مازن حبيب: وجدت فيهما ارتدادًا وانعكاسا طريفا في الكتابة وامتدادا خفيا ومخيفا في الوقت ذاته
- “إيجاد السياق الملائم للمفارقة ضرورة قصوى في التكنيك السردي”
- “القصة فن مُحدد، يُتعرف إليه تمامًا حينما يقرأ، ويمكن أن يتخذ أشكالاً مختلفة ومتنوعة”
- “حساسية الكاتب الإبداعية نحو كتابته هي ما تجعله يوجه بوصلته إلى ما هو قادر على كتابته وخلق تأثيره”
- “بعض شخوص هذه المجموعة ينتمون إلى ذاكرة ما. لكنها ليست انعكاسًا مباشرًا وحرفيًا لواقع ذاكرتي الشخصية”
عندما أخذت “قوانين الفقد” المجموعة القصصية الرابعة لمازن حبيب من على الرف في المكتبة في بيتنا، بدأت كعادتي مع المجموعات القصصية بقراءة القصة الأخيرة، فكانت “بيتي”، وهكذا باتجاه عكسي قصة “من لا يودع يفقد مرتين” ثم “الصف الرابع واو”، إلى “لن يحدث لي مكروه”، وأخيرا مع “لقاء الظهيرة”، وكان ثمة قانون خفي يلزمك أن تبقي الكتاب بين يديك وتكمل القراءة، وفيما كنت أفكر بما يمكن الكتابة عنه -عن قصة “بيتي” بالتحديد- ، وجدتني محمومة بالأسئلة. فتذكرت هولدن كولفيلد، عندما قال أن الكتب التي تثير اهتمامه بالفعل هي التي عندما ينتهي من قراءتها يرغب لو كان يستطيع أن يخابر الكاتب بالتليفون في أي وقت شاء، فكان هذا الحوار…
- من خلال عنوان المجموعة والغلاف الموحي بالفيزياء ولغة الرياضيات، ومداخل القصص، بدا أنك محب للرياضيات والفيزياء، هل يمكن أن تكون الرياضيات والفيزياء منبعا خصبا يمكن للكاتب النهل منه؟
* لا أعلم إن كان يمكن اعتباري محبًا للفيزياء وللرياضيات، إن كان هذا ما بدا لك من خلال ما ذكرت، لكنني كنت مجتهدًا فيهما كحال أي طالب تخصص في المجال العلمي أولاً في سنوات المدرسة، ومن ثم تخصص جامعيًا في تخصص تقني وفني بحت، هو علوم الكمبيوتر، وما أتى من بعده في دراسة الماجستير. علاقتي بهما، سأقول، رسمية وحذرة قائمة على الاحترام الشديد، المشوب بشيء من التهيب المُتفهم أحيانًا حينما يستعصيان. يعتريها اللطف والود والمشاكسة والأوقات الحسنة والعشرة الطيبة حين أستوعبهما دون الانجراف داخليًا باعتقاد أنني بارع فيهما- حتى إن ظهرت مؤشرات على ذلك- أو أخذهما على نحو غير بالغ الجدية. لقد بقي، لسبب أو لآخر، ذلك الغشاء الرفيع -لكن الصلد- بيننا، وربما كان ضرورياً لاستمرار هذه العلاقة. فمن يأمن من الرياضيات والفيزياء، خصوصًا هذه الأخيرة؟ سنجد في كل بيت قصة وأرشيفًا وطنيًا كبيرًا لكل من تعثر في إحدى هاتين المادتين على مدى تاريخنا، لذا حاولت تجنّب الدرس بعدم الوقوع فيه مُبكرًا.
وسأصدقك القول: بالرغم من تحصيلي المدرسي والأكاديمي العالي نسبيًا في هاتين المادتين وما حولهما -التّحصيل المُضلل هذا نفسه الذي قد يُبدي بأنه يمكن أن يجعل العلاقة تتسامى إلى مراتب الحب- ولا أقول ذلك تباهيًا مُطلقًا، بل استغرابًا على الأرجح، وأنا أتأمل حياتي اليوم، بأنني لم أضجر في لحظات الصعوبات الجمة والإحباطات الغائرة، وانسحب من عوالمهما وأريح رأسي، وأكتفي بما أحب، إلا أن ذلك لم يتحقق إلا لسبب عادي لا غرابة فيه؛ هو الاجتهاد والتعلق بإنجاز ما بدأت به وإتمامه. لم يصبح الأمر سهلًا وتلقائيًا لدي مثلما يفترض المرء أن يحدث بعد قضاء سنوات كثيرة من الممارسة والعمل. لذا، يمكن للمرء بشيء من المثابرة أن يفعل الشيء نفسه في أشياء أخرى في الحياة، بما فيها الكتابة، بالمناسبة، إلا أن هذا جعلني أنظر إليهما بمنظور قد يكون مختلفًا.
أقول هذا باستطراد، لأنه، في المقابل، بدا لي وعلى الرغم مما تحمله القوانين والمبادئ من صرامة ودقة في الحلول والنتائج، وقطعيّة في التطبيقات الرياضية والهندسية، وضآلة في التجاوزات والانحرافات، إلا أنني وجدت فيها ارتدادًا وانعكاسًا “طريفًا” في الكتابة، وامتدادًا خفيًا ومخيفًا (في الوقت ذاته) على نحو قد لا يبدو ملحوظًا في حياتنا للوهلة الأولى. بدا ممكنًا بالفعل أن نغترف منها في سياقات أدبية، متى ما استوعبناها أدبيًا، كما تحتم علينا استيعابها رياضيًا وفيزيائيًا أولًا. لم تعد حياتنا إذًا مقسمة بين “العلمي والأدبي”، كما كانت لدي في عام 1997 في الصف الثاني ثانوي – ولعل الجيل الأحدث لا يحمل في وجدانه هذه الذاكرة التقسيمية- حيث انحصرت حدود القوانين فيها على المدرسة والجامعة وربما في شاشات العمل، بينما توارت عن حياتنا “الحقيقية” اليومية تلك التي نتعاطى معها على نحو عملي. لذا أرى بالوعي الذي نتحدث عنه اليوم، مع تأسيسي العلمي وميولي الأدبي تبني هذي الديناميكية التداخلية عند الأخذ بهذا المنظور، وانعكاسها الحياتي أو الأدبي على الأقل، الانعكاس المعنوي، لأننا نعلم أن أساسها أصلاً آت من الأصول المادية للأشياء وفق الإثباتات والبراهين العلمية. أرى هذا الالتماس والانسجام والتعالق على نحو ظاهر أكثر مما نتعامل معه أو نعترف به، وإن كان بشيء من الاعتبارات الفنية التي ينبغي الحرص عليها للضرورات التي تتطلبها الكتابة. ولعلك لاحظت من عنوان مجموعتي الأولى “الذاكرة ممتلئة تقريباً”، وهي العبارة الشائعة وقتها حينما تمتلئ ذاكرة الهاتف بأنني أسعى أحيانًا لاستلال عبارات وحالات مادية وتحويرها قصصيًا وإيجاد مواز معنوي لها، كما سعيت كذلك في “البطاقة الشخصية للعُمانيين”.
- هل اعتمد مازن حبيب في (قوانين الفقد) على الواقع أم لعب الخيال دوره أيضا؟
* يتكرر هذا السؤال على كُتاب القصة (والرواية)، ويأخذ صورًا مختلفة، ولكن بنفس المعنى، الأمر الذي يجعلني أفكر بأننا لا نجيد الإجابة عليه على نحو مقنع، أو أن ثمة شك لدى القراء في هذه الإجابات، ورغبة في معرفة أبعد مما يقال فيه، ولم ننجح في إرواء فضولهم، ولكن حينما يأتي من كاتبة قصة أيضًا، فذلك يجعلني في حيرة من أمري قليلًا!
بالنسبة إليّ، كل ما يكتب في القصة القصيرة، أو الأدب عمومًا خيالي، حتى إن كان منبته أو ملمحه أو جزء منه تلامس مع الواقع أو نبع منه أو بدا ذلك. وبالطبع فإن الكاتب ينهل مما خبره، وشعر به، ولامسه، وأحس وتأثر به، لكن دون أن تؤخذ تجربته الكتابية كانعكاس مباشر لواقعه هو. لذا أظن أن النص القصصي سيكون مُملاً لو كان انعكاسًا حرفيًا للواقع، وحتى لو كان جزئيًا مُستلاً منه، بلا مبرر أدبي وفني وجيه. قد ينطلق الكاتب من خلفيات معروفة ومألوفة، لكنه عليه أن يذهب بها إلى مضارب أخرى وتخوم جديدة.
لذا فإن الواقع الذي نتحدث عنه، ويأتي في القص هو واقع القصة في حدود عالمها. وبالتالي على الكاتب أن يكون مُقنعًا فنيًا لقارئه حينما يدّعي ذلك، ومن عمق نصه دون سواه، حينما يذكر إنه ليس بالضرورة واقع الحياة أو الشخوص أو الزمان أو المكان أو الحدث الذي يمكن أن يتشابه أو يتعارض معه.
قد تكون قصة “لقاء الظهيرة” في هذه المجموعة تحديدًا المُحفز على هذا السؤال، وأفهم ذلك تمامًا، كونها تتكئ جزئيًا على برنامج وشخصية نعرفهما في الحياة الواقعية، لكنّهما شكّلا في هذا السياق ذاته نقطة مرجعية وإحالة رمزية متفق عليها جدلًا. البرنامج والمذيع شخصيتان قصصيتان منفصلتان عن الشخصيتين “الواقعيتين” المعروفتين وتشكلان هنا خلفية قصصية للسارد وصديقه في لقاء الظهيرة الخاص بهما ضمن القصة الأساسية التي تنكشف أحداثها على نحو متوازٍ مع القصة التي يعرفها القارئ افتراضًا “واقعيًا”.
المهم في هذا السؤال هو اعتبار القصة وحدة خيالية متكاملة، وهذا جزء من تركيبها وبنيتها العضوية، مع عناصر داعمة قد تكون مستوحاة من واقع أو ذاكرة ما، لكنها تتخلى عن واقعيتها الحياتية متى ما أصبحت جزءًا من القصة الأدبية. وبالطبع فإن لضمير المتكلم دور محتمل في هذا اللبس بين السارد والكاتب، وقد أتى في جميع قصص هذه المجموعة.
- شخوص القصص أبطال ما زالوا في المدرسة، إلى أي حد ترتبط هذه الحكايات بذاكرة مازن حبيب الشخصية؟
* سأعد هذا السؤال امتدادًا للسؤال الأخير، ولكن سأجيب عنه بطريقة مختلفة قليلًا. بعض شخوص هذه المجموعة ينتمون إلى ذاكرة ما. ينسج الكاتب وينهل من الذاكرة بمفهومها الشاسع والواسع. ثمة ملامح، وأشكال، وألوان، وروائح، وصور، وتشظيات لهذه الذاكرة، لكنها ليست انعكاسًا مباشرًا وحرفيًا لواقع ذاكرتي الشخصية. قد تُستمد من هنا وهناك، لكن مرة أخرى، لا أظن أن الرهان في كون هذه الشخصيات مُستلة من ذاكرة الكاتب الشخصية أو حكاياته، فكما اتفقنا إن ذلك لن يعني القارئ كثيرًا من الناحية البيوغرافية، بل الأهم إن كانت مُقنعة فنيًا له كقارئ؛ في ظهورها ضمن ما يقترحه سياق وجودها في القصة وتحركها وفق أفقها السردي. الأهم أن تتلامس مع القارئ؛ تمتعه، وتدغدغ مخيلته، وتحاكي تجربته، وتحاوره، ويشعر بأنها جزء من عوالمه وطفولته، حتى لو لم يعش أحداثًا مشابهة لها، فهي ممكن أن تحدث وقابلة لأن تحصل بل وقابلة للتصديق، وتمثله بطريقة سحرية ما، وبذلك تحتل حيزًا من الطفولة الإنسانية المتخيلة والمشتهاة التي يحملها كل واحد فينا.
أما المدرسة فلا شك بأنها تشكل أحد ملامح الطفولة الكونية المشتركة في حياة البشر، كونها مسرحًا لكثير من التجارب والذاكرة الأولى. ثم إن المدرسة نفسها هي المحك الأبرز في تلك الفئة العمرية وفيها يتم تجاوز منطقة الارتياح الأولية، لتكون بذلك مرتعًا لشخوص القصص أيضًا في حياتها الموازية حيث تواجه أسئلتها الهامة، وتحقق ذاتها فيها، وقد ظهرت بشكل بارز في ثلاث من قصص هذه المجموعة.
- أوشكنا على البكاء في “لقاء الظهيرة”، و “لن يحدث لي مكروه”، وحبسنا أنفاسنا في “بيتي”، و”الصف الرابع واو!”، وتألمنا في “من لا يودع يفقد مرتين”، كيف تصنع القدرة على التأثير في القارئ؟
* يسرني أن أثارت القصص الخمس كلها أطيافًا مختلفة من المشاعر المتباينة التي ذكرتها. القدرة على التأثير حسيًا هي إحدى سمات الأدب. ثمة عدة أمور في هذا الجانب قد لن نستطيع الإلمام بها كلها الآن. لكني سأسعى إلى الإيجاز في نقطتين أو ثلاث. أعتقد أن حساسية الكاتب الإبداعية نحو كتابته هي ما تجعله يوجه بوصلته إلى ما هو قادر على كتابته وخلق تأثيره. كما أن ثقته وإيمانه بأن القصة التي يسردها- حتى وإن لم تكن تحمل ظاهريًا ذلك في اللحظات الأولى من الكتابة ولم تطاوعه من البداية – سيتحتم أن تكون قادرة، بعد التأني فيها وإنجازها على نقل المضامين الشتى التي تقترحها، وهذا يتطلب قدرًا عاليًا من التروي والانضباط. سأضيف إلى ذلك أيضًا تمكّن الكاتب من التمييز، واستبعاد ما لا يبدو مقنعًا من قصص وأفكار وشخصيات بصرامة، ويبرز هذا في لحظة التحرير الحاسمة.
- مع أنك تقول: (لا شيء يحدث في ظهيرة بلادنا)، إلا أن ذروة الحدث في قصصك كانت في الظهيرة، ناهيك عن كونه قاسما مشتركا في كل القصص، فإلى أي مدى يلعب الزمن والتوقيت دورا في صنع الأحداث؟
* بالمناسبة، كان للمجموعة عنوان جانبي كاد أن يظهر أسفل العنوان الحالي. قررت في النهاية عدم الأخذ به والاكتفاء بـ”قوانين الفقد”، وكادت مفردات من قبيل الظهيرة والطفولة والحنين أن يكون لها نصيب من فكرة العنوان الفرعي الذي تخليت عنه أخيرًا، بعد جولات تجريبية عديدة، لاختبار مواءمتها مع “قوانين الفقد”، واقتنعت أخيرًا أن أي إضافة ستكون غير ضرورية، وإن كانت تتملكني رغبة شخصية فيها لم ألبها.
تمامًا، هذا هو المراد؛ الإيهام بالمفارقة والمراوغة التي تتحلى بهما أحداث وشخصيات القصص (وليس أنا بالمناسبة!). لا يمكن دائمًا الثقة بهذه الشخصيات، أو الاعتداد بما تقوله كحقيقة دائمة ومطلقة، فتصنع أفخاخا سردية للقارئ وتربكه أحيانًا، لذا قد نجد في هذه القصص: أن كل شيء يحدث في الظهيرة، في ظهيرة بلادنا، في حين تُظهر الشخصيات أو تقول أشياء لا تتسق مع ذلك. يتطلب السياق أحيانًا أمثال هذه الشخصيات. القصة فن المفارقة. على سبيل المثال، نفس العبارة عن الظهيرة تلك مأخوذة من قصة “لن يحدث لي مكروه”، فهي توحي بعدم وقوع مكروه على السارد، ولكن قد يختلف القارئ مع هذه العبارة بعد الفراغ من قراءة القصة، ويتساءل في أبعاد هذا التضليل أو التحوير الذي أوهمه به بعد أن يرى الصورة الكلية للحدث. إيجاد السياق الملائم للمفارقة ضرورة قصوى في التكنيك السردي.
- يلحظ القارئ بالإضافة إلى الظهيرة رابطا آخر وهو البيت، فإلى أي حد يشكل البيت منطلقا لبناء عالم سردي يتجاوز حدوده المرسومة؟
* يتجاوز المنزل حدوده المادية إلى المعنوي منها ليشكل البيت والموطن الذي يستقر فيها الإنسان جسديًا ويأنس فيه روحًا. وهذا هو الشد والجذب الذي يحدث مع شخصيات القصص، في ماهية البيت، ومدى قدرة هذه الشخصيات على الانسجام في مكانها، وإمكانيتها في إحداث تغيير لواقعها إلى أن تصل إلى توازن ما سواءً في الخروج منه أو الاستقرار فيه. ثمة صراع في فكرة الاستقرار والخروج، وثمة قلق، بل أن التشكيك يصل ذروته في قصة “بيتي” على سبيل المثال – بكل ما تحمله من غرابة شخصيتها – وهي قائمة على فكرة الانتقال من بيت إلى آخر والعودة إلى نقيضها ولو بصفة أخرى. فالبيتان سواءً الذي تقطنه، أو كانت تقطنه لم يشكلا الملاذ السعيد المفترض أياً كان معنى ذلك بالنسبة إليها، وهي -أي الشخصية- ليست متأكدة بأنها غادرت بيتها السابق للأسباب الوجيهة التي حملتها على المغادرة، وبالتالي كأنما تريد أن تبحث عن ملاذ محسوس ضمن محيط مادي ملموس، كمن يبحث عن شيء لا يعرفه على وجه الدقة تمامًا، ولكنه حينما يجده سيعرف إنه الأمر الذي كان يفتقده أو فقده.
* لن أكون صادقًا لو قلت بأنني لا أقرأه حين أعلم عنه أو عندما يصل إلي -وهو قليل على العموم- إلا أنه أصبح يصل أسرع من أي وقت مضى. الكتابة عن القصة القصيرة أصبحت شبه نادرة، كما هو الإقبال على قراءتها للأسف، والأسباب عصية على الفهم، لكنها ظاهرة عالمية على أية حال، حتى في مجال النشر، على الرغم من كون القصة نظريًا أكثر قربًا من وقع العصر ونبضه من أجناس وأنواع أخرى، ولكننا أعتدنا على ذلك، وليست لدينا توقعات كبيرة في هذه الحقيقة. نكتب كجزء من هويتنا الإبداعية بالمقام الأول، ونتمنى أن نُقرأ على نحو يثير استحسان القارئ ويلامسه ويترك انطباعًا قويًا لديه. يبهجني حين أعرف متأخرًا أحيانًا عن كتابة نقدية أو تناولًا عن قصصي لم أعلم عنه، ويصبح الأمر أشبه بالهدية المفاجئة، أو حين يتم الإشارة إلى إحدى مجموعاتي أو الكتابة عن قصة قديمة نسبيًا فإن ذلك أشبه بإعادة الحياة إلى النص وتجديد روحه، وتعطي أملاً في قدرة العمل على الصمود أمام اختبار الزمن الحقيقي.
يهتم الكاتب ويحب أن يشعر بأنه مقروء، وأعتقد من الطبيعي أن يطّلع على ما يكتب عنه، كنوع من جس نبض كتابته ووقعها ودرجة تلقيها. لكن لا أظن أن عليه الانتظار ويصبح هاجسًا كبيرًا، لأن ذلك قد يطول أحيانًا، وقد لا يحدث!
* إن كان الإخلاص يعني الكتابة وفق أعراف القصة القصيرة، فهذا ما أظنني عليه، وأحيانًا بشيء من التطرف. لكن ذلك لا يعني بالضرورة بأنني لن أكتب سواها. ليس إخلاصًا إلى حد عدم التفكير في خيارات إبداعية أخرى قد تكون ملائمة لما أود كتابته والتعبير عنه، على الرغم من أنني أعد نفسي كاتب قصة في المقام الأول عبر تراكم إنتاجي في أربع مجموعات قصصية. أود الاستطراد قليلاً في ماهية الإخلاص للقصة عند كتابتها، وليس لدى كتابة نوع آخر سواها، إن سمحت لي.
أظن أنه ثمة تساهل وبهوت في بعض الكتابات الشائعة اليوم من حيث نظرتها إلى ما هو قصصي وما هو سردي. قد تبدو القصة مُغرية مبدئياً كخيار للكتابة. أعتقد أن جزءًا كبيرًا من هذا هو عدم الوعي التام بالقصة القصيرة والإمكانيات التي تحملها في مفهومها المستقل والنوعي. القصة فن مُحدد، يُتعرف إليه تمامًا حينما يقرأ، ويمكن أن يتخذ أشكالاً مختلفة ومتنوعة، ويحتمل أن يُذهب به إلى أقصى الحدود في التجريب (الذي أظن إنه لم يجُرب فنيًا بما فيه الكفاية، كونه مازال حديثًا نسبيًا)، دون أن يخرجه عن أصالته القصصية. النظرة التقليدية إلى القصة بأنها حكاية قصيرة (في عدد الكلمات) مسرودة تُحتكر في عناصر الزمان والمكان والشخوص والحوار ببداية ومنتصف ونهاية قد تضعف من قدرتها على الأخذ بالقارئ إلى تخوم أبعد من هذا التوصيف. لست مقتنعًا شخصيًا مثلًا بفكرة وافتراض قلة عدد كلمات القصة (في سبيل الاختزال والتكثيف)، وقد ظهر موقفي الكتابي بشكل جلي في “قوانين الفقد”. يمكن أن تكون القصة “طويلة” وتستطرد في سردها، وتبقى في الوقت ذاته في سياق القصة القصيرة بتماسكها كفن أدبي. إذًا، فعلى الرغم من كون تلك العناصر، العناصر التقليدية أعني، أساسية في تركيب القصة، إلا أنها ليست كافية في حد ذاتها ما لم توظف في خلق الدهشة والمفارقة والمتعة والتأثير على القارئ، بل الرغبة في إعادة القراءة مرة أخرى (كونها تجربة قصيرة نسبيًا وبالتالي تستحق ذلك، متى ما كانت القصة جذابة). ينبغي أن يتحلى الكاتب بحساسية استشعار عالية، ويؤمن بأن كتابته تحمل هذه الرؤى، ويمكنه نقلها عبر عمله إلى القارئ. هذه الحساسية أقرب إلى ترمومتر دقيق يتلمس من خلاله قدرة نصه على فعل الوصول ويحتمل جماليات التأويل المتعددة.
هذا هو الإخلاص في الكتابة ولها عند خيار كتابة القصة القصيرة.


