالسلطة. كذلك، اعتبرت أحكام المحاكم أن القرارات الإدارية يجب أن تستند إلى أسباب واقعية صحيحة، وأن القرار الذي يقوم على سبب غير موجود أو غير صحيح يكون معدوماً. هذه المبادئ القانونية تعكس حدود الرقابة القضائية وضماناتها في الوقت ذاته، حيث تكفل أن تظل الإدارة ضمن إطار الشرعية دون أن تعطل دورها في إدارة المرافق العامة.
ولا يغيب عن الدراسة المقارنة أن القضاء الإداري في فرنسا، بوصفه المرجع التاريخي، قد رسم خطاً فاصلاً بين رقابة المشروعية ورقابة الملاءمة، وهي الفكرة التي تأثر بها القضاء الكويتي وأخذ بها في كثير من أحكامه، بما يجسد الانفتاح على الفقه المقارن واستلهام تجارب الدول الأخرى مع مراعاة خصوصية النظام الدستوري الكويتي.
بالتالي إن ضمانات الرقابة القضائية لا تقف عند حد الإلغاء كجزاء على عدم المشروعية، وإنما تمتد إلى التعويض عن الأضرار الناجمة عن القرارات الإدارية غير المشروعة، حيث أرست المحاكم الكويتية مبدأ مسؤولية الدولة عن أعمالها غير المشروعة وفقاً للقواعد العامة في المسؤولية المدنية، مما يكرس فكرة أن الأفراد ليسوا فقط محميين من القرارات الباطلة، بل لهم أيضاً الحق في جبر الضرر الذي قد يصيبهم منها.
كما أن القضاء الكويتي قد أكد في أحكامه أن الحق في التقاضي حق مكفول للجميع وفقاً للمادة 166 من الدستور، وأن أي قيد على هذا الحق يعد باطلاً. ومن ثم، فإن تمكين الأفراد من اللجوء إلى القضاء للطعن في أعمال الإدارة يعد ضمانة أساسية في حد ذاته، إذ لا معنى للرقابة ما لم تكن هناك إمكانية واقعية وفعالة للوصول إليها.
وتأسيساً على ما سبق، يمكن القول إن الرقابة القضائية على أعمال الإدارة في الكويت تمثل أحد أبرز تجليات الدولة الدستورية، فهي الرقابة التي تمنع التعسف وتحمي الحريات وتكفل احترام سيادة القانون. إلا أن هذه الرقابة، رغم أهميتها، لها حدود موضوعية تتمثل في عدم جواز تدخل القضاء في تقدير الملاءمة الإدارية إلا في حدود إساءة استعمال السلطة أو الانحراف بها. وهذا التوازن بين حماية الحقوق وضمان حسن سير المرافق العامة يشكل جوهر الفقه الإداري الكويتي الذي سعى إلى مواءمة بين مقتضيات الفعالية الإدارية وضرورات احترام المشروعية.
ولا يمكن إغفال أن التجارب المعاصرة في العديد من الأنظمة القانونية قد اتجهت إلى توسيع نطاق الرقابة القضائية، خاصة في ضوء تنامي دور الإدارة وتعدد مجالات تدخلها في الحياة العامة، وهو ما يفرض على الفقه والقضاء الكويتي مواكبة هذه التطورات عبر تطوير نظرياته وتوسيع أدواته لتشمل الرقابة على الامتناع عن اتخاذ القرارات، والرقابة على العقود الإدارية، وغيرها من المجالات المستحدثة.
في المحصلة النهائية، فإن الرقابة القضائية على أعمال الإدارة في الكويت ليست مجرد آلية إجرائية، بل هي ضمانة دستورية لحماية مبدأ سيادة القانون وصون الحقوق والحريات. وهي رقابة تكتسب مشروعيتها من الدستور ذاته، وتتعزز من خلال استقلال القضاء وتكامل النصوص القانونية مع اجتهادات المحاكم. ورغم حدودها الطبيعية المرتبطة بسلطة التقدير الإداري، فإنها تظل السد المنيع ضد الانحراف بالسلطة، والضمانة الكبرى لتحقيق العدالة الإدارية في دولة تحتكم إلى القانون والدستور.
عبد العزيز بدر عبد الله القطان

