أيام الاستنزاف.. شهادة خالد عبدالناصر

أيام الاستنزاف.. شهادة خالد عبدالناصر

«لم يقل لنا شيئاً قبل أن يغادر المنزل لتسجيل خطاب التنحي في كوبري القبة يوم 9 يونيو 1967. عاد للبيت قبل إذاعة الخطاب، ودخلغرفة النوم وقطع الاتصالات به.. لم يستجب لأية نداءات وضغوط، معتقداً أنه المسؤول الأول عما حدث، ولا بد أن يرحل»«في صباح اليوم التالي ١٠ يونيو/حزيران جلس بملابس غرفة النوم، بيجامة كستور مقلمة، على مائدة الإفطار. لم تكن عادته طوالالسنوات الماضية أن يتناول وجبة الإفطار معنا. ربما تصور أنه قد لا تتاح له فرصة مرة أخرى للجلوس مع عائلته.. لم نتحدث في شيء.. كلمات قليلة ثم يعود الصمت»«الصوت الوحيد المسموع هدير مئات الآلاف التي حاصرت البيت منذ إعلان قرار التنحي. لم يتحرك من مكانه، ولا حاول مرة واحدة أن يُلقينظرة على الجموع المحتشدة، كان يشعر بأنه خذلهم، وكان شعوره عميقاً بالمسؤولية»«وقفت في شرفة حجرتي أتابع المشهد المهيب في الشوارع المحيطة، قلت: بابا الناس عاوزاك. قال بلهجة أدرك معناها، ويدرك معناها كلمن تعامل معه عندما يحزم أمره على شيء: «مالكش دعوة» قطعت أمي صمت المائدة بعبارة ما زالت تدوي في وجداني.. تحدثت باسمأولادها - باسم العِشرة الطويلة - باسم الحب الكبير للرجل والإنسان الذي لم يعد رئيساً، ولا يدري أحد أي مصير ينتظره هذا المساء:«إحنا معاك على الحلوة والمرة».. لم يعلق ولم يجرؤ أحد من أشقائي على التعليق»«عندما خرجت الجماهير بالملايين في شوارع القاهرة تطالبه بالبقاء وتعرض المقاومة، سأل هيكل مستغرباً وحائراً: ليه؟»كان يتصور أن الناس سوف تخرج لتنصب له المشانق في ميدان التحرير، فإذا بها تهتف باسمه في شوارع القاهرة، والمشاعر كانت علىالنحو نفسه في كل مدينة وقرية مصرية وكل بيت عربيتدافعت الأحداث بسرعة، ولم يعد أمام الرئيس خيار، فأمر الشعب لا يرد، كما قال في خطاب العودة الذي ألقاه أنور السادات في مجلسالشعب«ذات يوم من عام ١٩٧٠ كنا على مائدة غداء. لسبب ما قلت: مضت ثلاث سنوات.. كنت أتحدث في موضوع شخصي.. التفت تجاهي، قالكأنه يحادث نفسه: ثلاث سنوات. كانت هذه السنوات قد مضت على النكسة. لم ينس أبداً جرحه النازف»«تعودت أن أنظر في عينيه صباح كل يوم. لو وجدتهما حمراوين أعرف على الفور أن الليلة الماضية شهدت عملية عبور في حربالاستنزاف.. لم يكن ينم حتى يطمئن على عودة مقاتلينا سالمين». «كنا نشاهد مع شقيقي الأصغر عبدالحكيم فيلم كرتون. مر علينا وجلسمعنا. بدا على ملامحه القلق كأنه ينتظر خبراً خطيراً.. فجأة دخل أحد أفراد قوة الحراسة. مال عليه هامساً.. قام متوجهاً لمكتبه.. بعد قليلعاد إلينا والبشر يملأ وجهه للمرة الأولى منذ النكسة: دمرنا إيلات»«قال لي ذات مرة أثناء سنوات الاستنزاف: تصور أن الذين يجتازون الكشف الطبي في الكليات العسكرية ٤% فقط. ده من مواريثالاستعمار والطبقية والفقر الطويل. اهتممنا بالتعليم والصحة وتوفير الاحتياجات الأساسية. ما زلنا في حاجة إلى جهود أوسع»«بقميص أزرق وبنطلون شارك في إحدى المناورات العسكرية. سأل جندياً في خندق: أنت قاعد هنا ليه؟ قال الجندي: ما أعرفش يا افندم. قالوا لي اقعد هنا! ثار ووبخ بشدة قائد المناورة: إنتوا بتعملوا عليَّ تمثيليات. العسكري كان هنا ليه؟ أصدر أوامره بإنزال عقاب على قائدالمناورة، اعتقاداً أن التدريب الصعب يجعل المعركة سهلة، وأن الهزل لم يعد مسموحاً به في إعادة بناء القوات المسلحة»«في 9 مارس 1969، استشهد الفريق عبدالمنعم رياض رئيس أركان حرب القوات المسلحة على جبهة القتال الأمامية. كانت صدمةعبدالناصر باستشهاد رياض صاعقة. كانت ثقته في كفاءته العسكرية بلا حدود.. بإرادة المقاتلين ودماء الشهداء تغيرت مصر ونفضت ثيابالهزيمة. وهو المعنى الذي التقطته مئات الألوف التي خرجت تودع رياض في جنازة مهيبة اخترقت ميدان التحرير»أصرّ الرئيس أن يتقدم صفوف الجنازة، وتحدي إجراءات الأمن، أزاح رجال الحراسة، وذاب وسط الجماهير.. الأمن أصابه الهلع يومها. اقترب أحد ضباط الحراسة منه بصعوبة شديدة: «يا فندم كفاية كده»نهره عبدالناصر، ومضى في الجنازة حتى نهايتها، متأثراً بهتاف الشعب: رياض مامتش. والحرب لسه مانتهتش»«قبل الرحيل بأسابيع قليلة خطر لأمي أن تسأله: خالد حيتخرج السنة الجاية، وأنا عارفة إنك حتبعته للجبهة الأمامية.. قال أبي: أيوه ياتحية»كان تقديره أن الواجب الوطني يقتضيه أن يدفع بابنه لخطوط القتال الأمامية، وفي أول نقطة مواجهة مع إسرائيل. فماذا يقول الناس إذادفع بأولادهم لخطوط القتال الأمامية، وأعفى ابنه من ضريبة الدم«أمي كانت تدرك، عن يقين، أنه سوف يدفع بي لخطوط القتال الأمامية. قالت لي فيما بعد: أنا عارفاه»كانت تلك بعض أجواء أيام النكسة وحرب الاستنزاف في بيت منشية البكري كما رواها لي صديقي الراحل الدكتور خالد عبدالناصر ونشرتلأول مرة على صفحات جريدتي «العربي» و«الخليج» منذ نحو عشرين عاماًأهمية الشهادة في قدر ما تكشفه من جدية فائقة سادت مصر تصحيحاً لأوضاع القوات المسلحة حتى يكون النصر ملك شعب عرضالمقاومة في لحظة الهزيمةكانت حرب الثلاث سنوات، التي يطلق عليها «حرب الاستنزاف»، البروفة الحقيقية والكاملة لما جرى في أكتوبر 1973تجاهل الاستنزاف تجهيل بأكتوبر.. هذه حقيقة عسكرية وتاريخية لا يصح بأي معيار وطني وتحت أي ظرف إنكارها أو التشكيك فيها عبدالله السناوي

قوارب الظل

قوارب الظل

مُرْتَجّاً،يمسك بالشجرهْيجري فيه الرعبُ،لا يدري قدرهْيسْفَعُهُ التيهُعنيفاً،ومخيفاًيُدْمي فِكَرَهْيَنْفَحُها ذَوْبَ الإحساسِ– تمتصُّ خفايا الأنفاسِ– تتبصَُّر طقسَ حكاياهُ– تستقصي سِرَّ طواياهُ– وتقصُّ شواردَ نَجْواهُ– تتأمَّلُهُ– وتحاور ُ جوهرَهُ– تتفحَّصُهُ– وتُشَكّلُ منظرَهُ– تأخذ عنهُ أثرَهْمُهْتزّاً،يحضنُ جسمَ الشجرهْيَجْتَر ُّتفاصيلَ السّاعاتِويرجّعُ إيقاعَ الآهاتِقلقاًينزفُ ماءَ الهذيانْتحنو،وتُهامِسهُ الأغصانْصمتٌ يتكسّرْوهوىً يتفجّرْوالوقتُ حمامْيلهو بسلامْحولَ الشَّجرَهْورفيفُ وئامْيُعْشِبُ سُكْنى نَضِرَهْفرحاًيرقصُ فوق قواربِ ظلِّ الشَّجرَهْيتناثرُ ورداً ضوئيّاورقاً أخضرَ زاهي اللمعانِ،ويَشْدو لحناً ذهبيّايُطْلِقُ للسَّعْدِ جناحاويُغَشّي وجهَ الليلِ صباحاعيناهُ سماءٌ وربيعٌ وكُرومْوحدانيّةُ صمْتٍوفراشُ كلامٍ،في بُسْتانِ الرّوحِ يَحُومْيهدي عِبَرَهْمنتشياً،للأيامِ وللإنسانِ وللشجرهْويضوّءُ في عين الرؤيا خبرهْ. م. سعيد الصقلاوي

أخطر عشر حقائق وتحديات في المشهد الفلسطيني

أخطر عشر حقائق وتحديات في المشهد الفلسطيني

في المشهد الفلسطيني الماثل، تتواصل الأسئلة الملحّة على الأجندة السياسية والاستراتيجية الفلسطينية اليوم ونحن على أعتاب العام2023 أكثر من أيّ وقت مضى، خاصة بعد التطوّرات الميدانية الدرامية على امتداد مساحة فلسطين وآفاقها الحقيقية، وفي ضوء الملفاتالكبيرة المتفجّرة على الصعيد الفلسطيني الداخلي، ومنها على نحو خاص بآفاق الانقسام والوحدة الفلسطينية، حيث هناك حقائق كبيرة فيالمشهد الفلسطيني اليوم، تشكّل تحديات حقيقية في وجه الفلسطينيين، ومن المرجّح أن تستمر في الأفق المنظور، وربما على مدى سنواتقادمة يتوقّع أن تتحوّل خلالها الخريطة السياسية الإسرائيلية نحو المزيد والمزيد من التطرّف اليميني المتشدّد، والانزياح أكثر فأكثرلصالح”أصحاب أرض إسرائيل الكاملة، أو الكبرى أيضاً”، بل ربما تكون مساحة الحقائق-التحديات- الماثلة لاحصر لها، وهي متكاثرة يوماًعن يوم، غير أن أبرزها وأخطرها التالية: الحقيقة الأولى- ان الاجماع السياسي والايديولجي الصهيوني يعتبر “ان فلسطين بكاملها لهم ارض الميعاد بنا على وعد إلهي ولا تتسع الاللشعب اليهودي…! الحقيقة الثانية- ليس وارداً في استراتيجيات الدولة الصهيونية لا تكتيكياً ولا استراتيجياً أيّ اعتبار أو احترام أوالتزام بأيّ تفاهم أو اتفاقيتعلّق بالقضية الفلسطينية المستقلة، وكلهم يجمعون على “عدم السماح باقامة دولة فلسطينية مستقلة”….! الحقيقة الثالثة- أن الاحتلال يواصل إقصاء الفلسطينيين رئاسة وحكومة وشريكاً وشعباً له قضية ووجود وحقوق راسخة..ّ!. الحقيقة الرابعة- أن تلك المخطّطات والخرائط الاحتلالية لا تشتمل عملياً – كما يريد الاحتلال – إلا على هياكل سلطة تبقى بمستوى الإدارةالذاتية من دون صلاحيات حقيقية على الأرض أوعلى أيّ من الملفات السيادية. الحقيقة الخامسة- أن الدولة الفلسطينية الموعودة                                                                                                      دولة”خريطةالطريق” أو”حل الدولتين” ما تزال على الورق فقط، مع وقف التنفيذ، وهذا يُبقي التحدّي الوطني الفلسطيني الأكبر بدلالاته التحرريةوالاستقلالية-السيادية. الحقيقة السادسة الأخطر- أن مشروع الاحتلال الاقتلاعي الإحلالي التهويدي يجري تطبيقه على الأرض الفلسطينية على مدار الساعة مندون الالتفات إلى الفلسطينيين والعرب، أو إلى المجتمع الدولي، والاحتلال يسابق الزمن في بناء وتكريس حقائق الأمر الواقع الاستيطانيالتهويدي في القدس وأنحاء الضفة، وغدت خرائط الاستيطان والجيش هي التي ترسم مستقبل الضفة وفلسطين من بحرها الى نهرها…؟!،وبعبارة تلخّص المشهد : الاحتلال يختطف ويُهوّد الوطن كله من أقصاه إلى أقصاه، فما الرّد والعمل الفلسطيني…؟! الحقيقة السابعة- أن ما يُسمّى بخيار المفاوضات والسلام قد سقط تماماً، ولا يعوّل عليه في تحقيق التطلّعات الوطنية الفلسطينية، ما يعنيعملياً أن حكومة الوفاق أو الوحدة الوطنية الفلسطينية القادمة –نظريا-ستكون أمام استحقاق كبير: الخلاص من الاحتلال بوسائلأخرى….؟!. الحقيقة الثامنة: أن الجبهة الأممية الإعلامية -القانونية –القضائية- الأخلاقية ضد”إسرائيل” غدت تشكّل وفق مؤشّرات عديدة الجبهةالرئيسية للفلسطينيين في الأفق، فكل الساحة الفلسطينية ترى أن هذه الجبهة هي الأهم مستقبلاً، فهل تتبنّى الحكومة -القيادة الفلسطينيةقراراً حقيقياً يعكس إرادة فلسطينية جادّة بفتح ملفات الاحتلال وجرائمه أمام المؤسسات والهيئات والمحاكم الدولية…؟! الحقيقة التاسعة – المشهد الفلسطيني مقبل وفق مختلف التقارير على مرحلة صعبة، تتعلق بما أطلق عليه”تداعيات صفقة القرن” التيطرحها الرئيس الأميركي ترامب بالوكالة عن”إسرائيل”حسب بعض المصادر الإعلامية الإسرائيلية، ولا تعطي هذه الصفقة للفلسطينيينأرضاً أو سيادة ، أو دولة مستقلة: فكيف إذن ستواجه حكومة المصالحة والوفاق هذا التحدّي الكبير الذي تقف وراءه أميركا وإسرائيل ومصرودول أخرى….!؟ الحقيقة العاشرة: تعتبر المؤسسة الإسرائيلية بإجماعها أن الصراع مع الفلسطينيين صراع وجود، والاحتلال يتربّص وأصابعه تلعب في كلمكان، وبلدوزر الإرهاب والتهويد يهدر بلا توقّف، ومبضع الاحتلال يعمل في الجسم الفلسطيني على مدار الساعة… فهل تشكّل هذه الحقائق-التحديات المُرعبة قاسماً وجامعاً بين كافة القوى والفصائل الفلسطينية، لتقف وراء خطة استراتيجية وأجندةسياسية واحدة في مواجهة الاحتلال ومشاريعه التي تستهدف إخراج الفلسطينيين من كافة الحسابات والأجندات الدولية كما أعلن وزيرحربهم ليبرمان منذ وقت قريب….؟! نواف الزرو

Page 2092 of 8557 1 2٬091 2٬092 2٬093 8٬557

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.