كتب: عبدالعزيز الكيومي
مسارٌ خالج نفسي فوضعته على طاولة رفاق الدروب العسرة فما فتئنا إلا وقد قذفنا السفح للجبل، وعانقنا الكون بقبضة أيادينا، فنخال أننا أصبحنا سادته.
لم تكن عروسة وادي السق بلدة “المزارع” التابعة لولاية الحمراء بالغريبة علي فقد زرتها في العام المنصرم، ولكن هذه المرة كانت الخطة أن نصل إليها من المسلك الأقرب رغم وعورته، فاستعنت بأحد هواة المشي الجبلي-عبد الله العبري-لوصف الطريق، في حين تولى الصديق “عبد الله الهطالي” مهمة التنسيق مع جماعته في “المزارع” ليشعرهم بزيارتنا للمكان.
صلينا الفجر عند مسجد “المَلَح” على الطرف الأعلى لقرية “وجمة” وبعدما تزوّد الرفاق بالماء، والطعام حملنا حقائبنا متوكلين على الهادي، ويتقدمنا دليلنا “بدر” بينما القائد “إبراهيم” يتفحص جاهزية الفريق بالتنقل بين أعضائه، وعند “عين الحبنة” كانت قهوتنا وملامح الدهشة، والسعادة ترتسم في وجوه من يزور هذه البقاع لأول مرة.
بعدها استأنفنا المسير وإطلالة السحتن العظيم تغذي أبصارنا وتبعثُ فينا مفاهيم للحياة لا نجدها إلا في تلك الممرات و(السيبان)، أو ما يحاكيها من إطلالات سحتنية لا يختلف عليها أحد، ورغم تكرار مروري على هذه الأماكن إلا أنّ أُنسي، وسعادتي بالمكان يزداد مع كل زيارة.
طلب الرفاق وقفات لالتقاط الصور عند مسجد “لِمعلّة” وعين “الهيامة” مرورًا ب”القديرات” وعند “عقبة الشواغي” بدأنا نرتقي إلى قمة الجبل لنصل إلى البرزخ الفاصل بين السحتن الرستاقي، وولاية الحمراء ومن تحتنا أودية سحيقة يطلق عليها “الغيران” منها وادي النمر الذي يبدأ من عند شرف الهويب ووادي العزوقية من عند كهف ساب النار وغور النقع الذي يقع بينهما وهناك أغوار أخرى ترفد وادي السق، الذي يمر على “المزارع” و”مسفاة العبريين” مخترقًا ولاية الحمراء ليتغيّر مسماه هناك إلى وادي “المدعام” بعد أن تتجمع فيه عدّة أودية أخرى.
عند أقرب غور تحتنا بدأت رحلتنا الاستكشافية فالفريق بأكمله لم يكن لديه دراية فيما سيواجهه في باقي الطريق المجهول لنا والذي يمر عبر أغوار، وأودية سحيقة تغطيها كثافة الأشجار ومن على جوانبها حواجز جبلية عالية الارتفاع.
بدأ السير في المجهول باتجاه المعلوم والفريق يحاول استكشاف الطريق مستعينين بخبرات “بدر، وإبراهيم، وأحمد، وسامي” ولم يخلو المسار من انقطاعات بسبب “الميابين” أو لأسباب أخرى يستحيل معها المواصلة ولم يكن البديل إلا أماكن خطرة نعتمد فيها على أطراف أصابع أقدامنا، وأيدينا وهذا ما زاد الأمر متعةً، ولم تسلم أجسامنا من الجروح البسيطة التي خلفتها أغصان الأشجار الكثيفة في تلك الأغوار.
بعد عملية استكشاف وبحث بدأنا نسلك الطريق الذي سلكه الأسلاف فهناك آثآر ومعالم تدل على استيطان الإنسان لهذه الأماكن مثل “الجاهلية” التي عبرنا بمحاذاتها وكذلك من يأخذ مسلك وادي العزوقية سيجد “كهف لِغشار”، و”وقيف الغبرا” وغيرها من الأماكن التي استوطنها الإنسان في تلكم الزرابي المبثوثة.
على أطراف بلدة “المزارع” وجدنا “كور لِبلول” المليء بالماء البارد، والنقي فاحتفلنا بوصولنا فيه بين سباحة، وقفز، واستعراض وما أن شعر شباب المزارع بقدومنا إلا والسكين قد حُدّت، والتيس قد ذُبح، والسعادة تعلو محياهم فأغرقونا بكرم الخصال، والفعال.
بلدة المزارع هي قرية زراعية هجرها أهلها منذ سنوات خلت وليس بها إلا عامل باكستاني الجنسية يعمل على رعاية مصالح الأهالي من زراعة، وماشية أما الشباب فهم يديرون دفة العمل من خلال التخطيط والعمل في الإجازات وخاصةً الأعمال التي تحتاج إلى مهارة، وهندسة-وقد أوردت وصفًا مفصلًا لهذه البلدة في مقالٍ سابق-.
تولى أبو اليمان طهي الذبيحة بحكم نَفَسه العالي في الطبخ بينما باقي المجموعة أكملت سهرتها منصتين لأحاديث أحمد الهطالي، وابن عمه عبد الملك وبعد تناولنا لوجبة العشاء المميزة انهالت المدائح الصادقة على الطبخة، ونوعية اللحم فهتف أحدهم: (هايشة راعية بوت، وطابخنها إبراهيم)-معبرًا عن إعجابه الشديد-واختتمنا السهرة بشاي من إعداد المتخصص سيف.
توزع الرفاق في مبيتهم بين العريش، وأسطح الغُرف فالطقس برودته مناسبة، لننعم بنومة هادئة، وعميقة وفي الصباح الباكر وبعد الصلاة، والريوق تمنى الجميع لو يكملوا يومهم في تلك الربوع الطيبة مع ثلة من خيار الناس ولكن الارتباطات حالت دون ذلك.
ودعنا أحمد، وعبد الملك بينما رافقنا مصطفى المغيري في جزء من الطريق بغية الاستكشاف والرياضة ثم سيعود فاتخذنا القرار بأن نسلك درب العارض الغربي لوادي السق، لذلك مشينا في الساب الذي يوصلك إلى قرية الدار البيضاء مع اختصار نصف طريق هذا الساب عبر شرجة تخرجنا أعلى من هذه القرية، ثم أكملنا الطريق صعودًا نحو الشمال مرورًا بسدين صغيرين يزودان الرعاة بالماء لماشيتهم ومن بينهما بتجاويف صخرية (قلوت) يقال لها “قلال البابو” فتزود بعضنا من مائها، ثم مررنا بجانب بركة رأس الدعن لنسلك بعدها درب ساب العتمة التي توصلنا إلى بركة الحرف الكامنة على حرفٍ ظاهر (الحرف هو امتداد قاري يفصل بين واديين)، ثم أكملنا مشوارنا إلى “مسيبة الحوض” التي بدورها أوصلتنا إلى حوض القطّار حيث كانت قهوتنا مع تناول وجبة خفيفة، بعدها ودعنا “مصطفى” بينما أكملنا نحن مشوارنا نحو صفح حبشة، والعزوقية، وكهف ساب النار، وقد أَدهش الرفاق منظر القرى السحتنية من جهة، وقرى ولايتي الحمراء، وبهلاء من جهة أخرى.
عند العصر هبطنا من درب صفاة سنورة التي أنعشت قلوبنا بدروبها الممتعة، مرورا بالقبيل ومعلنين نهاية الرحلة عند “كور المَلَح” في قرية وجمة، لنطوي سيرة رحلة استكشافية شاركنا فيها رفاق دروب الجبل الأخضر، وأكرمنا بها أهل بلدة المزارع، فأهدتنا تلك الرواسي ذكريات باقية لا تميد رغم اضطراب العالم.
المشاركون:
١- إبراهيم اليعربي.
٢- عبد الله الهطالي.
٣- بدر العبري.
٤-أحمد الخروصي.
٥- سامي الهطالي.
٦-ناصر العامري.
٧- سيف الجابري.
٨- هزاع العويمري.
٩-خميس الخاطري.
١٠- ناجي العويمري.
١١-مصطفى المغيري.
١٢- عبد العزيز الكيومي.










