في الذكرى السنوية لرحيلك، يا سيد الشهداء، يا أمين الوعد والصادق الوفي، نكتب إليك وقد خنقتنا العَبرة، وصقلتنا العِبرة، وأثقَلَنا الحنين، ووجَع الفقد ما زال حيًّا كأنك ما غبت سوى أمس… بل كأنك لم تغب أصلًا.
أكتب هذه الخاطرة وأنا أعيش مشاعر تختلط فيها كل الأوجاع، لكن وجع ذكراك أصعب مما أنا فيه.
عامٌ مضى على زفافك البهيّج، على صعودك إلى عليين، شهيدًا كما كنت تتمنى وتستحق، بعدما أتممت ما كنت تعد به وتقاتل لأجله، حتى الرمق الأخير. رحلت يا سماحة السيد حسن نصر الله، أيها القائد الذي لم يساوم، والمجاهد الذي لم يهن، والرجل الذي حمل القدس في عينيه، ووهب لأجلها دمه ودم أولاده وأحبّته وخاصته برضا وتسليم مطلق.
غياب الجسد.. وحضور الروح
ترحل جسدًا، لكنك حاضر في كل موقف، في كل جبهة، في كل خطاب يُطلَق من وجع الحق. حضورك، رغم الغياب، أقوى من كل الأصوات، كأنك ما زلت تخطب بيننا، بصوتك المدوّي، ونبرتك الثائرة، توقظ الضمائر وتثير الرجولة في زمن عزّ فيه الرجال.
أيها الشهيد، ما زال نهجك منارة للمقاومين، وما زال شعارك الأبدي “هيهات منا الذلة” يُتلى على كل لسان حرّ، يُزرع في قلوب الفتية المقاومين، كما زرعته أنت من قبل، وسقيته بالصدق والتضحية والإخلاص.
سيرة حياة تُكتب بالنور والنار
كنت الأمين على السلاح، أمينًا لا يعرف المساومة، ولا يرضى الانكسار. رفضت التسليم حين تسابق المتخاذلون على الهزيمة. بقيت على العهد، تقاتل، وتوجّه، وتخطط، وترفع الرأس عاليًا رغم الجراح. كنت الصوت النقي في زمن النشاز، والموقف الحر في زمن التلون، والمقاوم الصلب في زمن الخنوع.
استبسلْتَ في قول الحق، لا تخشى في الله لومة لائم، ولا سطوة عدو، ولا خيانة قريب. كنت رجل الموقف، لا تساوم على المبدأ، ولا تضعف أمام الجراح، ولا تساير الزمان بل تصنعه.
نهج الحسين وزينب
في كل وقفة لك، كنا نلمح في عينيك كربلاء. كنت الحسيني في هيبته، الزينبي في صبره، كأنك قادم من ذلك الزمن، تقتفي أثر القافلة التي لم تركع. اتخذت من الحسين وأخته زينب خطًّا لا حياد فيه، لا مداهنة فيه، لا تراجع فيه، فكنت أنت السيد… سيد الشهداء في زمننا.
ما زالت المبادئ موازين القوة
عامٌ مضى، وما زالت مبادئك هي موازين القوة، وما زال نهجك صامدًا، يتحدى العواصف ويُرعب الطغاة. باقٍ فينا، في سواعد المقاومين، في سهر الأمهات، في دمعة زوجة شهيد، في زغرودة حرة، في كل جبهة، في كل بندقية ما زالت على كتف صاحِبها تنتظر إشارة.
سيدنا، يا من كنت رجل القيم، وحارس الوعد، ومشعل الطريق… سلام عليك في ذكراك، سلام عليك يوم نطقت حقًا، ويوم رحلت شهيدًا، ويوم تبعث حيًا مع الصديقين والنبيين.
لك المجد والخلود، ولنهجك الاستمرار حتى النصر.
وأستأذن الشاعر السيد حيدر سليمان الحلي في استدعاء أبياته الخالدة في سيد الشهداء الحسين بن علي إذ يقول فيما يقول:
عفيرًا متى عاينته الكماة *** يختطف الرعبُ ألوانها
فما أجلت الحربُ عن مثله *** صريعا يُجَبِّن شجعانها.
د. عبدالعزيز بن حمد العجمي

