رغم العواصف التي هبت على الخليج العربي خلال العقدين الماضيين والتي لم تكتفِ بإثارة الرمال وحجب الرؤية في الكثير من الأوقات ولكنها وصلت إلى حد زلزلة الأرض وإحداث صدوع عميقة فيها إلا أن كِيان مجلس التعاون لدول الخليج العربي الذي تأسس في عام 1981على أيدي قادة المجلس في ذلك الوقت بقي صامدا قدر المستطاع، وظل القادة الجدد في دول المجلس محافظين عليه ومؤمنين أن المخاطر وكذلك الأسباب الاستراتيجية التي من أجلها تأسس ما زالت قائمة، بل إن بعضهم يذهب للقول إلى أنها تفاقمت أكثر وظهرت أسباب أخرى تدعو إلى بقاء المجلس بل وتقويته وتعزيز مكانته بين الشعوب الخليجية أو بين الكيانات الأخرى المشابهة في العالم. وانعقدت أمس القمة الثانية والأربعون من قمم المجلس على مستوى القادة في دولة المقر المملكة العربية السعودية وسط الكثير من الطموحات التي تحدو – دائما- أبناء الخليج من إعادة اللحمة الخليجية وتعزيز الترابط والتعاون إلى استشراف المستقبل، خاصة وأن دول المجلس قد تجاوزت واحدة من أكبر التحديات التي مر بها الخليج العربي منذ سبعينيات القرن الماضي.
وتفرض الظروف المحيطة بالمنطقة وما تشهده من متغيرات سياسية واقتصادية بل وثقافية في أن تعمل دول المجلس مجتمعة مع شعوبها على إعادة المجلس إلى صدارة المشهد وتجديد الكثير من الأحلام والتطلعات التي كانت تحيط بالخليجيين في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي عندما كان المجلس أحد أهم التجارب «التعاونية» التي عملت الشعوب الخليجية على إنجاحها قبل القيادات. وإذا كانت التحديات في عام 1981م، السنة التي تأسس فيها المجلس، كبيرة ومصيرية وتمس وحدة جميع الدول الخليجية فإن الكثير من تلك الهواجس والتخوفات والتحديات ما زالت قائمة حتى اليوم وظهرت إلى جوارها تحديات أخرى أشد خطرا تتعلق بالهُوية والثقافة وكذلك تتعلق بالمبادئ والقيم وبناء الاستراتيجيات الأمنية والسياسية التي تجمع دول المجلس. وأمام كل هذا المشهد لا تملك الدول الست مجتمعة إلا أن تتجاوز خلافاتها الطارئة وتتماسك وتحاول جاهدة توحيد العمل على تجاوز التحديات على مبدأ «المصير المشترك».
وإذا كان التحدي الأمني ما زال منذ تأسيس المجلس يتصدر جدول التحديات التي تعالجها القمم الخليجية فإن التحدي الاقتصادي اليوم يكاد يكون معادلا أو متجاوزا للتحدي الأمني، بل إن التحدي الأمني يدخل في هذا الوقت من باب الاقتصاد الذي شهد تراجعا كبيرا نتيجة انهيار أسعار النفط في السنوات الخمس الماضية وجاءت جائحة كورونا وعمقت ذلك الانهيار. وكان ملف استعادة النمو الاقتصادي في دول المجلس حاضرا ضمن أولويات القمة أمس وكذلك توحيد الجهود الخليجية في مواجهة جائحة كورونا التي تركت آثارا صحية بالغة في جميع دول العالم وأسهمت في خلق آثار اقتصادية ليس من السهولة تجاوزها على المدى القصير.
ولا شك أن القمة الخليجية التي عقدت أمس، وسط الكثير من التفاؤل، قد وضعت أمامها موضوع تحقيق شراكات استراتيجية أكثر رسوخا بين دول المجلس وبينها وبين الكيانات العالمية مثل الاتحاد الأوروبي والصين إضافة إلى الشراكات التقليدية الراسخة.
وهذا ما ستكشفه الأيام القادمة مع عود الكثير من اللجان الخليجية إلى العمل وكذلك الاجتماعات الثنائية التي تفعل قرارات القمم وتضعها على طاولة العمل.

