مثل الأمس في 11 ديسمبر/ كانون الأول العام 1911، ولد الراحل نجيب محفوظ في بيت بسيط يطل على ميدان “بيت القاضي” ودرب “قرمز”. لدرجة حبه للحياة الشعبية وشعب بلده، لم يتوقع أبناء حارته وبلده أن الراحل سيروي سيرتهم للعالم.
الأديب المصري، الذي حاز جائزة نوبل للآداب، وقدم للعالم صورة للمجتمع المصري برواياته التي تدور أحداث أغلبها في القاهرة المدينة التي عاش فيها قرابة 95 عاماً قبل أن يرحل نهاية أغسطس/آب 2006، كان قريباً من شعبه، كان عمق وإمتداد بساطة هذا الشعب، معجوناً بتلافيف معاناته وكل الأحداث التي مرت بهم، جعل قلمه مدافعاً عنهم وناصراً لهم، ومخلصاً لهم، بدأ مسيرته في الكتابة الواقعية بروايات “القاهرة الجديدة، خان الخليلي، زقاق المدق، السراب، بداية ونهاية” ثم “بين القصرين، قصر الشوق، السكرية”.
حرص الراحل على تخصيص كتاباته للبيئة الشعبية التي إنطلق منها، فلقد إتخذ مقهى الفيشاوي شهرته وبريقه، بفضل الأديب المصري العالمي، لأنه كان مقهاه المفضل، حيث شهد المقهى الكثير من المسودات الأولى لرواياته، وكان بمثابة فضاء حي يلتقي فيه أصدقاءه ومحبيه من الكتّاب والفنانين وبسطاء الناس الذي كان قريباً من جميعهم.
ومن أشهر رواد المقهى جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده والرئيس الجزائري بوتفليقة والرئيس اليمني علي عبد الله صالح، والرئيس السوداني الأسبق جعفر نميري، وعمرو موسى أمين عام جامعة الدول العربية. ومن زبائن المقهى من الفنانين، أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وسميحة أيوب وكمال الشناوي وعزت العلايلي وفاروق الفيشاوي وليلى علوي ومحمود عبد العزيز ونور الشريف وعادل ادهم واحمد زكي وغيرهم.
بدأ نجيب محفوظ الكتابة منذ ثلاثينات القرن الماضي، واستمر في ذلك حتى عام 2004، وأثرى المكتبة العربية والعالمية بعشرات المؤلفات الأدبية، وعرف عن الراحل إخلاصه للكتابة، وكذلك التحفظ في أحاديثه للصحافة؛ إذا كان يفضل طرح أرائه الفلسفية وأفكاره للكتابة الأدبية، في زقاق المدق” كتب: (أي واحد منا تستقبله الدنيا كملك من الملوك، ثم يصير بعد ذلك ما يشاء له نحسه، وهذا خداع حكيم من الحياة، وإلا فلو أنها أفصحت لنا عما في ضميرها منذ اللحظة الأولى لأبينا أن نفارق الأرحام)، وفي “الحرافيش”: (عاشر الزمان وجها لوجه بلا شريك، بلا ملهاة ولا مخدر، واجهه في جموده وتوقفه وثقله، إنه شيء عنيد ثابت كثيف، وهو الذي يتحرك في ثناياه، كما يتحرك النائم في كابوس)، أما في “الكرنك” فكتب: (من العبث أن تناقش عاشق في عشقه)، وفي السكرية: (من المستحسن دائما أن يتأمل الإنسان ما يراود نفسه من أحلام، على ذلك فالتصوف هروب، كما أن الإيمان السلبي بالعلم هروب، وإذن فلا بد من عمل، ولا بد للعمل من إيمان، والمسألة هي كيف نخلق لأنفسنا إيمانا جديرا بالحياة)، وفي قشتمر: (الموت يبدأ بالذاكرة، وموت الذاكرة أقسى أنواع الموت، ففي قبضته تعيش موتك وأنت حي)، وفي خان الخليلي: (الحياة مأساة والدنيا مسرح ممل، ومن العجب أن الرواية مفجعة ولكن الممثلين مهرجون، ومن العجب أن المغزى محزن، لا لأنه محزن في ذاته ولكن لأنه أريد به الجد فأحدث الهزل، ولما كنا لا نستطيع في الغالب أن نضحك من إخفاق آمالنا فإننا نبكي عليها فتخدعنا الدموع عن الحقيقة، ونتوهم أن الرواية مأساة والحقيقة مهزلة كبرى).
هذه الأعمال غيض من فيض لعظماء كانت بيئتهم هي غذائهم الروحي التي فجّرت إبداعهم وأبحرت بهم نحو العالمية، مثل الأديب العالمي نجيب محفوظ، ليس كبعض الروائيين اليوم، حتى الرواية تشعر بها (غربية) أو مقلدة، لا تعكس شخصيتهم أو بيئتهم، وكأن البساطة أمر غير حضاري بالنسبة لهم، وهذا خطأ يقع فيه الكثير من أجيال اليوم، وكأنهم من عالم غير العالم الذي نعيش فيه، أستطيع تسميتها (سرقات أدبية)، كالآداب الغربية عموماً، فالكاتب الحقيقي الذي يريد حقاً أن يكون كاتباً بمستوى نجيب محفوظ أو إحسان عبد القدوس أو يوسف إدريس يجب أن يعتمدوا البساطة والتقرب من كل الشرائح.
حتى أصحاب النفوذ من رؤساء وسياسيين، كانوا معجبين بأسلوب هذه الأسماء الكبيرة، وهنا أستحضر أمراً من الممكن أن أسميه بالسر، حول كتاب “البحث عن الذات”، للرئيس المصري الراحل أنور السادات، وهو كتاب يتمحور عن مذكرات السادات، لكن هل هو الذي كتب الكتاب؟
إن من كتب كتاب “البحث عن الذات”، هو الكاتب المصري الكبير يوسف إدريس، وهذا يعود لشدة إعجاب السادات بأسلوبه الكتابي، وتأثيره عليه، فلقد أثر على الرئيس آنذاك، لدرجة أنه طلب منه أن يكتب له هذا الكتاب ويضع اسمه عليه، فمن يريد أن يكون قريباً من الناس، كل الناس تحاول أن تحذو حذوه، لا كحال اليوم سرقات من الأدب الإنكليزي أو الفرنسي وغيرهما، لتحقق النتيجة كن قريباً من الشارع بكل ألوانه وأطيافه، وقريباً من همومهم ومشاكلهم، وأحوالهم الإجتماعية، وثق ستخط أروع الروايات الأدبية، الإلهام يأتي من خلال الناس والظروف المحيطة، وستجلب أروع الأفكار للإبداع، فتناقضات الشارع تخبر الكثير الكثير، فالأديب نجيب محفوظ سر إبداعه ومحبة الناس له هي بساطته، بالكتابة وبالأفكار وعلاقته مع الشارع البسيط، وهذا ما جعل أعماله تتحول إلى مسلسلات وأفلام سينمائية.
وعندما أكون في مصر، دائماً ما أحرص على لقاء كل القامات الأدبية والفلسفية والسياسية والدينية، لرؤية تجاربهم والإستماع إليهم عن قرب، فهم زاد معرفي لكل طالب علم ومعرفة وثقافة، وكان لي شرف لقاء الراحل نجيب محفوظ وعن طريق صدفة هي الأحب إلى قلبي، في قهوة الفيشاوي وجلسنا سوية وتكلمنا لدقائق قليلة لكنها طبعت في قلبي وذاكرتي ووجداني، ولاحظت كيف يمسك قلمه وكيف يتعامل مع الأشياء من حوله ومع الناس، وكيف يتأمل، وسره مع خان الخليلي وشارع الحسين، فلا عجب وهو إبن تلك الأماكن التي فيها مسحة روحانية وفيها عبق التراث، إذ تستطيع أن تختصر مصر في المكان الذي يجلس فيه الروائي الراحل نجيب محفوظ.
بكل صدق، تعجز يدي في التعبير عن عظمة هؤلاء الكبار، تراهم وكأنهم تراث، إرث، تشتم رائحتهم بعبق التاريخ، ورائحة الورق، وفنجان الشاي المصري الأحمر، أسعد جداً، عندما أقرأ لهم وأكتب عنهم وأفخر للقائي بالمعاصرين منهم، ومنهم الخالد في ذاكراتي، الأديب نجيب محفوظ، فيجب لمن يريد أن يكون أديباً كبيراً، يجب أن يكون مؤثراً في المجتمع وفي الحياة السياسية والإجتماعية وغير ذلك.
د. عبدالعزيز بن بدر القطان







