د. حميد بن محمد البوسعيدي
(نظام الخدمة المدنية، نظام شامل لمبدأ التجانس والتشابه في الهياكل التنظيمية إلا أنه لم يكن جاذبا للكفاءات وأغلب العاملين به يسعون للبحث عن أماكن عمل توصف بأنها غير متجانسة.)
النظرية المؤسسية (Institutional Theory) تدعي بأن المؤسسات على اختلاف أنواعها تتجه نحو التجانس والتشابه عند تطبيق أية أنظمة تخص المنتجات أو الخدمات التي تقدمها، مع أنه ليس بالضرورة أن تكون تلك الأنظمة أو الخدمات المقدمة ذات كفاءة عالية في الأداء. والتجانس يقصد به الخطوات المعمول بها والتي تصل بمنتج معين أو خدمة إلى التشابه والتماثل عند تلقيها من المستهلك النهائي. ويقسم مروجو النظرية المؤسسية هذا التجانس والتشابه إلى 3 أنواع: النوع القسري أو الإلزامي والنوع التقليدي والنوع المعياري، ورغبة في عدم التطويل سوف نستعرض نوعين من أنواع النظرية المؤسسية.
ينشأ التجانس القسري (Coercive Isomorphism) عادة عندما يؤثر التشريع أو الإلزام التنظيمي الذي تفرضه الحكومات أو المؤسسات المشرفة على قطاع من قطاعات الأعمال على آلية عمل وممارسة المؤسسات سواء كانت عامة أو خاصة. بمعنى آخر فإن السياسات الحكومية والتشريع الذي حدث العام الماضي من دمج أو إلغاء لبعض المؤسسات العامة سوف يؤثر في آليات تقديم الخدمات الحكومية وفي تأثر بيئة عملها على المستوى الداخلي والخارجي، لأن هناك تشابها إلى حد كبير في الهياكل التنظيمية للوحدات الحكومية وخاصة المنضوية تحت مظلة الخدمة المدنية، الأمر الذي قد يؤدي من هذا التجانس إلى ارتفاع أو انخفاض مستوى الأداء المؤسسي حسب نسبة التأثير الإلزامي في توحيد أنظمة العمل. فمن الأنظمة المتجانسة على سبيل المثال، النظام الموحد للرواتب والعلاوات بالجهاز الإداري للدولة، التوجه المستحدث لتوحيد صناديق التقاعد، توحيد منظومة قياس الأداء الفردي ليتم تطبيقها على جميع الوحدات الحكومية، وأخيرا إنشاء وحدة قياس الأداء المؤسسي. عليه هذه الممارسات التطويرية في أنظمة العمل هي إلزامية هدفها التماثل أو التجانس في الهياكل التنظيمية، وهذا قد يفسر وجود هذه العلاقة بين النظرية المؤسسية وبين أنظمة العمل الحكومي.
النموذج الثاني للنظرية المؤسسية هو التجانس التقليدي (Mimetic Isomorphism)، بمعنى قيام المؤسسات بتقليد بعضها البعض في نمط العمل أو الخدمة المقدمة وسبب هذا التقليد هو الرغبة في التميز ليكون رديفا للمؤسسات المتميزة التي تم الأخذ بأنظمتها أو هياكلها التنظيمية. على سبيل المثال، مؤسسات التعليم العالي أغلبها تقلد المؤسسات أو الجامعات المتميزة علميا فهي تأخذ بمناهجها في تطبيق أساليب التعليم والتعلم وتطبيق أنظمة الجودة وكيفية تمكن تلك الجامعات من الوصول إلى مصاف الجامعات المرموقة عالميا. في المقابل قد يكون إنشاء وحدة قياس الأداء حسب التوجيهات السامية والتي سوف تتابع أداء جميع المؤسسات الحكومية هو من قبيل أن هذا التوجه وجد سائدا في بعض المنظمات إقليميا وبعض دول العالم وتم الحكم عليه بأنه يساعد في تأطير العمل ويساعد في تسريع الأداء، عليه فإن النهج التقليدي يساعد في إحداث تأثير إيجابي من حيث تحسين بيئة العمل وأيضا تحسين جودة الخدمة. في الجانب الآخر وحسب بعض الدراسات العلمية فإن التجانس التقليدي الذي قامت به بعض المؤسسات البنكية في البرتغال وبعض المؤسسات الصحية نتيجة الضغط الخارجي من وكالات الاعتماد لم يؤد إلى تحسين الأداء قياسا بمؤشر الربحية ولم يؤد إلى تحسين الخدمة الصحية.
في الجانب الآخر فإن نموذج التجانس التقليدي للنظرية المؤسسية التي تشرح وتفسر الهياكل التنظيمية وتأثير ذلك على السلوك الاجتماعي لم يرق للخبراء الدوليين الذين أسهموا في بناء نظام العمل بجامعة السلطان قابوس، بدليل أنه لم يتم توحيد جدول الرواتب والبدلات مع النهج المتبع بمؤسسات الدولة، حيث كان هناك ما يزيد على 7 جداول لكل فئة نوعية من العاملين بالجامعة. وتفسير ذلك قد يكون بأن قياس الأداء للموظف الأكاديمي يختلف عن الإداري أو الفني أو العاملين بالتمريض أو الطب. أيضا كانت نظرة الخبراء الدوليين الذين شاركوا في تأسيس الجامعة بأن نموذج التجانس والتوحيد في الهياكل التنظيمية للمؤسسة التعليمية قد لا يتناسب مع سلوك وطبيعة العمل بالجامعة، لأن نمط الجامعات التي تنشد التميز في الأداء يتم تقييمه من قبل منظمات علمية تنشد التجويد في التعليم، وغيرها تهتم بتصنيف الجامعات ضمن مراتب معينة وبمقاييس معينة، بمعنى أن المؤثر الخارجي له تداعياته في بيئة العمل الجامعي. مع ذلك ففي عام 2013م ارتأت الجهات المشرفة على توحيد رواتب العاملين بالدولة، بأن نظام الجامعات قد يتجانس مع أنظمة الخدمة المدنية وبالتالي من المناسب ضم جامعة السلطان قابوس ضمن النظام الموحد لجدول الرواتب، قد يكون له مبرراته التنظيمية والإشرافية وقد يساعد في تقييم الأداء بين المؤسسات الحكومية عند وضعها في شكل متشابه ومتجانس.
المثال الآخر هو نظام الهيئات والمؤسسات العامة، ذلك النظام، كان غير متجانس مع أنظمة الخدمة المدنية. فكانت كل هيئة أو مؤسسة عامة لها قانونها وهيكلها التنظيمي وسلم رواتبها الخاص، فهي لا تطبق النهج التنظيمي التقليدي العام ولها استقلالية شبه تامة. مع ذلك وعندما كثرت تلك الهيئات وتشعبت مع صغر موظفيها وحجم ونمط عملها، ارتأت الدولة وفي سبيل تجانس المؤسسات الحكومية بأن يتم إلغاء ذلك النظام والذي حدث العام الماضي، حيث برر ذلك من قاعدة المساواة في أنظمة العمل بين موظفي الدولة وعمل تجانس في الهياكل التنظيمية لمؤسسات الدولة. عليه قد يفسر تعديل الهياكل التنظيمية وإلغاء نظام الهيئات والمؤسسات ومواءمتها للنظم الحكومية هو من قبيل التجانس الإلزامي وهو المكون الأساسي للنظرية المؤسسية. كما أن القائمين على إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة وجدوا بأن التنوع وكثرة الأنظمة والقوانين التي تحكم المؤسسات العامة قد يتعارض مع المبدأ العام للنظرية المؤسسية وهو مبدأ التجانس أو التماثل في سلوك عمل المنظمات. هذا السلوك قد يؤثر إما إيجابا في رفع مستوى الأداء أو سلبا في حال كون ذلك التماثل أصلا له مؤثرات خارجية ولا يخضع فقط للتقييم الداخلي للمؤسسة أو بيئة العمل الحكومي.
والمثال الأكثر مواءمة مع النظرية المؤسسية هو نظام الخدمة المدنية، فهو نظام شامل لمبدأ التجانس والتشابه في الهياكل التنظيمية حيث مع كثرة الوحدات التابعة لذلك النظام، إلا أنه كان مؤطرا قانونا بنظام موحد، بالرغم أنه وخلال الحقب الماضية والحالية من إنشاء نظام الخدمة المدنية، يلاحظ بأنه غير جاذب للكفاءات، فأغلب العاملين به دائما كانوا في سعي حثيث للبحث عن أماكن عمل توصف بأنها غير متجانسة أو غير تابعة لذلك النظام. فكان التوجه للقطاع الخاص ونظام الهيئات والمؤسسات العامة ونظام العمل بجامعة السلطان قابوس، أو أي نظام حكومي يوصف بأنه لا يتشابه مع نظام الخدمة المدنية.
عليه فقد يكون إنشاء وحدة قياس الأداء، جاء بعد قيام الدولة باستكمال إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة (الذي كان يغلب عليه كثرة القوانين وأنظمة العمل)، إلى نظام عمل حكومي متجانس ومرتقب من خلال إصدار قانون الوظيفة العامة والذي يتأمل منه أن يكون موحدا ويغطي جميع أنظمة العمل الحكومي. عليه فإن وحدة قياس الأداء أهدافها غاية في الأهمية وهي قد تتجاوز مؤشرات رضا المستفيدين عن الخدمة، إلى قيامها بدور محوري وفاعل في قياس مؤشرات الأداء تتناول طبيعة عمل كل وحدة نوعية من أنظمة العمل الحكومي. على سبيل المثال في المجال التعليمي من الممكن إيجاد مؤشرات لقياس مستوى التسرب الطلابي بين عدد الطلاب المسجلين في الصف الأول وعددهم عند تخرجهم من الصف الثاني عشر، وأيضا مؤشر يقيس التحسن في جودة التعليم الأساسي والعالي، ومؤشر يقيس عدد الطلاب الداخلين بمؤسسات التعليم العالي وعددهم عند التخرج. في المجال الإسكاني قد يكون مناسبا قياس سرعة البت في الطلبات الإسكانية ومدى التطور في التنمية العمرانية خارج محافظة مسقط. أما في المجال الصحي فمن الممكن قياس الأداء بمدى التحسن في الحصول على مواعيد للعمليات الجراحية بالمستشفيات الحكومية والثقة في خدمات الرعاية الصحية.
ونخلص مما سبق، فإن النظرية المؤسسية بشقيها القسري والتقليدي قد تعطي تفسيرا للتغييرات التي تحدث في الهياكل التنظيمية للمؤسسات، هذا التغيير النوعي والكمي ينجم عنه إفرازات في بيئة وسلوك العاملين الذي يؤثر إما إيجابا في ابتكار أساليب عمل جديدة في منظومة العمل الحكومي، أو أن تكون تلك التغييرات في المنظومة تخلق نوعا من الشك في أبعادها وتأثيراتها المستقبلية، وإن كان هذا الشك سابقا لأوانه فيعزى ذلك إلى أنه نظام جديد يحتاج لوقت من الزمن للحكم عليه. مع ذلك فإن الغالبية من العاملين بالقطاع الحكومي ينظر إلى منظومة التغيير التي حدثت بالجهاز الإداري للدولة بنظرة تفاؤلية تستشرف مستقبلا مشرقا بإذن الله تعالى.
• أكاديمي بجامعة السلطان قابوس

