(1)
أربعة اقتباسات عنك/ لك وحدك:
–أ–
«عاش حياته كمن يفعل شيئًا آخر» (قاسم حدَّاد).
–ب–
«للبحر وحده سنقول
كم كنا غرباء عن أعياد المدينة» (سان جون بيرس).
–ج–
«إذا ما أتى الشتاء، هل يكون الربيع قد تأخر كثيرًا»؟ (شِلِي).
–د–
«قذىً بعينك أمْ بالعين عُوَّارُ
أم ذَرَّفَت إذ خَلَتْ من أهلها الدَّارُ؟
(…)
لا بَّد من ميتَةٍ في صِرْفِها عِبَرٌ
والدَّهرُ في صِرْفِه حَوْلٌ وأطوارُ
(…)
وإن صَخْرًا لَمِقْدامٌ إذا رَكِبوا
وإن صَخْرًا إذا جاعوا لَعَقَّارُ
وإن صَخْرًا لَتَأتَمُّ الهُدَاةُ بِه
كأنَّه عَلَمٌ في رأسه نارُ
(…)
حَمَّالُ ألويةٍ، هَبَّاطُ أوديةٍ
شَهَّادُ أنْدِيةٍ، للجيش جَرَّارُ
(…)
لا تراهُ وما في البيتِ يأكلُهُ
لكنه بارِزٌ بالصَّحن مِهْمَارُ (الخنساء).
(2)
ليست الحياة مشكلة، وليس الموت مشكلة. المشكلة هي نصف الحياة ونصف الموت. أنت عشت الحياة بالكامل، وأنت ذهبت إلى الموت من غير نقصان، تاركًا أنصاف الأشياء لأنصاف البشر.
(3)
–أ–
أين وكيف التقيتك أول مرة؟
عليَّ الآن أن أتذكر كمن ينفض غبار القبر والسنين وشوائب الأيام.
ما حدث هو أن سماء عيسى (الذي كانت علاقتي به بالكاد ابتدأت) قد تواصل معي قائلاً: إن هناك بعض «العمانيين الطيبين» يرغبون في التعرُّف إليَّ. ضمن هذا السياق الذاتي والموضوعي الرِّيبي والتَّوجسيّ الذي كان جاثمًا علينا في تلك الفترة بسبب الظروف الأمنيَّة والسياسيَّة العسيرة بادرتُ بالرد على سماء أني لست راغباً في التعرف إلى أي عُمانيين سواء كانوا طيبين أو غير طيبين أو أولئك الذين يقطنون في البرزخ؛ فقد أتاني ما كفاني من العمانيين الطيبين وغير الطيبين والبرزخيِّين. سماء فهم وساوسي رأسًا وقال بالحرف الواحد: «لا تخاف عبدالله، هاذيلا تراهم عمانيين من فئتي». «فئتي»!: حسن جدًا، لقد وصلت الشيفرة المفضوحة، وقد فَكَكْتُها بنجاح مفضوح أكثر.
في موقف السيارات المزدحم في معرض الشارقة للكتاب، إذًا، كانت هناك سيارة تويوتا سوداء اللون تنتظرني، وقد ترجَّل منها أربعة عمانيين (قلت في نفسي ضمن المزاج الأمني والعبثي الذي كان يعتورني في تلك الفترة: حتى لون السيارة فيه شبهة وكأنها مجلوبة من أحد أفلام العميل السِّري البريطاني رقم سبعة، جيمس بوند، فما ضرَّ لو كان هؤلاء الواقفون قد جلسوا في سيارة لونها أزرق أو أخضر مثلًا).
من ضمن من ترجلوا من السيارة كان ذلك الشخص الذي سأفتقده إلى أن أموت. هكذا، إذًا، التقيتُ أبا طفول للمرة الأولى. وقد كان ذلك اللقاء سريعًا (وتقريبًا كان من باب الاستشعار المتبادَل وعدم التيقن في المجاملات الاضطرارية و«أخذ العلوم والأخبار»). تبادلنا التحية البروتوكوليَّة والحديث القصير (المليء بكل أصناف الشك من قِبَلي)، وهكذا انتهى لقاؤنا الأول. أظن أن الأمر لم يستغرق سوى حوالي ثلاث أو أربع دقائق، خَمْسٌ منها كانت تذهب إلى وزن الشخص الآخر ومحاولة فهم نواياه كي لا يتغدى بك قبل أن تتمكن من الحيازة على سندويتشة «شاورما» في العشاء في الأقل.
للأسف، حياتنا لم تكن قابلة لغير هذه الصيغة الغلوائية المتطرفة.
بعد ذلك نسيت أبا طفول في ماكنة الحياة والانهماكات الكثيرة، ولكن فاجأني سماء عيسى بهذا التواصل: أبو طفول يسلم عليك كثيرًا وينصحك بعدم التهور في الكتابات.
كانت تلك النصيحة بمثابة الأمر غير المُلزِم (وقد كنت أضيق ذرعًا بكثرة «الأوامر» في تلك الفترة لدرجة الخشية من «أمر» بضرورة التخلص من رئتي لصالح بقاء الوطن ضمن الاستراتيجيات الضروريَّة لإبقاء زرقة السماء كما هي بلا أدنى خدش)، وقد استهجنتها – تلك «النصيحة»، عنيتُ– في حينه، وتقريبًا كان عليَّ بذل بعض الجهد كي أتذكر أبا طفول الذي لم ألتقِ به سوى لبضع دقائق في موقف سيارات زوَّار معرض الكتاب في الشارقة. والحقيقة أني لم أكن بحاجة إلى المزيد من «الأوامر» و«النصائح».
من دون أن يعلم، كان أبو طفول يزوِّدني بدرس مبكر في عدم الغلواء من «البارانويا»؛ لأن للحبِّ مكانًا هنا على الأرض.
كانت تلك أول أفضال أبي طفول عليَّ: الإنقاذ من الخوف.
–ب–
في 1983 عدت إلى عُمان جَمَلاً أجربَ ينبذه أهلوه خشيةً من الاستضافات الباذخة التي تحدث بعد منتصف الليل في غُرَفٍ لا يعلم مكانها أحد. أحمد الزبيدي، وسماء عيسى، وعبدالله عبيد، وأبو طفول هم من تواقحوا بفتح الخطر على كافة مصاريعه إنْ في الليل وإنْ في النهار، إنْ في الشّعر وإنْ في النثر؛ إذ أخذوني إلى حُجرات بيوتهم وما تتكتَّم عليه الأحجار.
من يستطيع أن ينسى؟ من يستطيع أن يتذكر؟
(4)
أحارُ فيك:
لا أنت قائد مجموعة الاقتحام
ولا أنت على رأس فريق تغطية الانسحاب التكتيكي.
أذهبُ فيك كَرًّا وفَرًّا:
لأنك أنت القُبلة والقنبلَة.
(5)
تسهو عنك المرايا
ولا تذروك الرياح.
(6)
أخافُ
لأنك لم تَخَفْ.
(7)
ليست قلوبنا ترابًا كي تُصهر، ليست أكبادنا قمحًا كي تُطحن، لَسنا بَرَدًا وما نحن بثوبٍ أبيض، ليست أحزاننا دموعًا كي تُسلق، لكن قلبك شمس لتذوب، وحسنًا فعلت.
(8)
سنأخذك إلى الموت
لا أكثر خشية منك أمام العذارى
ولا أكثر وسامةً منك خلف الطوفان
ولا أرفع دمعة منك في الليل.
(9)
أتذكر، فيما أتذكر، أننا سافرنا قبل ثمان وثلاثين سنة برفقة أصدقاء آخرين إلى تايلاند، لكنّ أبا طفول كان يسبقنا إلى الشاطئ، حيث نجده صَدَفَةً صُدْفَةً يلاطف ويمازح الباعة والبائعات وهو يشرب حساء «تُم يَم كُنغ» البحري.
ابن «حارة الشمال» وجد وجبة «البابلوه» الخاصة به حتى على شاطئ مدينة بتايا.
كيف يمكن تأجيل الظهيرة إذا كان أبو طفول هناك؟
(10)
كل من يقول لك إن أبا طفول كان أكثر رهافة من فَرَاشة فإنه يبالغ قليلًا أو كثيرًا لسببين في الأقل: السبب الأول هو أنه لا يعرف شيئًا عن الطيران وعما تُضْمِرُ الفَرَاشات للذين لا يأبهون بها. أما السبب الثاني فهو أنه – أعني ذلك الذي يقول لك إن «أبا طفول كان أكثر رهافة من فَراشة» — لم يشهده وهو ينتفض واقفًا ومشهرًا قبضة يده النحيلة بحزم صارخ في وجه من أرسلوه لإفساد ما تبقى من تلك الليلة.
حسن جدًا، لقد كان بين أبي طفول وعذابات آخر الليل ميثاق شرف غريب لم نكن ندركه إلا بعد أن يزول الخطر، ونتيقن من أنه لم يعد في وِسْع الليل ما لديه لنا سوى آخر الشوارع والطرقات القليلة المضاءة أمامنا في مسقط التي نَمْخُرُها في سيارة مُتَصابِيَةٍ ترقص على عجلتين (وقد شاهدت فيلم «البرتقالة الآلية» لستانلي كوبرِك بعد سنوات من ذلك).
أما من يقول لك إن أبا طفول كان حديديًّا أكثر مما ينبغي، فعليك أن ترشده إلى ما تبقى من الأعشاش.
وكل من يقول لك إنه فهم أبا طفول وأدرك مغزاه وسر وجوده وفنائه، فعليك أن تأخذه إلى المزيد من المعاجم والقواميس.
(11)
طوال سنوات صداقتنا الوطيدة كان أبو طفول يضع مخدَّة تحت رأس الشمس، وكان يغطي الهلال بشرشف. وفي أثناء ذلك كان يكشف لي (من باب السهو تقريبًا) عن أشياء كثيرة لو عُرِفَتْ لكان ذلك أفضل في فهم حياتنا العُمانية الراهنة. ولكنه طلب مني أن تبقى تلك «الأسرار» بيننا فقط.
وأنا سأحترم رغبته في ذلك إلى أن أموت أيضًا فألتحق به، وإلى أن تحدث الكارثة بالكامل من غير أدنى نقصان.
(12)
سلامًا سلامًا إلى أبي طفول، الأكثر نقاءً ورهافةً في صفوفنا. تحية له لأنه لن يَحْدُثَ لدينا مرة أخرى أبدًا.

