إن العلاقة بين الفقه الإسلامي والقوانين المدنية والتجارية الحديثة ليست علاقة تعارض أو تنافر كما قد يظن البعض، بل هي علاقة تأصيل وامتداد، إذ إن كثيراً من المبادئ القانونية التي تحكم المعاملات اليوم تستمد أصلها من التراث الفقهي الإسلامي الذي أرسى قواعد العدالة التعاقدية والتنظيم المالي منذ قرون طويلة. فالفقه الإسلامي، بمدارسه المختلفة، لم يكن مجرد منظومة دينية، بل كان نظاماً قانونياً متكاملاً يغطي مختلف مجالات الحياة المدنية والاقتصادية، ويهدف إلى تنظيم العلاقات بين الأفراد والجماعات بما يحقق العدل ويرفع الضرر ويصون الحقوق. وإذا كانت القوانين المدنية والتجارية الحديثة قد وُضعت في إطار الدولة الوطنية الحديثة، فإنها في البلاد الإسلامية لم تنشأ بمعزل عن المرجعية الفقهية، بل تأثرت بها تأثراً مباشراً، سواء في مرحلة التأسيس أو في مرحلة التطوير اللاحق.
ولقد عرف الفقه الإسلامي منذ نشأته مبادئ عقود البيع والإجارة والمضاربة والشركة والوكالة والرهان والضمان، وهي كلها عقود مدنية وتجارية بالمعنى الحديث، وقد نظمها الفقهاء تنظيماً دقيقاً يستند إلى النصوص القرآنية والسنة النبوية، وإلى القواعد الكلية التي وضعها علماء الأصول. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، وهذه الآية تمثل القاعدة الكبرى التي يقوم عليها القانون المدني الحديث في بابه الخاص بالالتزامات والعقود، إذ تجعل الالتزام بالعقد واجباً دينياً وقانونياً في آن واحد. كما أن القاعدة النبوية المشهورة: «المسلمون على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرّم حلالاً» (رواه الترمذي) هي أصل لما يعرف اليوم بمبدأ “حرية التعاقد” في القوانين المدنية، أي أن للأطراف حرية تحديد بنود العقد وشروطه ما لم تخالف النظام العام أو الآداب العامة.
وإن القوانين المدنية الحديثة في العالم العربي، وعلى رأسها القانون المدني المصري الذي وضعه عبد الرزاق السنهوري عام 1949، كانت نتاج تفاعل بين الفقه الإسلامي والقانون الغربي، وقد حرص السنهوري في مقدمته الشهيرة على التأكيد بأن الفقه الإسلامي يجب أن يكون المصدر الأصيل للتقنين في البلاد الإسلامية. ولهذا نجده في أبواب العقود والالتزامات يستند إلى القواعد الفقهية كقاعدة «الضرر يزال» وقاعدة «الغُنم بالغُرم» وقاعدة «الأصل في المعاملات الإباحة». وهذه القواعد الفقهية تمثل في جوهرها مبادئ قانونية عامة تصلح لتأسيس نظم مدنية وتجارية معاصرة، وهو ما يبرز الدور العميق للفقه الإسلامي في بناء الصياغة القانونية الحديثة.
ولم يقف أثر الفقه الإسلامي عند حد الإلهام النظري، بل امتد إلى النصوص القانونية نفسها. فمثلاً، القانون المدني الكويتي رقم (67) لسنة 1980 نص صراحة في مادته الأولى على أن: “تُسري النصوص التشريعية على جميع المسائل التي تتناولها هذه النصوص في لفظها أو في فحواها، فإذا لم يوجد نص تشريعي، حكم القاضي بمقتضى العرف، فإذا لم يوجد فبمقتضى أحكام الشريعة الإسلامية الأكثر ملاءمة”، وهذا النص القانوني يؤكد أن الشريعة الإسلامية هي المرجع الاحتياطي في تفسير القواعد المدنية. وهو ذات الاتجاه الذي تبناه القانون المدني الأردني رقم (43) لسنة 1976 حيث نص في مادته الثانية على الرجوع إلى الفقه الإسلامي في حال غياب النص، مما يعكس عمق تأثير الفقه في بناء القانون.
أما في المجال التجاري، فقد ساهم الفقه الإسلامي في إرساء مبادئ التعامل المالي القائمة على العدالة والتوازن ومنع الغرر والربا والاحتكار. فمبدأ تحريم الربا الذي قرره القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] هو الأساس الذي قامت عليه اليوم فكرة التمويل الإسلامي والمصارف الإسلامية التي تسعى لتقديم بدائل شرعية للقروض والفوائد، مثل عقود المرابحة والمشاركة والمضاربة والإجارة المنتهية بالتمليك. هذه العقود التي أقرها الفقه الإسلامي أصبحت اليوم جزءاً من المنظومة القانونية المعترف بها في التشريعات التجارية والمالية الحديثة، حتى في الدول غير الإسلامية، إذ تُدرج ضمن العقود الخاصة في الأنظمة المصرفية.
ومن الشواهد العملية على دور الفقه الإسلامي في صياغة القوانين التجارية الحديثة، أن العديد من القوانين التجارية في الدول العربية استلهمت من الفقه الإسلامي قواعد التعامل في السوق. فمثلاً، قانون الشركات الكويتي أخذ بمبدأ «الشركة العقدية» المستمد من الفقه الإسلامي الذي عرّف الشركة بأنها “عقد بين اثنين أو أكثر يشتركون في مال أو عمل لاستثمار مشروع والاقتسام في الربح أو الخسارة”. وهذا المبدأ ذاته هو ما يعتمده القانون التجاري المعاصر في تعريف الشركة. كما أن قواعد الإفلاس في الفقه الإسلامي – والتي تقوم على مبدأ حماية الدائنين ومنع الإضرار بهم – انعكست في القوانين الحديثة التي تنظم إجراءات التسوية وإشهار الإفلاس.
واللافت أن الفقه الإسلامي سبق التشريعات الوضعية في تقرير كثير من المبادئ القانونية المدنية. فمبدأ “لا ضرر ولا ضرار” الذي ورد في الحديث النبوي الشريف أصبح قاعدة قانونية عامة تُبنى عليها أحكام المسؤولية المدنية في القوانين الحديثة، مثل المسؤولية التقصيرية عن الأفعال الضارة، وهو ما نصت عليه المادة 163 من القانون المدني المصري بقولها: “كل خطأ سبب ضرراً للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض”. هذا المبدأ، في جوهره، تجسيد فقهي لقاعدة شرعية إسلامية قديمة. كما أن فكرة “التوازن العقدي” بين أطراف العقد – التي تعد من مبادئ العدالة في القانون المدني – مستمدة من قاعدة فقهية أصيلة مفادها أن “كل شرطٍ يؤدي إلى الغبن الفاحش أو الإكراه في العقد يُبطل أثره”.
وقد برع الفقهاء المسلمون في التفصيل الدقيق للمعاملات التجارية بما يضمن العدالة الاقتصادية. فكتبهم زاخرة ببحوث حول المضاربة، والمرابحة، والسلم، والاستصناع، وكلها عقود ذات طبيعة مالية وتجارية معاصرة، وقد أسست لمنظومة قانونية متكاملة قبل ظهور القوانين الحديثة بقرون. وفي ضوء ذلك، فإن القول بأن الفقه الإسلامي يفتقر إلى القدرة على تنظيم العلاقات الاقتصادية المعقدة قول يجافي الحقيقة؛ بل إن كثيراً من المحافل الدولية تعترف اليوم بأن الصيغ التمويلية الإسلامية تقدم حلولاً عادلة وأكثر استقراراً من النظم الربوية التقليدية، وهو ما يشهد له توسع تطبيق هذه الصيغ في الأسواق العالمية.
ومن الناحية القانونية، فإن الدساتير في غالبية الدول الإسلامية تقرر بوضوح أن الشريعة الإسلامية مصدر رئيس للتشريع، كما في المادة الثانية من الدستور المصري التي تنص على أن “الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع”. وهذا الإقرار الدستوري يمنح الفقه الإسلامي مكانة أصلية في صياغة القوانين المدنية والتجارية، لأنه يجعل المشرّع ملزماً بعدم تجاوز مبادئ الشريعة عند وضع أو تعديل أي قانون. ومن ثم، فإن القوانين المدنية والتجارية الحديثة لا يمكن أن تنفصل عن الفقه الإسلامي من حيث الأساس والمشروعية.
كما أن الفقه الإسلامي يتميز بمرونة عالية من خلال آلية الاجتهاد التي تسمح بتكييف الأحكام بما يواكب تطورات الحياة دون الإخلال بالمبادئ القطعية. فالمعاملات المالية المستحدثة يمكن إخضاعها للقياس على العقود الفقهية الأصلية أو إدراجها ضمن المصالح المرسلة التي تحقق مقاصد الشريعة. ومن هنا يمكن القول إن الاجتهاد الفقهي هو أداة التجديد القانوني في الأنظمة المدنية والتجارية، وهو ما يجعل الفقه الإسلامي حياً متجدداً، قادراً على استيعاب التحولات الاقتصادية الكبرى.
وفي ضوء هذا الترابط الوثيق، يظهر أن صياغة القوانين المدنية والتجارية الحديثة لم تكن لتكتمل دون الاستناد إلى القواعد الفقهية، سواء على مستوى المبادئ العامة أو التفاصيل الإجرائية. فمبدأ سلطان الإرادة، ومبدأ حسن النية في تنفيذ الالتزامات، ومبدأ المسؤولية عن الضرر، ومبدأ العدالة في التبادل، كلها مبادئ فقهية قبل أن تكون قانونية، وقد صيغت في كتب الفقه بصيغة الأحكام التكليفية ثم تحولت في العصر الحديث إلى مواد قانونية ملزمة. بل إن كثيراً من المصطلحات القانونية كالبيع، والهبة، والرهن، والكفالة، والوصية، والعارية، هي مصطلحات فقهية أصيلة انتقلت إلى القوانين الحديثة دون تغيير يُذكر.
إن الفقه الإسلامي لم يقدّم فقط محتوى تشريعياً للقوانين المدنية والتجارية، بل أسّس أيضاً للفلسفة القانونية التي تقوم عليها. فالقانون في الفقه الإسلامي ليس مجرد أداة لتنظيم العلاقات المادية، بل هو تعبير عن منظومة قيمية تسعى لتحقيق مقاصد عليا هي العدل والمصلحة ودفع الضرر. ومن هنا فإن استحضار الفقه الإسلامي في الصياغة القانونية لا يعني العودة إلى الماضي، بل يعني استلهام المبادئ التي تضمن عدالة دائمة وإنصافاً مستمراً للناس في معاملات حياتهم.
وخلاصة القول إن دور الفقه الإسلامي في صياغة القوانين المدنية والتجارية الحديثة ليس دوراً هامشياً أو تاريخياً، بل هو جوهر البناء القانوني في العالم الإسلامي، لأنه يمد التشريع بروحه الأخلاقية ومصدره الشرعي، ويمنحه مشروعية تتجاوز الإطار الوضعي إلى البعد القيمي والديني. وكلما ازدادت القوانين اقتراباً من مقاصد الفقه الإسلامي، ازدادت عدالة وفاعلية، وكلما ابتعدت عنه، تحولت إلى نصوص جامدة فاقدة للروح. إن التحدي الحقيقي أمام المشرّعين اليوم هو أن يواصلوا هذا التفاعل الخلاق بين الفقه والقانون، في إطار من التجديد المنضبط، ليظل التشريع المعاصر امتداداً حيّاً لتراث فقهي أصيل يوازن بين الثابت والمتغير، بين النص والمصلحة، وبين العدالة الإلهية ومتطلبات الحياة المدنية الحديثة.
عبدالعزيز بدر القطان
مستشار قانوني – الكويت.
