د. صالح بن عبدالله الخمياسي
لم تكن يقين المعمرية على يقين، حين انضمت إلى برنامج التوستماسترز، أن بإمكانها صقل مهاراتها والارتقاء بقدراتها في مضمار التواصل والخطابة، لتنتقل من بداياتٍ متواضعة إلى إنجازات تُتوَّج من خلالها بالمركز الأول في مسابقة الخطب العربية.
كانت جالسةً في مقعدها، تتسارع دقات قلبها وهي تنتظر نتائج المسابقة التي أُقيمت ضمن فعاليات المؤتمر السنوي للتوستماسترز للقطاع 105، والذي احتضنته العاصمة الإماراتية الجميلة أبوظبي مؤخرًا.
وما إن أُعلن اسمها فائزةً بالمركز الأول، حتى تهللت أسارير وجهها، وانطلقت فرحًا نحو منصة التتويج بخطىً مسرعة، وقد غمرها شعور لا يُوصف من الفخر والامتنان
تتذكّر يقين كيف قادتها الصدفة ذات يوم، برفقة إحدى صديقاتها، إلى حضور أحد اجتماعات التوستماسترز قبل عامين ونصف. ولم تكن تعلم حينها أن تلك الزيارة العابرة ستكون الشرارة الأولى لانطلاقتها في عالم التوستماسترز؛ إذ التحقت بنادي الشهباء توستماسترز، وهي لا تزال طالبةً في جامعة نزوى.
تستحضر يقين، وهي تعود بذاكرتها إلى الوراء، أنها جاءت إلى التوستماسترز سعيًا للتصالح مع الخوف والتردد اللذين كانا يعتريانها كلما فكّرت في التحدث أمام الجمهور. لكنّها، ومن خلال التزامها بالحضور، ومثابرتها في المشاركة بالأدوار المختلفة، وتقدّمها في مسيرتها التوستماسترية، وجدت البيئة الخصبة التي مكّنتها من تطوير مهاراتها في التحدث أمام مختلف الجماهير، وصقل قدراتها القيادية، وبناء شبكة من العلاقات الثرية. وقد جعلتها هذه الرحلة الجميلة أكثر استمتاعًا بالنمو على المستوى الشخصي، ومنحت شخصيتها مزايا وثقة أهلتها لملاحقة أحلامها بثبات وطموح.
تواصل يقين حديثها بنبرةٍ حماسية وهي تصف تجربتها في عالم التوستماسترز قائلة: “لم يكن التوستماسترز بالنسبة لي مجرد مساحة لتعلّم مهارات التحدث والإلقاء، بل كانت مدرسةً حياتية متكاملة، أسهمت في تشكيل جزء كبير من شخصيتي، وصقلت الكثير من الجوانب الاجتماعية والنفسية بداخلي. وخلال هذه الرحلة، يسّر الله لي التعرّف على شخصيات راقية وملهمة، تعلّمت من تجاربهم وخبراتهم ما يفوق ما تعلمته من الكتب والدورات. كما أن الاحتكاك بمختلف الشخصيات والفئات علّمني المرونة والسلاسة في التعامل، وأدركت أن الإنسان لا ينمو حقًا إلا حين يخرج من دائرة ذاته ويخوض الحياة بتجاربها المختلفة مع الآخرين”
وعن التجربة التعليمية التي يضفيها التوستماسترز، تقول يقين:ً “إن التعلّم بالممارسة، وفي أجواءٍ تبتعد عن الرسمية وتفوح بروح المرح والألفة، يوفّر للفرد بيئةً آمنة لممارسة الخطابة وتلقّي التقويم المستمر، بأسلوبٍ مُلهم يهدف إلى تحفيز الإنسان ليكون قائدًا لذاته، وقادرًا على توجيه دفة حياته بثقة واتزان. كما أن أداء الأدوار المختلفة داخل النادي يزوّد الفرد بالعديد من المهارات، كإدارة الوقت، وصقل مهارة الإنصات، والتخطيط، والقدرة على كتابة الخطب، إلى جانب ممارسة أدوار قيادية تسهم في تنمية الشخصية وتعزيز روح المسؤولية.
ولا تتوقف التجربة التعليمية عند هذا الحد، بل تأخذك إلى عالم المسابقات الخطابية؛ تلك التجربة الثرية التي تمتزج في أجوائها مشاعر الخوف والحماس والتألق، فتغدو بشحنتها المركّبة عاملًا رئيسًا للنمو على المستوى الشخصي.ما أجمل أن تقتنص الفرصة، وتطلق كلماتك الملهمة من عقالها لتحلّق في أرجاء المكان، مخاطبةً العقول والوجدان. وما أروع تلك التصفيقات الملهمة التي تمدّك بوقودٍ داخلي يدفعك للانطلاق بثقةٍ وشغف.
تواصل يقين حديثها فتقول: هكذا تجاسرتُ لخوض تجربة المسابقات الخطابية. ففي بداياتي، دخلتُ هذا العالم بدافع حب المنافسة، والرغبة في رفع سقف أدائي من خلال التدريب المستمر والاستفادة من ملاحظات الموجّه والزملاء، سعيًا للوصول إلى المركز الأول. كنت أرى التتويج غاية الرحلة، وأقيس النجاح بالألقاب وحدها.
لكن مع مرور الأيام، ومع كل رغبةٍ لم تتحقق، وكل تتويجٍ استعصى عليّ، كنت أشعر وكأن الحياة تهمس لي: أنتِ سبيكةُ ذهبٍ لا بد أن تنصهر أكثر ليظهر بريقها وجمالها الأخّاذ.
كنت أشعر بألم الانكسار في كل مرة لا يُعلَن فيها اسمي، وكانت نبرة اللوم والحسرة تعلو داخلي كالأمواج التي يقذفها البحر إلى الأمام، ثم يعيدها ثانية إلى أعماقه. ولم أكن أدرك حينها أن خلف هذا الألم رحمةً خفية، تكشف لي المعنى الحقيقي لما أفعله.
إلا أنني أدركتُ لاحقًا أن هذه المسابقات لم تُوجد لمجرد حصد الألقاب، بل لتكون حجر الأساس في بناء شخصيات قادرة على التأثير؛ شخصيات تُلهم بحروفها، وتقود بكلماتها، وتترك أثرًا يمتد إلى ما هو أبعد من منصة التتويج. فالمسابقة وسيلة للنمو، وليست الغاية بحد ذاتها.
ومنذ أن بدأتُ في إعادة ضبط البوصلة، وتغيّرت زاوية رؤيتي للمشهد، لأراه بنيّةٍ مختلفة وهدفٍ أسمى من مجرد نيل الألقاب، أصبحت كل مسابقة أخوضها تحمل رسالةً أعمق وغايةً أسمى. لم أعد أسأل: ماذا سأكسب؟ بل أصبحت أتساءل: ماذا سأقدّم؟ وكيف سيصل أثري إلى الجمهور المتلقي؟
ومع هذا التحوّل، رأيت فضل الله يتجلّى أمامي بصورةٍ عظيمة؛ فتحققت المراكز الأولى، ونلتُ جبر الخاطر، وتكلّلت الرحلة بخيراتٍ وفوائد جمّة لم أكن أتوقعها يومًا.
وعن فكرة الخطاب الذي قُدِّم في المسابقة الأخيرة، فقد وُلدت من موقفٍ بسيط جدًا. كنت أتحدث مع أحد المقرّبين، وهو يشاركني معاناته وحزنه على أهله، فقلت له بعفوية:
“لستَ مضطرًا أن تعيش مشاعرهم كاملة، يكفي أن تشعر بهم وتُقدّر ما يمرّون به.”
ثم تذكّرت عبارة نردّدها كثيرًا في التمريض:
“البس حذاء المريض لتفهمه.”
هنا وُلدت الفكرة؛ فبدأت أبلور تفاصيل الخطاب حول فكرة أن نرتدي أحذية الآخرين، أي أن نضع أنفسنا مكانهم لنفهمهم ونشعر بما يمرّون به، دون أن نفقد اتزاننا أو نؤذي أنفسنا نفسيًا. وأن نتخلّص أحيانًا من “الأحذية القديمة”، تلك التي تمثل الأحكام المسبقة والظنون المتعجّلة، لنرى الناس بقلوبٍ أنقى، وفهمٍ أكثر رحمةً وإنصافًا.
فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى من يشاركه الألم بقدر ما يحتاج إلى من يفهمه بصدق، ويعينه على الإبحار وسط أمواج مشاعره العاتية في لحظات الانكسار والتشتت والانزواء، ليجمع قواه من جديد، ولا يستسلم، بل ينهض مرةً بعد أخرى.
ولو استسلم توماس إديسون لما وصلنا إلى ثمار ابتكاراته التي أنارت الحياة من حولنا. ولو استسلم المرضى لما تعافوا. فالعسر يعقبه اليسر، وكأن الحياة تهمس: واصلوا الرحلة، فهناك ضوءٌ عند نهاية النفق
وكان التتويج الأخير في أبوظبي لحظةً مختلفة تمامًا؛ شعورًا من السعادة الغامرة لا يُقاس بثمن. لم أره مجرد فوز، بل رأيته تكريمًا لرحلةٍ جميلة ذُلِّلت فيها العقبات، و خضت فيها التحديات، بفضل الله أولًا، ثم بدعم أولئك الجنود المجهولين الذين أحاطوني بالمساندة والمحبة، وكان لكل واحدٍ منهم بصمةُ خيرٍ لا تُنسى.
لكن كل تتويجٍ حقيقي لا يمنحنا الفرح فقط، بل يمنحنا مسؤولية أيضًا؛ مسؤولية أن نحمل الكلمة بأمانة، وأن نكون سببًا في نفع من حولنا، وأن يبقى أثرنا طيبًا في القلوب.
ولنتذكّر جميعًا ما قاله جون ماكسويل: إن التغيير أمرٌ حتمي، لكن النمو أمرٌ اختياري، ناصيته بيد كل فردٍ منا. فعلى، قدرُ أهل العزم تأتي العزائم.
د. صالح بن عبدالله الخمياسي باحث و مدرب و كوتش في مجال القيادة الذاتية.






