د. صالح بن عبدالله الخمياسي
على قارعة الطريق ينتشرون و كأنهم فسائل تزرع الأمل و لا تستسلم لليأس و القنوط. ينشدون الرزق متوكلين على بارئهم. تمنعهم كرامتهم و عزة نفسهم عن إنتظار من يشفق عليهم. باعة يعرضون ما لديهم من خضار و فواكه.
لا يكترثون بشمس الصيف الحارقة و هي تغزو الأرض من حولنا، تنشر وهجها و ترفع من درجاتها، وتفرض على الناس نمط حياة آخر تحاشيًا للظاها . ومع هذا التصاعد المستمر في درجات الحرارة يومًا بعد يوم، فهؤلا حتمت عليهم ظروف الحياة بيع الخضار والفواكه على قارعة الطريق طلبًا لكسب العيش الحلال . لا يظلهم من الشمس سوى مظلات مختلفة الأحجام، بالية ومهترئة، لا تكاد تحجب عنهم لهيبها و لا تصد عنهم لفيح هواء الصيف المكفهر .
لقد منعهم التعفف عن السؤال و جعلهم يصرون على العيش من كد يمينهم و عرق جبينهم.
إن الكثير من هؤلاء الباعة ، كبار في السن و قد يكون البعض منهم يعاني من بعض الأمراض كضغط الدم او غيره، و تعرضهم للحرارة يؤثر على صحتهم، وقد يسبب لهم الإجهاد أو ضربات الشمس، خاصة و هم يعملون لساعات طويلة تحت هذه الظروف. و بالرغم من كل هذا فهم صامدون يلقون عليك التحية برحابة صدر ، و وجه طلق ، و ابتسامة عريضة.
إن هذا المشهد، رغم ما يحمله من كفاح شريف، يبدو غير منظم بالرغم من مساهماتهم المتواضعة في تحريك عجلة الإقتصاد ولا يعكس الصورة الحضارية التي تطمح لها الرؤية التي تبحر بنا إلى نهضة متجددة و تنمية مستدامة و هي تسعى لتطوير مدننا كوجهات سياحية جاذبة لا يعيبها إحتضان مثل هذه الفئة بلمسة حضارية و إنسانية حانية.
لكن السؤال الأهم يبقى: كيف يمكننا أن نساعد هؤلاء البسطاء بطريقة تحفظ كرامتهم وتحسن من ظروفهم؟
إن الحل لا يكمن في منعهم أو إبعادهم، بل في احتوائهم وتنظيم عملهم. و تقديم لمسات تعاطف و رحمةً تنبعث من رحم ثقافتنا التي تركز على التكافل و التعاضد و العمل الجماعي . إن مثل هذه القيم تعد قوة ناعمة قادرة على مساندة هذه الشريحة من المواطنين و تمكينهم من الكسب الشريف. لمسات إنسانية يمكن للمبادرين تنفيذها بسهولة و يسر نسرد منها التالي:
- مساندتهم من خلال الشراء من منتجاتهم لتمكينهم من العودة إلى منازلهم بسرعة بما قيض الله لهم من رزق.
- يمكن للبعض تزويدهم بالماء كصدقة جارية يقوم بها الأفراد لوجه الله.
- يمكن لأخرين مفاجئتهم بوجبة بسيطة تسد رمقهم.
- كما يمكن للمؤسسات الصحية العامة و الخاصة منها التكثيف على توعيتهم بكيفية التعامل مع الجو الحارق و تقلبات الأنواء المناخية.
- أما شركات القطاع الخاص في إطار جهودها الرامية لخدمة فئات المجتمع منطلقة من مسؤولياتها الإجتماعية و حرصها على إنتشار علاماتها التجارية ، يمكنها رفد هذه الفئةً بمظلات كبيرة ذات مواصفات تساعدهم على التخفيف من حرارة الجو ، و كذلك تزويدهم بعبوات تحفظ لهم ماء الشرب و صناديق التبريد و غيرها من مبادرات . في الوقت ذاته لا ضير ان تحمل مبادراتها المختلفة علاماتها التجارية كقنوات تسويقية لهذه الشركات.
- كما يمكن للمؤثرين عبر قنوات التواصل الإجتماعي نشر الوعي بأهمية التعامل الإنساني مع هذه الفئة لتعزيز روح التكافل الاجتماعي، لكي يدرك الناس ظروفهم، فهم ليسوا مجرد باعة على قارعة الطريق، بل آباء وأمهات يسعون لتأمين حياة كريمة لأسرهم
و هم في المقام الأول مواطنين قدموا لبلدهم ما يستطيعون وهم في عز شبابهم.
— كما يمكن للصحفيين أن يتطرقوا لمثل هذه القصص الإنسانية و تقديمها للمجتمع بشكل يحفظ كرامتهم و يسلط الضوء على قصصهم لمزيد من الوعي و التكاتف المجتمعي. و قد يجد طلبة الإعلام في مثل هذه القضايا الإنسانية ما يجعلهم يبحرون في عالم الإعلام و الصحافة و الهم الإنساني. كما يمكن للكتاب و الأدباء ان يكونوا مرآة تعكس شؤون المجتمع بأساليبهم الأدبية فتنبت قرائحهم مقالات و قصص و روايات و أشعار تقرب الصورة و تحرك الوجدان و تقتبس القيم التي نتعلمها من قوة عزيمتهم و إصرارهم على الكسب من جهدهم.
- إن الجهات المعنية كمكاتب المحافظات و البلديات و السياحة و التجارة و الأسكان و البيئةً يمكنها التظافر في دراسة هذا الجانب و العمل على إيجاد حلول عملية لهذه الفئةً من خلال دراسة تجارب دول مختلفة عبر العالم و الإستفادة منها . كذلك يمكنهم تخصيص مواقع مهيأة لهم، مزودة بمظلات حديثة أو أكشاك صغيرة تحميهم من الشمس، وتوفر لهم بيئة عمل إنسانية وآمنة. كما يمكن توفير مصادر مياه باردة قريبة، وأماكن للراحة، بحيث يتمكن البائع من استعادة نشاطه خلال يوم عمله الطويل.
إن ما سبق التطرق إليه من مقترحات ما هو الإ غيض من فيض من الخطوات التي يمكن مساعدة هذه الفئة من خلالها و الكل مدعو لتقديم ما يراه مساندا لهم.
إن المدن لا تُقاس بجمال مبانيها أو تطورها العمراني فحسب، بل تُقاس أيضًا بمدى إنسانيتها واهتمامها بكل من يعيش على أرضها. حين ننجح في توفير بيئة أفضل لهؤلاء الباعة، فإننا لا نحسن صورتنا السياحية فحسب، بل نرتقي بقيمنا الإنسانية قبل كل شيء. أن هذه المبادرات لا تحتاج إلى جهد كبير، لكنها تترك أثرًا عميقًا في حياتهم .
اغمروهم بتعاطفكم و دعوا لمساتكم الإنسانية تبهج قلوبهم كما تبهج قلوبكم زخات المطر فما تقدموا من خير تجدوه عند الله.
د. صالح الخمياسي باحث و مدرب و كوتش في مجال القيادة الذاتية.

