تعد الشريعة الإسلامية منظومة قانونية متكاملة تقوم على أصول ثابتة ومبادئ عامة، وفي الوقت ذاته تمنح مساحة واسعة للاجتهاد والتطوير وفق ما تقتضيه مصالح الناس المتغيرة. وقد ارتبطت الشريعة منذ نشأتها بفكرة تحقيق العدل والإنصاف وصون الحقوق والواجبات، وهو ما يجعلها إطاراً صالحاً لتنظيم حياة الأفراد والمجتمعات على اختلاف الأزمنة.
لكن هذا الانفتاح في الاجتهاد يقابله تحدٍ يتمثل في جمود التقنين حين يتم التعامل مع النصوص بوصفها أوامر جامدة غير قابلة للتطوير أو الملاءمة مع الواقع، مما يخلق فجوة بين مرونة الفقه الإسلامي كعلم متجدد وجمود بعض القوانين الوضعية التي تستند إلى قراءات ضيقة للنصوص.
من هذه المقدمة، إن الاجتهاد في الفقه الإسلامي لم يكن ترفاً فكرياً، بل كان ضرورة حتمية فرضها الواقع المتغير للأمة الإسلامية. فالصحابة والتابعون ومن بعدهم الفقهاء الكبار تعاملوا مع النصوص وفق مقاصدها لا وفق ظاهرها فقط، واستندوا إلى قاعدة أن حيثما كانت المصلحة فثم شرع الله تبارك وتعالى، ما لم تخالف نصاً قطعياً، وهو ما يؤكد أن النصوص لا تنفصل عن واقعها وأن الشريعة لا تقبل أن تكون أداة للظلم أو القهر. وفي ذلك يقرر العلماء أن “الأحكام تدور مع عللها وجوداً وعدماً”، وهو أصل قانوني يضفي مرونة هائلة على التشريع الإسلامي.
ومع تطور المجتمعات ودخول الدولة الحديثة بمؤسساتها وتقنيناتها، برزت الحاجة إلى تحويل الأحكام الفقهية إلى قوانين مدنية وجنائية وأسرية. وهنا وقع التحدي الكبير، إذ إن عملية التقنين في كثير من البلدان العربية والإسلامية تمت أحياناً بروح جامدة، حيث نُقلت بعض الأحكام من بطون الكتب دون مراعاة السياق الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الجديد. فكانت النتيجة قوانين جامدة لا تعبّر عن روح الشريعة ولا عن واقع الناس، الأمر الذي جعل بعض التشريعات أقرب إلى التعطيل منها إلى التفعيل. وعلى سبيل المثال، قوانين الأحوال الشخصية في بعض الدول بقيت أسيرة اجتهادات مذهبية قديمة، على الرغم من وجود اجتهادات معاصرة أكثر اتساقاً مع مقاصد العدالة والمساواة وحماية الأسرة.
بالتالي، إن القانون بطبيعته يسعى إلى اليقين والاستقرار، بينما الشريعة تمنح مجالاً للاجتهاد المرن بحسب المقاصد والعلل. هذا التباين يخلق أحياناً توتراً بين النص القانوني الجامد والحاجة الفقهية المتجددة. فإذا أُخذت الشريعة بروحها المقاصدية، صارت منسجمة مع حاجات العصر، أما إذا قُننت على نحو ضيق، تحولت إلى أداة تجميد. وقد أدرك كبار العلماء هذا الإشكال، فأكد الإمام العز بن عبد السلام أن المصالح تتبدل بتبدل الأزمنة والأمكنة والأحوال، وأن الحكم الشرعي يدور مع المصلحة حيثما وجدت. وكذلك ابن القيم الذي قال بأن الشريعة عدل ورحمة ومصالح للعباد، وكل ما خرج عن ذلك فليس من الشريعة ولو أدخل فيها بالتأويل. هذه النصوص تعد شواهد شرعية تؤكد أن الجمود على تقنين قديم قد يخرج الشريعة عن غاياتها.
أما من الناحية القانونية، هناك قاعدة أساسية في التشريع الحديث وهي مرونة النصوص الدستورية وإمكانية تفسيرها بما يوافق التطورات الاجتماعية. والدساتير المقارنة تعترف بأن القانون لا يمكن أن يكون جامداً وإلا أصبح أداة لعرقلة الحياة. هذا المبدأ يلتقي مع الفقه الإسلامي الذي أقر قواعد مثل “تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان” و”المشقة تجلب التيسير” و”الضرر يزال”، وهي قواعد قانونية بامتياز تصلح كأساس لتشريعات عصرية تحفظ التوازن بين النص والمقصد.
ومن أبرز الإشكاليات القانونية التي واجهت العالم الإسلامي هي الصراع بين تيارين: تيار يريد تقنين الشريعة بروح نصية جامدة تقيّد حركة القضاء وتجعل القاضي أسيراً لحرفية النصوص، وتيار آخر يريد تحرير الشريعة من الجمود ومنح القاضي سلطة الاجتهاد ضمن إطار المقاصد. والواقع أن التوازن بين التيارين هو الحل الأمثل، إذ لا يمكن ترك الشريعة من دون ضوابط واضحة، كما لا يجوز حبسها في قوالب جامدة تعطل مرونتها. ففي مجال المعاملات المالية مثلاً، اجتهادات الفقهاء المعاصرين أفرزت عقوداً جديدة مثل المرابحة المصرفية والإجارة المنتهية بالتمليك والسلم الموازي، وهي عقود لم يعرفها الفقه التقليدي بشكلها الحالي لكنها منسجمة تماماً مع مقاصد الشريعة في تشجيع الاستثمار ومنع الربا.
كما أن التجارب القضائية في كثير من الدول الإسلامية أثبتت أن النصوص المرنة المستندة إلى مقاصد الشريعة تحقق العدالة أكثر من النصوص الجامدة. فالقاضي حين يجد أمامه نصاً قانونياً مستقى من فقه قديم لا يراعي الواقع، يضطر إما إلى الالتزام به وإصدار حكم ظالم أو البحث عن تأويل يحقق العدل. وفي الحالتين يظهر العجز، بينما لو كان النص القانوني مقاصدياً ومنفتحاً على الاجتهاد، لكان الحكم القضائي أقرب إلى روح الشريعة وأقدر على إنصاف المتقاضين.
القوانين الوضعية الحديثة أخذت بهذا النهج، حيث يتم تفسير النصوص وفقاً للغرض التشريعي وليس فقط بحسب حروفها. والمحاكم العليا في العالم الغربي كثيراً ما تلجأ إلى ما يسمى بالتفسير الغائي الذي يركز على أهداف النص وروحه. وهذا المنهج هو ذاته الذي دعا إليه علماء الإسلام منذ قرون، حين أكدوا أن الفقيه يجب أن ينظر إلى علة الحكم لا إلى شكله الظاهر. ومن هنا فإن تطوير التشريعات الإسلامية على أساس مقاصدي يضعها في قلب الحداثة القانونية لا على هامشها.
وفي المجال الشرعي، يبرز مفهوم “سد الذرائع” و”فتح الذرائع” كأداة لتحقيق المرونة. فسد الذرائع يعني منع الوسائل التي تؤدي إلى الفساد، حتى لو كانت مباحة في الأصل، بينما فتح الذرائع يعني إباحة وسائل تحقق مصلحة معتبرة حتى لو كانت في الأصل مقيدة. هذه القاعدة تمنح التشريع الإسلامي قدرة على التكيف مع الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتمنع الجمود الذي قد ينشأ عن تقنين ضيق.
ما يعني أن القانون الجنائي الإسلامي خير مثال على ذلك، إذ إن العقوبات الحدية تُطبق ضمن شروط صارمة للغاية تجعل تنفيذها نادراً، وهو ما يكشف عن مرونة مقاصدية تقصد الردع أكثر من الإيقاع بالعقوبة. ومع ذلك، حين تُقنن هذه الأحكام بصورة جامدة وتُطبّق بلا شروط، تتحول إلى أداة قمع تتناقض مع روح الشريعة. لذلك شدد العلماء على أن العقوبات التعزيرية التي يقررها القاضي وفقاً للظروف قد تكون أحياناً أنسب لتحقيق العدالة من العقوبات الحدية.
من هنا، فإن الجمود في تقنين الشريعة يحوّلها من نظام حي قادر على الاستجابة للتحديات إلى منظومة مغلقة تثير الإشكالات أكثر مما تقدم الحلول. بينما المرونة في الاجتهاد المقاصدي تفتح للشريعة أبواب التفاعل مع العالم الحديث، وتعيد إليها دورها كمصدر إلهام تشريعي عالمي قادر على تقديم بدائل قانونية تحقق العدالة والكرامة الإنسانية.
وفي النهاية، فإن الشريعة الإسلامية ليست خصماً للقانون الحديث ولا منافساً له، بل هي شريك في صياغة تشريعات أكثر عدلاً وإنصافاً إذا ما استلهمت بروحها المقاصدية، والتحدي الأكبر اليوم ليس في النصوص نفسها، بل في طريقة التعامل معها: هل نقرأها بعيون جامدة تحبسها في قوالب الماضي، أم بعيون اجتهادية تستحضر المقاصد الكبرى للشريعة وتمنحها الحياة من جديد؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تحدد مستقبل القانون الإسلامي بين الجمود والتجدد، وبين أن يكون جزءاً من الحل أو جزءاً من المشكلة.
عبدالعزيز بدر عبدالله القطان
مستشار قانوني – الكويت

