في التاريخ العلمي للحضارة الإسلامية، يبرز القرنان الثامن والتاسع الهجريان بوصفهما مرحلة نضج منهجي وتراكم معرفي عميق، على الرغم من الاضطراب السياسي الذي ميّز أواخر دولة المماليك، ففي تلك الحقبة، كانت القاهرة عاصمة السلطنة المملوكية ومركز الثقل العلمي في العالم السني، حيث تفاعلت مؤسسات التعليم الديني من الأزهر إلى المدارس النظامية ودور الحديث مع سلطة سياسية تعتمد في شرعيتها على حماية الشريعة ورعاية العلماء.
وبين شدّ السلطة وجذبها، وبين تحولات الداخل وضغوط الخارج، تبلورت نماذج علمية كبرى، كان من أبرزها الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (773–852هـ/1372–1449م) وجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (849–911هـ/1445–1505م)، وقد مثّل كلّ منهما، بطريقته الخاصة، ذروة في علوم الحديث والتفسير، وأسهم في صياغة وعيٍ علميٍّ ما تزال آثاره حاضرة إلى اليوم.
بالنسبة لابن حجر العسقلاني، فقد عاش في زمن المماليك البرجية، وهي مرحلة اتسمت بتنازع الأمراء وتبدل السلاطين، غير أنّها شهدت في الوقت ذاته ازدهاراً علمياً واسعاً، فقد اعتمدت السلطة المملوكية على الفقهاء والقضاة في تثبيت شرعيتها، فكانت المناصب الدينية، ولا سيما قضاء القضاة، ذات وزن سياسي.
وقد تولّى ابن حجر قضاء الشافعية مراراً، وهو منصب رفيع، ما يعني أنه كان جزءاً من بنية الدولة، دون أن يُعرف عنه انخراط في صراعاتها، هذه العلاقة المركبة بين العالم والسلطة انعكست على مشروعه العلمي؛ إذ بدا حريصاً على ترسيخ معايير موضوعية صارمة في علوم الحديث، كأنما يريد أن يجعل النص النبوي معياراً فوق التجاذبات.
ويُعدّ “فتح الباري بشرح صحيح البخاري” قمّة مشروعه العلمي، إذ أن هذا العمل لم يكن شرحاً لغوياً أو فقهياً فحسب، بل موسوعة حديثية تجمع بين الرواية والدراية، فعند شرحه لحديث “إنما الأعمال بالنيات”، لم يكتفِ ببيان المعنى الظاهر، بل استعرض طرق الحديث المختلفة، وناقش اختلاف ألفاظه، وتتبّع الرواة في كتب الجرح والتعديل، ثم ربط ذلك بمباحث أصولية تتعلق بالنية ومحلّها وأثرها في الأحكام.
أما في تعليقه على حديث الشفاعة، جمع الروايات الواردة في الصحيحين وغيرهما، ووازن بينها، وناقش الإشكالات العقدية، مستشهداً بآيات مثل قوله تبارك وتعالى: “ولا يشفعون إلا لمن ارتضى”، لبيان حدود الشفاعة، بالتالي إن هذا التكامل بين الحديث والتفسير والعقيدة يعكس منهجاً تركيبياً دقيقاً.
كما أن كتابه “تهذيب التهذيب” يُظهر عبقريته في علم الرجال؛ فقد أعاد ترتيب مادة “تهذيب الكمال” للمِزّي، وأضاف تعليقات نقدية، وجمع أقوال الأئمة في توثيق الرواة أو تضعيفهم، كما لم يكن يسلّم بحكم واحد، بل يعرض الخلاف، ويُعمل قواعد الترجيح، ومن هنا تبرز دلالة علمه في عصرنا: إنّ منهجه في نقد الأسانيد يمثل نموذجاً للصرامة المنهجية، يقوم على التحقق، واستقصاء المصادر، والمقارنة بين الشواهد، وهو ما يتقاطع مع مبادئ البحث الأكاديمي الحديث في توثيق النصوص وتحليلها، ولطالما اجتهدت شخصياً على اتباع هذا النوع من الدراسة خصوصاً في عصرنا الحديث، فعلم الحديث واسع وممتد وهناك عشرات أمهات الكتب التي توضح للباحثين وطلاب العلم أهمية هذا العلم خاصة في ما يتعلق بالأسانيد المتصلة وغير ذلك.
أما في التفسير، فإن ابن حجر، وإن لم يؤلف تفسيراً مستقلاً، إلا أن “فتح الباري” يضم مادة تفسيرية غزيرة، عند تناوله لحديث نزول آية “اليوم أكملت لكم دينكم”، ناقش الروايات في تحديد يوم النزول، واستحضر أقوال المفسرين، وربط بين السياق القرآني والسياق التاريخي لحجة الوداع، اما عند شرحه لأحاديث تتعلق بآيات المواريث أو الحدود، كان يفسر الآية ويبيّن وجوه القراءات ومعاني الألفاظ، مستنداً إلى أقوال الطبري والقرطبي وغيرهما، هذا التداخل بين الحديث والتفسير يعكس وعياً بأن السنة شارحة للقرآن الكريم، وأن فهم أحدهما يقتضي استحضار الآخر.
ولا بد من الإشارة إلى أنه أثنى عليه معاصروه ومن بعدهم؛ فوصفه السخاوي بأنه “حافظ العصر”، وقال الشوكاني إنه لم يُرَ بعد ابن حجر مثله في الجمع بين الحفظ والفهم، بالتالي إن هذه الشهادات لا تعكس إعجاباً شخصياً فحسب، بل اعترافاً بأن مشروعه أعاد ضبط معايير العلم الحديثي في زمن كثرت فيه الشروح والتعليقات، وأما في الوقت الحاضر، لا تزال كليات الشريعة تعتمد “فتح الباري” مرجعاً أساسياً في دراسة صحيح البخاري، كما أنّ قواعده في نقد الرواة تُدرَّس في علوم الحديث، ما يدل على استمرارية أثره.
أما جلال الدين السيوطي، فقد وُلد بعد وفاة ابن حجر بثلاث سنوات تقريباً، في أواخر العصر المملوكي، حين كانت الدولة تتجه نحو الضعف أمام صعود الدولة العثمانية، وقد نشأ السيوطي في القاهرة، وتلقى عن كبار العلماء، ثم انصرف إلى التأليف الغزير حتى قيل إن مؤلفاته بلغت المئات، إذا كان ابن حجر قد مثّل التخصص الدقيق، فإن السيوطي جسّد الروح الموسوعية، وفي زمن الانتقال السياسي، حيث تلوح نهاية مرحلة تاريخية، بدا مشروعه كأنه محاولة لجمع تراث القرون السابقة في مدوّنات شاملة تحفظه من الضياع.
وفي التفسير، يُعدّ “الدر المنثور في التفسير بالمأثور” عملاً ضخماً يجمع الروايات التفسيرية عن الصحابة والتابعين، وعند تفسير قوله تبارك وتعالى: “اهدنا الصراط المستقيم”، يسوق أقوال ابن عباس ومجاهد والحسن البصري، مبيّناً تنوع الدلالات بين الإسلام والقرآن الكريم وطريق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، دون أن يرجّح ترجيحاً حاداً، هذا المنهج يعكس إيماناً بقيمة التعدد المأثور، وبأن حفظ الأقوال أولى من إقصائها، أما في “الإتقان في علوم القرآن”، فقد قدّم عرضاً منهجياً لثمانين نوعاً من علوم القرآن، تناول فيها أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، والمكي والمدني، والإعجاز، والقراءات، بالتالي إن هذا العمل لم يكن مجرد جمع، بل تنظيم وإعادة ترتيب، ما جعله مرجعاً أساسياً لكل دارس لعلوم القرآن حتى اليوم.
وفي الحديث، ألّف “الجامع الصغير” و”الجامع الكبير”، ساعياً إلى جمع أكبر قدر من الأحاديث مع الإشارة إلى مصادرها، صحيح أنّ بعض العلماء لاحقاً، كالألباني، قاموا بإعادة تصنيف أحاديثه من حيث الصحة والضعف، إلا أنّ قيمة عمله تكمن في الطموح الموسوعي، وفي توفير مادة واسعة للباحثين، كما ألّف “تدريب الراوي” في مصطلح الحديث، وهو شرح لكتاب النووي في المصطلح، وقد أصبح من أهم المراجع في هذا الفن.
أما دلالة مشروع السيوطي في عصرنا تكمن في قدرته على الربط بين التخصص والشمول، ففي زمن التخصص الدقيق، يذكّرنا بأن علوم القرآن والحديث واللغة متداخلة، وأن فهم النص الديني يقتضي الإحاطة بسياقاته المختلفة، كما أن منهجه في جمع الأقوال وتوثيقها يرسّخ قيمة الأمانة العلمية، وإن كان يحتاج إلى قراءة نقدية حديثة في مسألة تمحيص الروايات.
ومن الناحية السياسية، لم يكن السيوطي منخرطاً في دوائر الحكم كما كان ابن حجر، بل مال إلى الاعتزال، ورفض بعض المناصب، واشتكى من مضايقات بعض خصومه، بالتالي يمكن القول إن اضطراب أواخر العصر المملوكي دفعه إلى الانكفاء على مشروعه العلمي، فكان التأليف عنده شكلاً من أشكال المقاومة الثقافية، وحفظ الذاكرة العلمية في لحظة انتقال تاريخي انتهت بسقوط القاهرة في يد العثمانيين بعد وفاته بقليل.
من هنا، إن المقارنة بين علمين من أعلام الأمة الإسلامية كابن حجر والسيوطي تكشف عن نموذجين متكاملين: الأول رسّخ صرامة المنهج الحديثي، والثاني جمع شتات العلوم القرآنية والحديثية في مصنفات جامعة، وكلاهما تأثر بسياق دولة تعتمد على العلماء في تثبيت شرعيتها، لكنهما حافظا على استقلال نسبي مكّنهما من إنتاج علم يتجاوز ظرفه السياسي.
وفي وقتنا الحاضر، حيث تتجدد الحاجة إلى قراءة نقدية للنصوص، وإلى توازن بين التخصص والشمول، يظل إرثهما حيّاً، لا بوصفه تراثاً محفوظاً فحسب، بل منهجاً في التفكير والتحقيق وقد اخترت الكتابة عنهما بشكل مختصر لكنه شامل قدر الإمكان لنجد مساحة من الصدق وسط كل الزيف الذي يعترض طريقنا، فالعودة إلى التراث هي روح الإسلام وهي إحياء ليالي رمضان.. هي بركة وموروث يجب أن لا نتجاهله وألا نهمله وهذا غيض من فيض.
عبد العزيز بدر عبد الله القطان
كاتب ومفكر – الكويت.

