أن تكون مسلماً، عليك أن تكون مسلّماً أمرك ووجدانك كاملاً إلى الله تبارك وتعالى، تقدّس ما أمرك به، وتنهى عن ما يغضبه منك، أن تكون مسلماً، أن تجل وتحترم كل من نذر نفسه لله سبحانه وتعالى، فالتعبّد أمرٌ جلل، لا يفهمه إلا كل صاحب روحٍ صافية مخلصة وصادقة. فلا أجمل من سيرة الصالحين لشحذ الهمم الإيمانية والروحانية ولا أجمل من أن تكون البداية مع سيرة النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم خاصة المعتنى فيها لتتوالى السير العطرة لآل بيته وصحابته وكل من سار على دربه من بعده على مر التاريخ.
إن الإبحار في عظمة الإسلام، أجمل متعة عرفتها البشرية، في حضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفي حضرة آله عليه السلام، وكل محبيه من بعده، الخاشعون المتعبدون، وكيف وإن كانوا من آل البيت ومن شجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وسيرهم العطرة وخشوعهم وإيمانهم الكبير، إن أهل البيت عليهم السلام، عقيدة إسلامية أوصى بها الله تبارك وتعالى، قال تعالى في محكم كتابه العزيز: “إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا”، فكل من أوصى الله سبحانه وتعالى بهم، نعزهم ونجلهم، من أي مذهبٍ كانوا، فأنصار أهل البيت هم أنصار الله تعالى جميعاً، قال تعالى: “قُل لاَّ أَسأَلُكم عليه أَجرا إلاَ المودة في القربى”، من هذه الآية الكريمة وقوتها الروحانية لوصايا الله تعالى، يجب أن نهتم بسير آل البيت الكرام، فلا أجمل من الحديث عن سيدة العلم ونفيسته، السيدة نفيسة إبنة الإمام الحسن الأنور بن زيد الأبلج ابن الإمام الحسن ابن الإمام علي بن أبي طالب عليهم السلام.
لم يشغلها لا عز ولا جاه عن العبادة، عابدة، زاهدة، شربت العلم مع حليب طفولتها، وأخذت من والدها كل ما تحتاجه من علوم في دنياها، تمنت على الله أن يرزقها زيارة قبر الخليل إبراهيم، وأكرمها الله بزيارة القبر، وفي يومها الأخير قرأت “سورة الأنعام”، ووصلت إلى الآية الكريمة “لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون”، عن السيدة نفسية بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام.
السيدة نفيسة ابنة “الحسن الأنور”، هي حفيدة “الحسن بن علي” عليه السلام وزوجها “إسحق المؤتمن” هو حفيد “الحسين بن علي” عليه السلام، وكان والدها والياً على “المدينة المنورة” في زمن الخليفة العباسي “المنصور”، ولدت في العام 145 للهجرة في مكة المكرمة، وعاشت في مصر من العام 193 للهجرة – 208 للهجرة. فجدها الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام، وجد زوجها المؤتمن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام، فأكرمها الله تبارك وتعالى أن تكون كنة حفيد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وحفيدة حفيده عليه السلام، فما أجمله من تكريم، وما أعظمه من نسب، فلا عجب أن تكون السيدة نفيسة (جوهرة نفيسة) ودماء الطهارة جرت في عروقها.
كانت السيدة نفيسة عليها السلام، عابدة، زاهدة، قانتة لله، مُجابة الدعوة، اجتهدت بالعبادة حتى أكرمها الله بكرامات عديدة، أتمت حفظ القرآن الكريم وهي في الثامنة من عمرها، كانت تذهب إلى المسجد النبوي وتتلقى العلم من علمائه وشيوخه، حتى حصلت على لقب “نفيسة العلم” قبل أن تصل لسن الزواج، وحجّت أكثر من ثلاثين حجة أكثرها سيراً على الأقدام، تزوجت “إسحاق المؤتمن” ابن جعفر الصادق عليه السلام، وبزواجهما اجتمع نور الحسن والحُسَين عليهما السلام، وأصبحت السيدة نفيسة كريمة الدارَيْن، وأنجبت لإسحاق ولداً وبنتاً هما القاسم وأم كلثوم. لم أبالغ إن قلت إنها من أعظم نساء الأرض. استمرت السيدة نفيسة في حياة الزهد والعبادة تقوم الليل وتصوم النهار حتى طلب منها زوجها ذات يوم أن تترفق بنفسها فقالت: “من استقام مع الله كان الكون بيده وفي طاعته”. عرفت أنها لكي تفوز بالجنة فلابد لها أن تجتهد في العبادة وتبتعد عن ملذات الدنيا اللاهية فتقول: “لا مناص من الشوط في طريق السعادة فمن تخطاه وصل”.
رحلتها إلى مصر
في عام 193 للهجرة وصلت السيدة نفيسة عليها السلام إلى مصر واستقرت في الفسطاط بدار ابن الجصاص وهو من أعيان مصر، استُقبلت باحتفال شديد وسُر أهل البلاد بقدوم حفيدة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. واستمرت في استقبال الناس وتوافدهم عليها يلتمسون منها العلم، وتقول الروايات إن السيدة نفيسة عليها السلام قادت ثورة الناس على “ابن طولون” لما استغاثوا بها من ظلمه وكتبت ورقة فلما علمت بمرور موكبه خرجت إليه فلما رآها نزل عن فرسه فأعطته الرقعة التي كتبتها وفيها “ملكتم فأسرتم وقدرتم فقهرتم وخولتم ففسقتم وردت إليكم الأرزاق فقطعتم، هذا وقد علمتم أن سهام الأسحار نفاذة غير مخطئة لا سيما من قلوب أوجعتموها، وأجساد عريتموها فمحال أن يموت المظلوم ويبقى الظالم، اعملوا ما شئتم فإنا إلى الله متظلمون وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون”.
وصلت السيدة نفيسة عليها السلام إلى القاهرة قبل أن يأتي إليها الإمام الشافعي بخمس سنوات، ونزلت بدار سيدة من المصريين تُدعى “أم هانئ”، فأخذ يقبل عليها الناس يلتمسون منها العلم، حتى ازدحم وقتها، وكادت تنشغل عما اعتادت عليه من العبادات، فخرجت على الناس قائلة: “إني كنت قد اعتزمت المقام عندكم، غير أني امرأة ضعيفة، وقد تكاثر حولي الناس فشغلوني عن أورادي، وجمع زاد معادي، وقد زاد حنيني إلى روضة جدي المصطفى” ففزع الناس لقولها، ورفضوا رحيلها، حتى تدخَّل الوالي السري بن الحكم وقال لها: “يا ابنة رسول الله إني كفيل بإزالة ما تشكين منه” ووهبها داراً واسعة، ثم حدد يومين في الأسبوع يزورها الناس فيهما طلباً للعلم والنصيحة، لتتفرغ هي للعبادة بقية الأسبوع.
إن علاقة شعب مصر العظيم يتجسد بإهتمامهم بمساجد ومقامات الصالحين، فترى الكثير من المصريين والعرب والأجانب من زوار مسجد السيدة نفيسة عليها السلام، ليتلمسوا السكينة والهدوء وراحة النفس الخالصة، فإختيارها مصر توفيق من الله، وتمسك هذا الشعب بها، إيمان مطلق، فلا أجمل من أن نجاور تراب آل النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.
السيدة نفيسة والأئمة
ولمَّا وفد الإمام الشافعي (أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعيّ 150 – 204 للهجرة) إلى مصر، وتوثقت صلته بالسيدة نفيسة، واعتاد أن يزورها وهو في طريقه إلى حلقات درسه في مسجد الفسطاط، وفي طريق عودته إلى داره، وكان يصلي بها التراويح في مسجدها في شهر رمضان، ويعتبر الإمام الشافعي أكثر العلماء جلوساً إليها وأخذاً عنها، في الوقت الذي بلغ فيه من الإمامة في الفقه مكاناً عظيماً، فقد كان يعتبر مجلسه في دارها مجلس تعلم عنها، ومجلسه في مسجد الفسطاط مجلس تعليم الناس.
وكان الإمام الشافعي في زمانها إذا مرض يرسل لها ليسألها الدعاء فلا يرجع الرسول إلا وقد شفي الشافعي من مرضه، فلما مرض مرضه الذى مات فيه أرسل للسيدة نفيسة يسألها الدعاء كعادته فقالت: “متعه الله بالنظر إلى وجهه الكريم”، فعلم الشافعي بدنو أجله.
وأوصى الشافعي أن تصلي عليه السيدة نفيسة في جنازته، فمرت الجنازة إلى دارها فصلت عليه مأمومه بالإمام يعقوب البويطى، حين وفاته عام 204 هجرية تنفيذاً لوصيته.
كانت صلة السيدة نفيسة بقاصدي فضلها وعلمها لا تنقطع، وكان أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل (164 – 241 للهجرة) الفقيه والمحدث يداوم على زيارة السيدة نفيسة، وينهل في مجلس علمها. بهذا تكون نفيسة ذات أثر علمي في فقه عالمين كبيرين من أئمة المسلمين.
لقد كانت السيدة نفيسة، مبدعة في أشعارٍ روحانية، فهي ومن مثلها تشعر وكأن هناك علاقة روحانية وإرتباط وثيق مع الله تبارك وتعالى، وهذا ما نجده في الأوراد والأدعية والأشعار المنسوبة للسيدة نفيسة عليها السلام خصوصاً وآل البيت عليهم السلام عموماً، فاللغة العربية وتفاصيلها من فصاحة وخاطبة وبلاغة وتجويد ونحو وصرف هم أهلها.
السيدة نفيسة قالت القليل من الكلمات، وقيل عنها الكثير، وهي القائلة:
كم حاربتني شدة بجيشها ….. فضاق صدري من لقاها وانزعج
حتى إذا أيست من زوالها ….. جاءتني الألطـاف تسعى بالفرج
وإن أجمل ما بالسيدة نفيسة أنها إلى يومنا هذا تجمع قلوب المؤمنين على كافة مشاربهم ومذاهبهم وهذا ما أستطيع تسميته بالفطرة، فمن أراد ان يتعلم من شخصية قرآنية سمحة، فليرها في السيدة نفيسة عليها السلام (نفيسة العلم) جمعت العلم والدين وسخرتهما لحب الخالق تبارك وتعالى، وجل همها إرضاءه فكراً وروحاً والإبتعاد عما نهاه، حتى الخلوة الموجودة في مصر الواقعة خلف مكان إقامتها، هي شبيهة بخلوة “رابعة العدوية”، الشخصية التي شوهت تاريخياً ولم تنصف.
تقول السيدة نفيسة عليها السلام:
نامت عيون وسهرت عيون في أمور تكون أو لا تكون
إن ربّاً كفاك بالأمس ما كان سوف يكفيك في غداً ما يكون
فإدرأ الهم عن النفس ما إستطعت فإن حملانك للهموم جنون
وكما في بيت هذا الشعر: فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم .. إنَّ التشبهَ بالكرامِ فلاحُ، فهل هناك أجمل من أن نتشبه ونقتدي بمثل هؤلاء الناس الأطهار وكيف لا وهم آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وآل بيت النبي هم أكثر الناس إقتداءً بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتمثلوا في الآية الكريمة: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)، فهم خير من يطبق منهج القرآن الكريم وأخلاق القرآن، وقالت السيدة عائشة: (كان النبي خلقه القرآن) فذلك هم آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والسيدة نفس من هذا البيت الطاهر وهي سليلة النبي الأكرم، حفيدة السيدة فاطمة الزهراء “البتول” وبالسيدة مريم العذراء “البتول” أيضاً، فهنيئاً لكل النساء الذين يتشبهون بها ويقتدون بها.
السيدة نفيسة عليها السلام كانت من أفضل النساء في رعاية زوجها وبيتها وأسرتها، ومن أحسنهنَّ اتقاناً لفنِّ إدارة المنزل الذي كانت تعمره بالعبادة والذكر والتربية الحسنة، وحسن التعامل مع زوجها، وكانت تغمر من يجلس إليها بالمودة، وتُفيض عليهن من التوجيه والعلم، وشاءت السيدة نفيسة أن تختم حياتها بتلاوة القرآن وبينما كانت تتلو سورة الأنعام، حتى إذا بلغت آية: (لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون) وتشهدت شهادة الحق، وصعدت روحها إلى باريها في السماء، ولما فاضت روحها أراد زوجها أن ينقلها إلى البقيع عند جدها عليه الصلاة والسلام ولكن أهل مصر تمسكوا بها وطلبوا منه أن يدفنها عندهم وكان أن قبل بذلك، فدفنها في قبرها الذي حفرته بنفسها في مصر. وبذلك تباركت أرض مصر بطهارة آل البيت في الحياة وفي الموت.
د. عبدالعزيز بن بدر القطان


