مبادرات خضراء وتطورات جارية ونظرة مستقبلية بالميناء
التركيز على تطويره كميناء رئيسي للتزود بالوقود
الميناء يشغل مكانة محورية في قطاع الثروة السمكية
يوسف البلوشي: الدقم تتميز بموقع استثنائي على خارطة الاستثمارات العالمية
محمد العنسي: ميناء الدقم من أهم الموانئ العالمية في النقل البحري
طاهر الجنيبي: اهتمام عالمي بالميناء يعكس مقوماته وجاذبيته
كتب ـ ماجد الهطالي
مع الانتهاء من الأعمال الإنشائية في البنية الأساسية بميناء الدقم، ومباشرة خدماته يعمل الميناء حاليا على اتخاذ خطوات ثابتة من أجل تحقيق نمو كبير في السنوات التالية، وتطوير المشروعات الاستراتيجية والمبادرات الخضراء.
ومن المشاريع التي تتوافق بالكامل مع الاستراتيجية المتبعة من قبل شركة ميناء الدقم مشروع «هايبورت الدقم» الذي يعتبر الأكثر أهمية من بين المبادرات الخضراء حيث يستهدف إنتاجا ضخم الحجم من الهيدروجين الصديق للبيئة (من الطاقة المتجددة) كوقود مستقبلي ومشتقاته وتصدير هذه المنتجات عبر ميناء الدقم. ويقع المشروع في موقع قريب من الميناء (بالقرب من رصيف نقل السوائل لتسهيل تصدير المنتجات السائبة)، من المتوقع للمشروع أن يحول ميناء الدقم إلى محور من أجل تداول وتوزيع الهيدروجين الأخضر وهو ما يضع ميناء الدقم على الخريطة العالمية في الاقتصاد الوليد للهيدروجين.
وأكد خبراء ورجال أعمال أن عوامل الإنتاج وسلاسل التوريد العالمية أفرزت قواعد تجعل من الدقم وصلة مهمة في مسارات التجارة الدولية، وأن سلطنة عُمان تمتلك سجلا تاريخيا كمركز للتجارة الإقليمية والدولية، وكنقطة التقاء بين أسواق الإنتاج وأسواق الاستهلاك ولديها اتفاقيات التجارة الحرة، مما يجعل من ميناء الدقم المطل على خطوط الملاحة البحرية وخدماته المتعددة مركزا عالميا لوجستيا.
كما يقوم الميناء بتوسيع عروض الخدمات البحرية ويركز على تطوير الميناء كميناء رئيسي للتزود بالوقود، وتطوير مشاريع مشتركة لضمان توفير وقود أكثر مراعاة للبيئة بما يتماشى مع اللوائح الدولية، ومنذ إطلاقه كميناء تجاري، بدأ ميناء الدقم تدريجياً في شغل مكانة محورية في قطاع الثروة السمكية من خلال دعم أنشطة التصدير من خلال رصيفه التجاري.
منطقة واعدة
وقال يوسف بن حمد البلوشي أكاديمي وخبير اقتصادي: إن المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم تأتي لتكون إحدى قاطرات النمو المهمة في المستقبل لسلطنة عمان، حيث تعتبر هذه المنطقة إحدى أهم الآليات الاقتصادية التي تبنتها الحكومة العمانية لتعزيز جهود التنويع الاقتصادي. ولقد جاء إنشاء المنطقة المذكورة في عام 2011 كإحدى ثمار النهضة التي تشهدها السلطنة على كافة الأصعدة، حيث تركز على استقطاب مجالات استثمارية جديدة تتميز بكثافتها للأيدي العاملة الوطنية من الشباب، وتعزيز القيمة المضافة للثروات التي تزخر بها سلطنة عمان بصفة عامة، و«محافظة الوسطى» بصفة خاصة، فضلًا عن الاستغلال الأمثل للموقع الجغرافي الاستراتيجي الذي تتميز به المنطقة. على الشريط الساحلي لبحر العرب المفتوح على المحيط الهندي، وتزخر بثروات سمكية هائلة وبقربها من مناطق إنتاج النفط والغاز وتوافر العديد من المعادن التي يمكن استغلالها في إقامة مشروعات صناعية، الأمر الذي يؤهلها لتصبح قاعدة صناعية متكاملة لصناعات التحويلية، كما أن تنفيذ المصفاة ومشروعات الصناعات الثقيلة والبتروكيماوية يعتبر حافزا لتنفيذ مشروعات أخرى متوسطة وخفيفة. وتُعد المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم من ضمن المناطق الاقتصادية الكبرى في العالم والأكبر في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من حيث المساحة البالغة 2000 كم مربع قادرة على توفير المساحات المطلوبة للمشروعات، كما تفسح المنطقة المجال للمطورين الراغبين في تنفيذ مشاريع متنوعة على مساحات تزيد عن 50 هكتارا تنفيذ مشروعاتهم من منحهم مزايا إضافية.
وأفاد بأن المنطقة الاقتصادية بالدقم المطلة على بحر العرب تعتبر أحد أبرز المناطق الصناعية في السلطنة، فموقعها الجغرافي يعطي بعدا سياسيا واقتصاديا يترجم فكر السلطان قابوس بن سعيد المعظم- طيب الله ثراه-، في حفظ السلام والأمن الإقليمي للمنطقة، وعليه فقد شُيدت على بنية أساسية رفيعة المستوى، تلتزم بأعلى معايير المحافظة على السلامة والبيئة، وتتوفر بها مرافق اقتصادية وسياحية جذابة تجعلها واحدة من أفضل الأماكن للزيارة والإقامة والعمل والاستثمار في منطقة الشرق الأوسط، وواحدة من أهم المراكز الاستراتيجية في المنطقة والعالم.
وعلى صعيد بيئة الاستثمار في الدقم أوضح الدكتور يوسف البلوشي، أن المستثمرين- بشكل عام- يجدون ما يبحثون عنه من مزايا لموقع استثماراتهم في منطقة الدقم الخاصة، والتي تشمل سهولة الإجراءات الحكومية والاستقرار السياسي، والبنية الأساسية، والاتصالات، والملكية، ومدى توفر الموارد الطبيعية ووسائل النقل والأيدي العاملة الماهرة ومناطق الجذب السياحي ومزايا الإقامة في منطقة الاستثمار ومدى توفر مستشفيات ومدارس وأماكن للتسلية، وغيرها من الخدمات اليومية الأساسية، وهذه الأمور جميعها هي التي تجعل من مدينة الدقم بيئة جاذبة للاستثمار.
وصلة مهمة
وأكد أن محركات العولمة المرتبطة بعوامل الإنتاج وسلاسل التوريد العالمية أفرزت قواعد ومبررات تجعل الدقم بمساحتها الشاسعة وموقعها المتفرد المطل على ممرات مائية وصلة مهمة في مسارات التجارة الدولية. ولا يخفى أن (قطاع اللوجستيات) هو أبرز مكامن القوه وتمتلك فيه الدقم ميزة جغرافية وإطلالة على ممرات مائية واسعة قريبة من الأسواق الإفريقية والهندية والآسيوية وهي ذاتها الأسواق التي تستهدفها المنتجات العمانية والخليجية، موضحا أن وجود ممر بري مباشر عن طريق منفذ الربع الخالي سيعمل على تعزيز التنافسية من خلال تقليل تكلفة الشحن، والتأمين والمدد الزمنية التي يحتاجها للمرور من الممرات المائية الخطرة وغير المستقرة، فعمان تمتلك سجلاً تاريخياً كمركز للتجارة الإقليمية والدولية، وكنقطة التقاء بين أسواق الإنتاج وأسواق الاستهلاك ولديها اتفاقية التجارة الحرة مع سوق عملاق في الولايات المتحدة الأمريكية. وكذلك الحال فيما يتعلق بقطاع الثروة السمكية الذي تمتلك فيه سلطنة عمان وخاصة محافظة الوسطى مخزوناً كبيراً جداً ومصائد مفتوحة مطلة على المحيط الهندي. كما تزخر الدقم بمخزونات كبيرة عالية الجودة من المعادن المختلفة وغير ذلك من قطاعات.
الإنتاج الفعلي
وأوضح أن النشاط الذي تشهده المنطقة يعكس ما تحظى به من اهتمام محلي وإقليمي ودولي. حيث بدأت مدينة الدقم الدخول إلى مرحلة الإنتاج الفعلي لدعم الاقتصاد الوطني، وتحتوي المنطقة على العديد من البنى الأساسية الداعمة والمستقطبة للاستثمارات؛ إذ تضم ميناء بحريا بمواصفات عالمية، ومركزاً صناعياً كبيراً، ومحطتين لتوليد الكهرباء وإنتاج المياه، ومطارا جويا دوليا لخدمة المسافرين من وإلى الدقم ولأغراض الشحن، وحوضا جافا لصيانة السفن، وشبكة متكاملة من الطرق المزدوجة والمفردة ومجموعة متنوعة من الخيارات الفندقية، وغيرها من المشاريع التي جعلت هذه المنطقة نموذجا للتنمية الاقتصادية المتكاملة لا سيما أنها تدار بواسطة هيئة حكومية مستقلة ماليا وإداريا، ويبلغ إجمالي الاستثمارات التي وقعت عقود انتفاع مع هيئة المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم حتى نهاية عام 2019 حوالي 14 مليار دولار.
الفرص الاستثمارية
وحول الفرص الاستثمارية في الدقم أكد أن الدقم تتميز بموقع استثنائي على خارطة الاستثمارات العالمية وتزخر بالعديد من الفرص الاستثمارية، في أغلب القطاعات كقطاع المصافي وتخزين وتكرير النفط والصناعات البتروكيماوية، وقطاع الصناعات الثقيلة والمتوسطة والخفيفة، وقطاع النقل والخدمات اللوجستية، والاستثمار السياحي وإنشاء الفنادق والمجمعات السياحية، وتقديم الخدمات العلاجية والصحية وإنشاء المستشفيات والمراكز الصحية، وإنشاء المدارس الخاصة والمعاهد التدريبية والكليات الجامعية، وإنشاء الأسواق والمجمعات السكنية والتجارية، وإنشاء المرافق الرياضية، والاستثمار في قطاع التعدين وأيضا التطوير العقاري، والاستثمار في الصناعات السمكية.
وأشار إلى أن ميناء الدقم يتميز بموقعه الجغرافي بالقرب من خطوط الملاحة العالمية والأسواق الإفريقية والآسيوية كما يتمتع ببنية أساسية متطورة، إذ يبلغ إجمالي أطوال كاسري الأمواج حوالي 8.7 كم فيما يصل عمق حوض الميناء إلى 18 مترا وقناة الدخول إلى 19 مترا مما يؤهله لاستقبال ومناولة سفن الحاويات العملاقة. ويتألف الميناء من 3 أرصفة هي: الرصيف التجاري، والرصيف الحكومي، ورصيف المواد السائلة والسائبة (الرصيف النفطي).
بيئة تكاملية
وقال محمد بن حسن العنسي رئيس لجنة تنظيم سوق العمل بغرفة تجارة وصناعة عمان: إن ميناء الدقم سيوفر بيئة تكاملية مع موانئ السلطنة ويسهم في تفعيل وتعزيز دور المستثمر المحلي و المستثمر الأجنبي من خلال الربط مع الأسواق المستهدفة لتعزيز أداء الاقتصاد الوطني وتمكينها من أجل تحقيق الأهداف المرجوة نحو تفعيل دور القطاع الخاص المحلي وزيادة مساهمته في التنمية الاقتصادية وتمكينها من التنافس عالميا.
وأوضح العنسي أن ميناء الدقم من أهم الموانئ العالمية في النقل البحري بحكم تميزه بخدمات عديدة؛ كمناطق اقتصادية ومناطق لوجستية مخصصة للتخزين وإعادة التصدير وكذلك المناطق الصناعية والصناعات التحويلية كما أنه الميناء الوحيد في السلطنة الذي يقع في منطقة حرة ويتكامل تماماً مع المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم مما يتيح للمستثمرين جني فوائد الحوافز التشغيلية والمالية التي تقدمها الحكومة العُمانية.
وبين محمد العنسي أن ميناء الدقم يتمتع بموقع استراتيجي خارج مضيق هرمز، ومطلا على خطوط الشحن العالمية لتوصيل الخدمات وخدمة الأسواق في كل من إفريقيا وآسيا ودول مجلس التعاون الخليجي، مشيرا إلى أن الميناء مع مبادراته الاستراتيجية في الاهتمام بالمشاريع الخضراء سيكون محط أنظار المستثمرين المحليين والأجانب، كما أن الميناء يمتاز بأنه متعدد الأغراض ويتمتع ببنية أساسية ذات مستوى عالمي، ومرافق متعددة الوسائط.
ميزات نسبية
وقال طاهر بن مبخوت الجنيبي: ان ميناء الدقم يملك مقومات النجاح من حيث الموقع الاستراتيجي المفتوح على المحيط الهندي وخطوط الملاحة العالمية بعيدًا عن مراكز التوترات الإقليمية يؤهل الميناء لأن يكون مركزا لوجستيا عالميا حيث إن الميناء بعمق ١٨ مترا مؤهل لاستقبال أضخم سفن الشحن العملاقة ومن خلاله تستطيع سلطنة عمان أن توفر رافدا اقتصاديا عماده الخدمات اللوجستية والشحن وإعادة الشحن إلى الأسواق المحلية والإقليمية، بالإضافة إلى ذلك فإن ميناء الدقم هو الأقرب إلى حقول النفط في السلطنة وتحويل عملية استيراد البضائع المتعلقة بقطاع النفط والغاز إلى هذا الميناء سيكون بتكلفه مالية وبيئيه أقل مما سيساهم في رفع تنافسية الاقتصاد الوطني ناهيك عن تحسين مستوى السلامة على الطريق باستخدام الشحن البحري. كما أن الميناء على مقربة من مناطق وجود بعض الخامات المعدنية التي تلاقي طلب متزايد مثل الحجر الجيري والسيليكا والجبس حيث يمكن أن تصدير هذه الخامات من خلال مرفأ البضائع السائبة في الميناء إلى الأسواق العالمية بكل سهولة ويسر وبتكلفة أقل.
وأكد الجنيبي على الاهتمام العالمي بميناء الدقم حتى قبل افتتاحه بسنوات وهو مؤشر إيجابي على نجاح الميناء في جذب انتباه المستثمرين الأجانب خاصة بالإضافة إلى عامل الموقع فإن الميناء يقع ضمن منطقة الدقم الاقتصادية التي تقدم حوافز ممتازة للمستثمرين من حيث الرسوم والضرائب والجمارك والبنية الأساسية المناسبة بالإضافة إلى وجود حوض جاف لخدمة السفن القادمة ووجود مطار الدقم الذي تم بناؤه على أفضل المواصفات ومصفاة الدقم ومراكز تخزين النفط في رأس مركز والعديد من المرافق سياحية والترفيهية التي تشكل بيئة جاذبة لممارسة الأعمال، مشيرا إلى ضرورة تكامل مؤسسات الدولة مع توجهات رؤية عمان ٢٠٤٠ لتحسين مؤشرات بيئة الأعمال لتعظيم الاستفادة من هذه الممكنات الاقتصادية التي قامت السلطنة ببنائها في مختلف المحافظات.

