الطفولة عالم مدهش وبديع. عالم يتسم بالأسئلة والبحث ورغبة الاكتشاف، كما يتسم بالنقاء والعفوية والتلقائية في السلوك والتعبير. الأطفال كالطبيعة في نقائها الأزلي، وكالفلاسفة في تساؤلاتهم الشاقة، وكالفراش والطيور في ابتهاجهم بجمال الوجود. يجتمع في حديثهم المرح والفوضى والحكمة والكثير من الوعي الذي يبعث على الصدمة. إنهم ذواتنا بشكل آخر، جاءوا ليكملوا مسيرتنا في أزمنة مختلفة. لذا فهم يرثون من ذاكرتنا ما استطاعوا، ويكملون الطريق بكشوفاتهم الخاصة.
في هذه المقالة نتوقف مع حكايات وأحداث طفولية ذات دلالات معرفية عميقة تعكس مدى تفكير الطفل وبساطته في آن معا.
***
تبدأ تأثيرات الإعصار «شاهين» على مسقط، فيأخذ الأب ابنه وزوجته في رحلة سريعة للاستمتاع بمنظر الغيوم وتباشير المطر. الابن الذي يجلس في المقعد الخلفي من المركبة يتعرض لرعاف شديد، ينزف أنفه بغزارة، فيما الوالدان منشغلان بالنظر إلى الأجواء الغائمة وتساقط حبات المطر على نوافذ السيارة.
فجأة تنظر الأم إلى الخلف لترى طفلها وقد غطى الدم ثيابه وكفيه ووجهه. تشعر الأم بالخوف وتبلغ زوجها بالأمر ليسرع إلى أقرب مستشفى. أما الابن فيضحك بفرح شديد ويقول: أنزلوني الآن في الشارع لكي أرعب أهل المدينة بمنظري، أنا الزومبي المخيف. ترد الأم قائلة: «لا تقلق يا بني، الناس يكفيهم الإعصار رعبا، وليسوا في حاجة لمزيد من الرعب يا زومبي الغفلة. هذه نتيجة أفلام الرعب التي تشاهدها مع أبيك طوال الوقت»!
***
في فيلمه (رسالة إلى الله) أو (سوف يأتي الله) يطرح المخرج الإيراني مجيد مجيدي أسئلة عميقة وجارحة تدور في وعي الطفل الذي يجسده (محسن) وأخته (معصومة) اللذين تعرضت أمهما لمرض عضال، وهما ينتميان إلى عائلة قروية فقيرة ليس لديها المال الكافي لنفقات العلاج الباهظة. يسافر الأب بحثا عمن يقرضه المال لعلاج زوجته. الطفل محسن يرى معلمه في الصف يستلم رسالته ويفتحها ثم يبدأ بقراءتها، فيقرر بعفويته وإيمانه العميق أن يكتب رسالة إلى الله يشكو إليه فيها حال أمه المنهكة ويسأله أن يشفيها. يقتني محسن مظروفا وطابعا بريديا، ثم يأتي إلى البيت ويكتب الرسالة بحضور شقيقته، يقول فيها: «سلام يا الله. أن اسمي محسن، وأختي اسمها معصومة. أمنا مريضة، حالها سيئة للغاية، ولا بد لها من الذهاب للمستشفى ليعالجها الأطباء فتشفى. المشفى يطلب مالا كثيرا، لذا قصد أبي المدينة بحثا عن شخص يقرضه مالا كثيرا، وإذا لم يتمكن أبي من أن يأتي بمال كثير فلن تتعافى أمنا. قالت نسوة الحي وقالت جدتي أيضا إن الله يستطيع أن يفعل كل شيء وأن الله يشفي المرضى دائما. الآن أنا ومعصومة نكتب لك هذه الرسالة حتى تقرأ أنت رسالتنا وتأتي إلى بيتنا وتأخذ أمي إلى المشفى. أنت حنون جدا وأنت تحب الأطفال كثيرا. ونحن أيضا نحبك كثيرا… أنا ومعصومة لا نعرف أحدا غيرك أنت لنطلب إليه أن يساعدها. أنا ومعصومة سنأتي كل يوم عند مدخل قريتنا (نرجستان)، وسنبقى ننتظر حتى تبعث إلينا أحدا عنده سيارة لتأخذ أمنا إلى المشفى».
يجري الطفل وأخته مسافة طويلة ليضع الرسالة في صندوق البريد حيث يحملها العمال إلى مكتب البريد. وهناك تعثر موظفة فرز الرسائل على رسالة مفتوحة وفيها بعض الزهور اليابسة برفقتها رسالة موجهة إلى الله. وما إن فتحت الرسالة وقرأتها حتى انهارت بكاء وهرع إليها باقي الموظفين. وبعد قراءة الرسالة يقرر الموظفون أن يتكفلوا بعلاج الأم المريضة ويبحثوا عن عنوان الطفلين للذهاب إلى منزلهما.
المخرج مجيد مجيدي اشتغل أيضا على مفردات الطفولة في فيلمه (الإوز المهاجر). يقول الشاعر والكاتب السعودي عبدالمحسن يوسف عن مجيدي: «أما في (رسالة إلى الله) و(الإوز المهاجر) فينحاز إلى الطبيعة بغنائيتها المتجددة، وإلى أسئلة الطفولة الشائكة وقناعاتها التي تربك وعي الكبار، والشغف بالحرية والمحبة بوصفها غريزة صافية عند الأطفال، بعيدا عما تكرسه مؤسسات التعليم الغبية وما تشوهه كهوف الأيديولوجيا العمياء».
***
يسأل الطفل أباه، وهو ينظر إلى خارطة العالم: يا أبتِ، أليس هذا هو البلد الشرير، الذي ينشر الحروب والدمار والظلم في العالم؟
الأب: بلى يا ولدي. إنه هو.
الابن: إذن لماذا لا نتخلص منه؟
الأب: المسألة ليست بتلك السهولة يا ولدي.
الابن: انظر يا أبي إلى موقعنا على الخارطة. نحن هنا في الأعلى، وذلك البلد في الأسفل.
الأب: هذا شكل كوكب الأرض على الخارطة يا بني، ما دخله في الأمر؟
الابن: أليس بمقدورنا أن نقف هنا جميعا في صف واحد، ثم نركل الأرض بأقدامنا بقوة، حتى نكسر ذلك الجزء السفلي من الكرة الأرضية، فيسقط في الفضاء، ونتخلص منه للأبد؟!
الأب: يا بني، الأرض ليست بتلك الهشاشة، وإلا فإن كل من كان لديه عدو يريد أن يتخلص منه، سيركل الأرض تحته ويتركه يتردى في فراغ الوجود.
***
كانت الأم تحتضن طفلها الصغير ذا الثلاثة أو الأربعة أعوام، وينام في حضنها كل ليلة على رمال الساحل، يفترشان شرشفا بسيطا، وهي تقص عليه حكايات أسلافه من البحارة والغواصين، الذين عادوا والذين لم يعودوا من أعماق المحيطات البعيدة. وتحكي له عن أبيه الذي يعمل في البحرين، وهو ينتظر عودته محملا بالهدايا والحلوى. تهدهده وتغني له تنويمات الأمهات، لا سيما تلك التي تحكي عن عودة الأب الغائب، تخاطب القمر المطل قريبا من سقوف القرية الهاجعة على ساحل البحر، وتطلب منه أن يذهب للبحرين ويأتي بأبي الصبي، فينام مستبشرا بعودة أبيه في الغد، ولكنه حين يصحو صباحا يجد أن القمر قد رحل وأن أباه لم يعد!
***
يُحضِرُ الأب مجموعة من قصص الأطفال لكي يقرأها أبناؤه في البيت. يأتي أصغرهم فيقلّب الكتب متهكّما ويقول: ما هذه القصص الغبية؟ أليس لديكم قصصًا أخرى غير قصص الحيوانات والطيور؟ وقصص البطة التي تذهب إلى الغابة ويستدرجها الثعلب الماكر وينقذها الأرنب الطيب؟ أو الفتاة التي تغويها الساحرة الشريرة وينقذها الفتى الشجاع؟ إن هذه قصص ساذجة. احترموا عقولنا. اعطونا قصصا أخرى!
***
يشاهد الأب مع ابنه الصغير إعلانا تجاريا على إحدى القنوات الفضائية. الإعلان يظهر سيارة مغلّفة، محاطةً برباط جميل، تهبط كهدية من السماء، لتستقر في شارع بإحدى المدن الجميلة. بعد هبوط السيارة يأتي بعض الأشخاص ليأخذوها وتصبح من نصيبهم.
الابن يسأل أباه: أبي، لماذا تمطر السماء هناك سيارات وأشياء جميلة، بينما في البلدان العربية تمطر أشياء أخرى؟
الأب: ماذا تقصد؟
الابن: في فلسطين وسوريا وليبيا واليمن تمطر السماء صواريخ وقنابل ومتفجرات!
الأب: المسألة صعبة يا بني. ستفهمها عندما تكبر.
الابن: أنت كبرت يا أبي، فهل فهمت؟
حينها ترددت في مسمع الأب صرخة دوستوفيسكي: «لا تكبر إنه فخ»!


