لنْ أتخلّى عنك

يُخيّم الظّلام الدامِس مِن حَول خليل، يكاد لا يرى يديهِ مِن شِدّة عتمة المكان، ماذا حدث؟ هل أخذَته الغفلة وراح في نومٍ عميقٍ حتى أنهُ لمْ يُدرك الوقت إلّا متاخراً، فتح المصباح القريب منه ليكشف عنه تلك العتمة، ثمّ جلس على كُرسي مكتبه متثاقلاً وكأنه يَجُرّ مَعه أطناناً من الأثقال، تأمّل صورة زوجته الجميلة ( ساره)، ذهبتْ غاضبةً منه لبيت أهلها، كل ذلك لأنها اكتشفت أنه كان يُحب امرأةً أخرى، تَنفّس بقوة، تكاد أنفاسه تخترق عنان السماء، كيف تحاسبه على حُبّ أسدل ستاره منذ سنين عديدة، قبل أن تسكن هي قلبه وتمتلك فؤاده ويختارها زوجة تُنير داره وحصينة لأمواله وأولاده.
ترددتْ ضحكاته بصوتٍ هستيري وهو يحدّث نفسه ((لأنك ما زلت تحتفظ بصوَرها وكل كتاباتها معك أيها الساذج)).
ذلك ما اكتشفته زوجته ساره وهي تلتقط حقيبة دبلوماسية سوداء اللون مُخبأة بعناية في زاوية خزانة ملابسه لا تكاد تكتشفها الأعيُن، ولكن عَين المرأة الغيورة التقطتها وهي تقوم بإعادة ترتيب خزانة زوجها.
تفحّصتْ ما بداخل الحقيبة من صُور ومذكرات ورسائل الحب والغرام التي كان يبعثها لحبيبته إبّان سفره للخارج لإكمال دراسته الجامعية، أخذتْ تُقلب الرسائل، رسالة تلوَ أخرى، لتجد بين طياتها المدفونة كلمات الشوق، وعبارات الحُب المجنون، بينما أناملها تنتفض وهي تقرأ تلك الرسائل المنقولة بعبارات الحب الجارف، ونبضات قلبها تزداد خفقاناً كلّما استرسلتْ في القراءة، ويرتفع تدفق الدم لوجهها ليكسوه احمراراً مِن شدة الغضب، أجَل كان يحب شفاء حُباً مجنوناً، فهي التي احتَوته واحتضنتْ أحزانه وآلامه، والأهم من ذلك أنها كانت مُستمعة جيدة حين لا يجد من يُنصت إليه من أهله وصَحبه، كانت شفاء ابنة الجيران التي عشِق خطواتها في الحارة منذ صغره وهما يلعبان معاً، يركضان ويتضاحكان ويتراشقان بالرمل على شاطىء البحر، كانا يدفنان أقدامهما في التربة الرملية القريبة من البحر، فيُحدِثان حركات بأصابعهما لتبدأ أصابعهما بالظهور، وتبدأ أقدامهما بالدغدغة اللطيفة البريئة، كانت حبّه الأول الذي حارب من أجلها الجميع، ولكن مشيئة الله فوق الجميع، أنت تريد والله يفعل ما يريد.
بعد أن استمر خليل تسع سنوات للدراسة في غربته بالخارج، يسابق الزمن في الجدّ والاجتهاد لنَيل أعلى الشهادات بمستوىً مُشرّف، ثم يعود للبلد ليعوض أيام البُعد القاسية وهجران الأهل والأحباب، إن جلوسه في غرفة الدراسة بين أربعة جدران صامتة كئيبة ينتابه بين الحين والآخر شيء من الشوق والحنين إلى الوطن لولا أصوات صُحبةٍ كرام جمعتهم الغربة والمحبة ليستطيع كل واحد منهم أن يسند الآخر وقت الشدة، فعرف الصديق الحقيقي الذي يجاريه ويقف معه لآخر الطريق، وكشفت له الغربة عن الصحبة الفاسدة التي كادت تغمسه في ملذات الخطيئة و دخان المخدرات، ولكن الوازع الديني الذي ترسّخ في نفسه منذ طفولته، وحبه لمن سكنت قلبه وتوسدت خبايا روحه وملكت أفكاره وجوارحه، كانت جميعها حافزاً له للبُعد عن كل هذه التفاهات، فرسم أمامه هدف الوصول لمبتغاه ليستطيع الحصول على شهادة الدكتوراه ويعود لبلده مُحَمّلاً بالآمال والأحلام الكبيرة.
ما إن عاد إلى أرض الوطن، انهارَ عليه كالصاعقة خبر زواج محبوبته شفاء من ((سعيد)) التاجر المعروف، الذي استطاع أن يُثير طمع وحُب أبيها للمال ليرغمه على تزويجه من ابنته، رغم فارق السن بينهما، فوقعت شفاء بين شدة نار الانتظار وشوقها لخليل وحكم أبيها وإصراره على تزويجها من سعيد ((رجل الأعمال)) ، فلن يبقيها تنتظر المجهول الغائب وبين يديه زوج، سخِي، كريم، ولَديه ما يغنيها عن الحب المهاجر.
بقي خليل تائه لفترة من الزمن، ولكنه استطاع أن يُلملم كل أوراقه القديمة ودفنها في تلك الحقيبة، فأبقاها بعيدة عن عيني زوجته التي استطاعت أن تتحمل جفاءه وعدم مبالاته بها ولا بمشاعرها، وكثرة تذمره على أتفه الأمور، ولكنه بالمقابل وجد فيها ومعها الحب الهادئ الصادق و الصبر الجميل، الذي احتوته بطيبتها وحنانها، واستطاع أن ينسيه حبه القديم بكل عنفوانه وقوته، ولكن!
رؤيته المفاجِئة لشفاء بعد كل تلك السنوات جدّد في نفسه الأمل من جديد، جاءت لمكتبه المتخصص في الاستشارات الهندسية لعمل بعض التصاميم في إعادة صيانة منزلها وإدخال بعض التغييرات الداخلية والخارجية كتجديد الديكورات، ودمج بعض التقسيمات الداخلية وإدخال تحسينات جديدة على الواجهة الخارجية للبيت، بالإضافة لتنظيم الحديقة الداخلية مع مَرافقها المطلوبة.
فبعد وفاة زوج شفاء، ترك لها ثروةً طائلة من أموالٍ في البنوك وعماراتٍ وفلل للإيجار ولكن لديها مزرعة صغيرة تُحب أن تقضي معظم أوقاتها هناك، فلجَأت لخليل، الحب القديم لتضرب عصفورين بحجر واحد، الأولى، رؤيته والثانية، التقرب منه من جديد وإعادة الحب القديم لمساره الصحيح.
لم تتغير كثيراً ولكنها بدتْ أكثر حرصاً للمحافظة على جمالها و لباسها وأناقتها وطريقة حديثها معه بدلعٍ ودلال، كان خليل يلمحها وهي تسترق النظر لوجهه، وكلّما تلاقتْ أعينهما أحسّ بغصّة تقبض على قلبه.
بدأت زوجته (ساره) تلاحظ تغييراً في سلوك زوجها، أصبح أكثر هدوءاً في البيت ولكنه بالمقابل أصبح كثير التغيّب عنه بسبب انشغاله بعمله المستمر في المكتب.
وجدت (ساره) نفسها أمام مكتب زوجها، فشَدها الشوق لرؤيته، وانتابتها الدهشة عندما تهادى إلى مسمعها ضحكات نسائية مجلجلة تكاد تُسمَع من بداية ممَر مكتبه، دخلت عليهما بشكل مفاجئ، بدا على خليل الاستغراب والارتباك لوجود زوجته أمامه، ولكنه تمالك نفسه وعرّفها على شفاء بكل هدوء، أنها صاحبة مزرعة وجاءت لمناقشة بعض التصاميم الفنية المُراد تغييرها لمنزلها القديم داخل المزرعة.
لم يخفَ على خليل نظرات الغيرة التي كانت شفاء توجهها لزوجته الغافلة والمُرحّبة للتعرف عليها، لم يخطر ببالها أية فكرة عما يدور بينهما، ولكنها فهمت كل شيء عندما رأت صور شفاء في تلك الحقيبة المخفية.
جلس خليل بهدوء يرتشف فنجان قهوته في مقهى هادئ وجميل ينتظر حضور شفاء التي طلبت رؤيته بشكل مفاجئ بعيداً عن المكتب وزحمة العمل، تعمّد أن ياتي قبلها ليستطيع أن يُرتب أفكاره وحديثه، ولكن شفاء باغتته وجلست مقابِله وكأنها كانت تنتظر وصوله، لتقطع عليه تواصل حبل أفكاره وهي تقول:
تأخرتُ عليك؟
-لا، أحببتُ أن أتقدمكِ لأنها المرة الأولى التي أحضر فيها لهذا المكان وخفتُ أن أتوهَ عنه ولا أستدلّ عليه بسهولة.
تأمّلها هذه المرة بجرأة وهو يقول: لقد أتممنا العمل أخيراً في مزرعتك، وعسى أن ترضيكِ التصليحات التي قمنا بها؟
– لقد كنتَ دائماً متميزاً في كل شيء منذ أن عرفتك، خليل، لقد خسرتك من قبل ولا أريد أن أخسرك الآن، أعرف بأنك ما زلت تحبني ولا تستطيع أن تنكر ذلك.
تأمّلها من جديد وهي تحاول تذكيره بالحب الذي اتّضح أنه ليس حباً، فأجابها صادقاً :
أنتِ لم تكوني حباً فقط بل
كنتِ أجمل أيام طفولتي وأعذب مشاعر الحب في مراهقتي وشبابي.
ابتسمتْ شفاء بخُبث، أخيراً استطاعتْ أن تجعله يعترف بأنه لا يزال يحبها، ولكنه أكمل حديثه مسترسلاً:
كنتُ أحمل ذكرياتكِ وصوركِ معي طوال تلك السنين لأنني لم أجد ما يربطني بكِ إلا تاريخ من ذكريات السنين الخوالي، وصورٌ غُلّفت وطُوي سرابها مع الأحلام، ولكنني احتفظتُ بها لنفسي ربما لأنها تُعَدّ جزءاً من تاريخي المؤلم أتذكره لأخذ الدروس والعِبر لي ولغيري، وإنني قد فقدتُ الإحساس بها ولن يستطيع سراب حبكِ أن يستمرّ مع وجود الحب الحقيقي، لقد انطفأتْ أقمارُه وكمَد اشتعاله وأصبح رماداً تذروه رياح النسيان، علّمتني زوجتي الحبيبة (ساره) أنْ أتغلّب على حبكِ بوقوفها بجانبي وتفهمها للأمور وكيف أكسب ثقتها.
– وأين هي الآن؟
ابتسمتْ شفاء بمكرٍ وهي تكمل حديثها :
لقد تركتكَ لي.
((لم أفعل))
جاءها صدى الصوت من جانبها، إنها (ساره)، تتقدّم أمامها بكل ثقةٍ ثم تكمل:
لمْ ولنْ أتخلّى عن خليل، فهو زوجي وحبيبي ولكني أردتُ أن يكون القرار نابعاً منه وليس فرضاً مني أو لزوماً.
حياتي مع خليل سلسلة مترابطة لا تنفكّ عُقَدها بل تَقوى مع مرور الزمن.
وقفتْ شفاء وهي تنظر لخليل:
لا ينقصني رجُل، لو أردتُ زوجاً بدل الواحد سأجد عشرة يتمنون موافقتي.
أجابتها ساره وهي تمسك بِيد خليل: وأنا يكفيني مَن أُحبه ويحبني.
ذهبتْ شفاء وهي تكاد لا ترى أمامها، كيف يرفضها وهي لديها المال والأراضي والبيوت والعقارات والفلل، من أجلها؟
نسِيَت شفاء أنّ الحب يساوي كل ذلك فعند الميزان يرتفع مؤشّر الحب أمام المال، نَسِيَت أنّ ما ينكسر لا يمكن إرجاعه إلى سابق أصله ولكنْ بالإمكان تحويله لشيءٍ آخَر يمكن الاستفادة منه.
الحياة تُعلّمنا دوماً أنْ نتعلّم مِن أخطائنا وألّا نعود لَها من جديد.


إلهام السيابية

زر الذهاب إلى الأعلى